في عام 1947 وضع الكاتب المسرحي الأيرلندي العالمي صامويل بيكيت «رائد المسرح الطليعي» رائعته الخالدة «في انتظار جودو» هذه المسرحية التي تناولت شخصيات معدمة ومهمشة ومنعزلة في الحياة تنتظر شخصاً يدعى «جودو» ليغير حياتها نحو الأفضل، ولا يأتي جودو أبداً.
المتابع للأوضاع على الساحة الدولية يلاحظ أن العرب، وربما العرب وحدهم، هم الذين مازالوا يضعون رهاناتهم كاملة على البيت الأبيض وينتظرون «الفرج» يأتي من واشنطن، والجميع يتساءلون في العالم العربي:
ماذا سيقدم أوباما للعرب، وماذا سيفعل في العراق وفلسطين والسودان والخليج والمغرب واليمن والصومال؟ وهل سيفعل شيئاً للديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان في عالمنا العربي؟ وإذا كان «جودو» لم يأت في مسرحية صامويل بيكيت، فإن الرئيس الأميركي يأتي دائماً ويعد بالكثير، لكنه لا يغير أي شيء في حياة العرب، اللهم إلا إلى الأسوأ دائماً، ورغم هذا يظل العرب ينتظرون «جودو» الأميركي.
هناك تغييرات جذرية على الساحة الدولية بدت معالمها واضحة مع وصول إدارة الرئيس أوباما للبيت الأبيض، وربما ظهرت قبل وصول إدارة أوباما، وبالتحديد مع اندلاع الأزمة المالية العالمية التي أجمع العالم على أن الولايات المتحدة هي السبب الرئيسي وراء اندلاعها. وقد بدا واضحاً أن لا أحد في العالم كله يعول أي أمل على الولايات المتحدة في هذه الأزمة، بينما ذهبت دول أوروبا الكبرى تبحث عن حلول فردية لمواجهة الأزمة أو حلول ثنائية مع دول تستطيع مساعدتها مثل روسيا والصين وغيرهما.
لا شك أن الأزمة المالية العالمية ستكون الشغل الشاغل للإدارة الأميركية الجديدة، وما عداها سيكون من قبيل الاستهلاك السياسي وممارسة الدور الأميركي التقليدي على الساحة الدولية، هذا الدور الذي يضع العرب وحدهم عليه آمالهم ولا يعيره الآخرون الاهتمام، بل ربما لا يريدونه، وخاصة الدول الأوروبية الكبيرة التي بات واضحاً أنها الأسرع والأكثر تعاملاً مع المتغيرات على الساحة الدولية.
وليس غريباً أن نجد الأوروبيين الكبار يستقبلون أوباما برسائل موجهة مفادها أن بقاء الحال على ما كان عليه من العلاقات بين ضفتي الأطلسي أمر أصبح مشكوكاً فيه، وأنه آن الأوان لواشنطن أن تغير سياساتها الخارجية إذا أرادت الحفاظ على علاقاتها مع الأوروبيين، وبادلهم أوباما المعاملة بالمثل فلم نجد منه اهتماماً بأوروبا لا في تصريحاته ولا في جولاته.
رئيس الحكومة الإيطالية سيلفيو بيرلسكوني شدد على أهمية أن يحافظ أوباما على حوار متواصل مع روسيا، ووزير الخارجية الألماني فرانك شتاينماير دعا أوباما لتفعيل التعاون مع روسيا وخاصة في قضايا الأمن الأوروبي، وهي إشارة غاية في الأهمية من شخص مثل الوزير الألماني المعروف عنه التشدد مع روسيا.
رسائل الأوروبيين إلى أوباما تشير إلى أن الولايات المتحدة لم تعد هي القطب الذي يجذب إليه الآخرين، وهذا الأمر يعني أن موازين القوى السياسية في العالم سوف تشهد تغييرات جذرية قادمة. ترى هل يستوعب العرب الدرس قبل فوات الأوان، أم يظلون في انتظار«جودو» الأميركي الذي لن يأتي إليهم أبداً؟