يلتقي المراقبون والمتابعون للشؤون اليمنية على أن الوحدة اليمنية في ذكراها التاسعة عشرة تواجه تحديات كبيرة جراء الأحداث التي شهدتها العديد من المناطق الجنوبية مؤخراً والتي وصلت في بعض مظاهرها إلى المطالبة بالعودة إلى ما قبل الـ 22 مايو 1990 والدعوة للانفصال من قبل بعض قادة ما يسمى بالحراك الجنوبي، الأمر الذي أثار ردود فعل داخلية وخارجية تحذر من مخاطر انقسام البلد مجدداً.
وتباينت الدعوات حيال هذه التطورات ما بين محذرة من خطورة الوضع ومطالبة للسلطات باتخاذ تدابير فعالة لمعالجة الأسباب التي أدت إلى ظهور تلك النزعات وما بين اعتبارها نتاجاً لتآمر خارجي وتعالت الأصوات المحذرة على خلفية التطورات التي طرأت على الحراك الاحتجاجي، في المناطق الجنوبية الشرقية فلأول مرة تخرج بقدر كبير من التنظيم والتناغم عن المطالب الحقوقية التي رفعها محتجون عسكريون ومدنيون دعوا في بادئ الأمر إلى تسوية أوضاعهم الحقوقية عام 2007 ثم اتخذت مؤخراً منحى جديداً بالدعوة للانفصال صراحة وظهرت ملامحه في أكثر من مؤشر مادي ورمزي عكست في مدلولاتها حالة من التذمر إن لم تكن انقلاباً شعبياً على الوحدة اليمنية.
ومع أن تلك المناطق كانت الأكثر حنيناً وتطلعاً للوحدة اليمنية التي أعلنت في الـ 22 مايو 1990 بميلاد الدولة اليمنية الموحدة إلا أنها اليوم تبدو على غير ذلك، وبدت الشعارات والمطالب المرفوعة الداعية إلى العودة إلى ما قبل عام 90 تجد صدى واسعاً لدى قطاعات عريضة مستفيدة من الظروف الاقتصادية والصعوبات المعيشية التي يعاني منها اليمن عامة والمناطق الجنوبية الشرقية على وجه الخصوص.
مشكلات عميقة
وطبقاً للمحللين والمتابعين للشؤون اليمنية تعرض اليمن لتحولات كبيرة في العقدين الأخيرين خلخلت الكثير من قواعد التوازن الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والإداري في البلاد مما أدى إلى بروز الكثير من المشكلات العميقة، فعلى الرغم من أن الوحدة التي أعلن عن قيامها بين البلدين مثلت بارقة أمل في المنطقة العربية إلا أن من سوء حظها أنها ترافقت مع هزات عنيفة تعرضت لها المنطقة.
فقد أدى اجتياح صدام حسين للعراق إلى عودة ما يربو على 800 ألف مهاجر يمني من بلدان الخليج جراء موقف صنعاء من الحرب آنذاك مما قلص من عائدات البلاد من العملة الصعبة الذي كان المغتربون يمثلون أهم مصادرها في الوقت الذي تشكل فيه اقتصاد دولة الوحدة من إرث اقتصادين عليلين لشطري البلاد.
وقد ترتب على ذلك وعلى حرب صيف 1994 أن عانى الاقتصاد اليمني من انهيار تام وصل فيه التضخم أواخر ذلك العام إلى 120% وعجز الموازنة إلى 70% وانهارت قيمة العملة اليمنية بنسبة تجاوزت الـ 500 مقارنة بما كانت عليه عند قيام الدولة اليمنية الموحدة مما حتم على البلاد الخضوع للبرنامج النمطي للإصلاحات الاقتصادية والمالية للمؤسسات المالية الدولية (صندوق النقد والبنك الدوليين).
وترتب على خضوع اليمن نتائج متباينة، ففي الوقت الذي عمل ذلك البرنامج على تجنيب البلاد انهيار اقتصادي كان له آثار وخيمة على غالبية سكان البلاد نتيجة لرفع الدولة يدها عن التدخل في الميادين الاجتماعية والاقتصادية عن طريق تحرير أسعار المواد الاستهلاكية الأساسية وتعويضها بزيادة في الأجور والرواتب.
إلا أن تلك الزيادة لم تكن سوى زيادة اسمية نظراً لتآكل القيمة الحقيقية للنقود التي فقدت ما يزيد على 500% من قيمتها آنذاك ومع أن المشكلة شملت جميع مناطق البلاد إلا أن تأثيراتها كانت في المناطق الجنوبية الشرقية التي كانت تشكل اليمن الجنوبي سابقاً كانت شديدة الوطأة على السكان هناك نظراً لاعتمادهم بدرجة أساسية على دور الدولة الاشتراكية في دعم المواد والخدمات غير أنه بعد تحرير أسعارها وفقاً لتعليمات المؤسسات المالية الدولية .
ومع الحد من مناصب العمل في القطاع العام وفق ما يمليه البنك الدولي وصندوق النقد تأثر جل الموظفين والعاملين في القطاع الحكومي الذي بقت رواتبه غير قادرة على الوفاء بالحد الأدنى من المتطلبات المعيشية مما زاد من عداد الفقراء إلى 41% من السكان في الوقت الذي ارتفعت مؤشرات البطالة إلى مستويات قياسية.
تزايد النقمة الشعبية
ولعل ذلك أهم العوامل التي أدت إلى تزايد النقمة الشعبية على السلطات ومن ثم على الوحدة التي أضحت تتحمل أوزار السياسات فتعالت الأصوات الداعية إلى الانفصال لاسيما مع اقتران قسوة تلك الأوضاع بسوء الإدارة وانتشار الفساد والمحسوبية وسياسة الإقصاء والتهميش التي طالت المنتميين للمناطق الجنوبية عقب منذ حرب 94.
ويرى المحلل السياسي محمد سيف النقيد في معرض تعليقه على التطورات الحاصلة في جنوب البلاد لـ «البيان» أن الأزمة التي تعصف بتلك المناطق من اليمن ليست وليدة اليوم بل تمتد جذورها إلى منتصف التسعينات من القرن الماضي، وتحديداً إلى ما بعد حرب صيف 1994 الأهلية التي اندلعت على خلفية انقسامات وصراعات سياسية مريرة بين النخبة الحاكمة في البلاد.
ويذهب النقيد إلى أن الطريقة التي أُديرت بها ملفات ما بعد الحرب من قِبل قوى المركز المنتصرة في صنعاء أدت إلى مفاقمة المشكلة عوضاً عن حلّها، إذ تم تجاوز العديد من القضايا المُلِحّة المترتبة على هذه الحرب، كقضية الضباط والجنود المُسرّحين، والذين ينتمي أغلبهم إلى أقاليم ومحافظات اليمن الجنوبي، وكذلك مصير مقرات الحزب الاشتراكي وممتلكاته وأمواله، كما موقعه في هيكلية الحكم وبُنَاه السياسية، ناهيك عن مشكلة الأراضي التي وزعت بشكل تعسفي، أو تم وضع اليد عليها بالقوة من قِبل سياسيين وقادة عسكريين، أو أشخاص نافذين في الفترة التي أعقبت انتهاء الحرب في مناطق الجنوب.
ومع أن الحكومة بادرت إلى معالجة الحقوق المطلبية لما يزيد على 70 ألفاً من المحتجين وخصصت ما يربو على 50 مليار ريال لتسوية أوضاع المتقاعدين والمنقطعين عن الخدمة طبقاً لما أكده الرئيس صالح مؤخراً، إلا أن الاحتجاجات تواصلت بل أنها تحولت من مطالب حقوقية إلى مطالب سياسية تنادي بالانفصال والعودة إلى ما قبل 22 مايو 90 الأمر الذي وضع البلاد أمام منعطف خطير لا يمكن الخروج منه إلا بتدابير فعالة منها حسب أستاذ العلوم السياسية بجامعة صنعاء نجيب غلاب توسعة الحكم المحلي ومنحه صلاحيات واسعة ومراجعة الدستور بالشكل الذي يؤسس لنظام رئاسي قوي قادر على مواجهة استحقاقات المرحلة وضغوطها الاقتصادية والاجتماعية.
الإرهاب هو المستفيد
من جانبه يرى الباحث والمحلل في مركز سبأ للدراسات الاستراتيجية عايش عواس في تعليق له لـ «البيان» انه لن يستفيد من الفوضى الحالية سوى الحركات الدينية المتطرفة والجماعات الإرهابية التي تنشط، وتنتعش كلما ضعفت الدولة أو انهارت، مشيراً إلى أنه ليس من صالح أي طرف أن تتجزأ البلاد، وتتحول إلى مليشيات في ظل وجود ما يربو على 20 مليون قطعة سلاح في يد السكان.
ويذهب عدد من المراقبين إلى أن ما يجري ليس إلا تراكماً للأخطاء التي أفضت إلى هذه الحالة، ومن تلك الأخطاء حسب النقيد: «سوء إدارة الحكم وشيوع الفساد بين هياكله ومؤسساته على اختلافها، والافتقاد إلى الشفافية والتبصّر في التعاطي مع أزمات البلاد ومشكلاته، وتحول السلطة إلى مزيد من الشخصنة لا المؤسسية، وأحادية عملية صنع القرار واحتكارها بيد عدد محدود من الأفراد».
ويستطرد النقيد موضحاً أن هذا الوضع أصاب الكثير من مؤسسات الدولة القائمة بالشلل، أو الترهّل وقلّة الفاعلية في أحسن الأحوال. كما أدى إلى ترسيخ ذهنية التعامل الأمني مع الكثير من القضايا الوطنية، ودفع البعض، في المقابل، إلى المواجهة وتحدي السلطات عن طريق استخدام العنف والاحتكام إلى السلاح.
وهذا كله خلق مناخاً مواتياً لتفشي حالة من عدم الاستقرار في معظم أرجاء البلاد، وأخذت تُلقي بظلالها الثقيلة على مستقبل «العربية السعيدة» وعلى نحو يُنذِر، في حال لم تعالج المشكلات الراهنة بذهنية جديدة مُنفَتِحة وديمقراطية ترمي إلى تحقيق العدالة والمواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات، بأن ما نشهده اليوم ليس سوى قمة جبل الجليد وأن القادم سيكون أسوأ بكثير!
ويتفق عواس مع غلاب حول: ان الخروج من هذا الوضع يمكن بتبني جملة من الإجراءات والتدابير وهي: توسيع نطاق الحكم المحلي ومنح السلطات المحلية صلاحيات واسعة، وتبني نظام انتخابي جديد يسمح بتوفير العدالة لقطاعات واسعة من السكان ونظام مسألة فعال.
في غير صالح البلاد
وإذا ما استحضر المتابع للتطورات اليمنية النمو المتواتر للسكان بواقع 2. 3% سنوياً مقابل تواضع نمو الناتج المحلي والاقتصادي بوتيرة أقل من نمو السكان وتدني متوسط دخل الفرد إلى 600 دولار في العام يبدو جلياً مدى تأثير العامل الاقتصادي والاجتماعي إلى جانب العوامل السياسية خاصة منذ حرب 94 على تحريك الشارع اليمني وتنامي ظاهرة الاحتجاج إلى الحد الذي وصل إليه مطالباً بالانفصال وهو أمر ليس في صالح البلاد ولا المنطقة.
الأمر الذي يستدعي أن تبادر السلطات إلى معالجة الاختلالات التي أفرزتها الممارسات الخاطئة طيلة الفترة السابقة من ناحية ومد المجتمع الدولي يد العون إلى بلد يعاني من محدودية الموارد ومن سوء استغلالها في آن واحد.
إضاءة
يذهب عدد من المراقبين إلى أن ما يجري ليس إلا تراكماً للأخطاء التي أفضت إلى هذه الحالة، ومن تلك الأخطاء حسب النقيد: «سوء إدارة الحكم وشيوع الفساد بين هياكله ومؤسساته على اختلافها، والافتقاد إلى الشفافية والتبصّر في التعاطي مع أزمات البلاد ومشكلاته، وتحول السلطة إلى مزيد من الشخصنة لا المؤسسية، وأحادية عملية صنع القرار واحتكارها بيد عدد محدود من الأفراد».
صنعاء ـ عبدالكريم سلام