«الهيميسفير» مصطلح عن اليونانية يفيد معنى نصف الكرة.. والمصطلح شائع الاستخدام في معجم السياسة الخارجية والسياسة الإقليمية أيضا للولايات المتحدة.. ويقصد به النصف الغربي من الكرة الأرضية.. وهو النصف الذي يضم قارتي أميركا الشمالية (الولايات المتحدة وكندا والمكسيك) وأميركا الجنوبية أوهي أميركا اللاتينية حسب تعريفها سياسيا، وبينهما بالطبع شبه قارة يُعرف باسم أميركا الوسطى أحيانا أو باسم منطقة البحر الكاريبي في أحيان أخرى.

لا يزال تاريخ هذا النصف الغربي من كوكبنا يذكر بالذات يوم 2 ديسمبر من عام ,1822. وهو اليوم الذي ألقى فيه رئيس الولايات المتحدة وقتها، جيمس مونرو ـ خطابا ليؤكد الدور المهمين لواشنطون ـ عاصمة الدولة الأميركية الشمالية الوليدة (عمرها وقتئذ لم يكن يتعدى 47 سنة فقط ليس إلا) في أصقاع جارتها اللاتينية إلى الجنوب.. وبحيث تكاد تنفرد واشنطون المتحدة بالتصرف ـ إن لم يكن التحكم ـ في مقاليد الجيران طبقا لهذا الإعلان الذي مازال يحمل اسم «مبدأ مونرو».

ويزيد الأمر تعقيدا عندما لا يقتصر دهاقنة الإعلام والسياسة في أميركا على الإحالة إلى المبدأ المذكور، وإنما يقدمون على وصف يخلعونه على قارة أميركا اللاتينية.. بشعوبها وإمكاناتها ومواردها وقواها البشرية.. والوصف يتألف من لفظتين هما: فناؤنا الخلفي أو الردهة الخلفية لواشنطون.

تدفق المتغيرات

وإذا كانت عقود الزمن الماضي قد درجت على استخدام مثل هذه الأوصاف.. فإن مياها لا حصر لها جرت وما زالت تجري في البحر الكاريبي وأيضا في المحيطين الأطلسي والهادي وكان الطبيعي أن تحمل مع تدفقها متغيرات في الفكر والسلوك والمواقف.

هكذا وصل الأمر في الآونة الأخيرة إلى طرح شعار ربما أعانت على صياغته التصرفات غير الراشدة إلى حد الاستفزاز التي أقدمت عليها إدارة بوش السابقة عبر سنواتها الثماني. والشعار الجديد يقول ببساطة ما يلي: بصراحة نحن لم نعد فناء واشنطون الخلفي بهذا المعنى.. جاء عنوان البحث المهم الذي نشرته مجلة متخصصة في الشؤون السياسية الجارية وهي «كرنت هستوري» التي خصصت أحد أعدادها الصادرة مؤخرا لمحور متكامل عن قارة أميركا اللاتينية: الحاضر.. والمستقبل.

وإذا كانت الدراسة قد أشارت في معرض الإشادة المفعمة بالوعود إلى أولى الخطوات الإيجابية التي اتخذتها إدارة أوباما الحالية تجاه الجارة اللاتينية الجنوبية، إلا أنها أوضحت أن المطالبة بتغيير العلاقة مع واشنطون جاءت مبادرتها أساسا من جانب قيادات وشعوب أميركا اللاتينية، وبالتحديد في مناسبة انعقاد مؤتمر اتسم بالأهمية القصوى.. وجاء هذا الانعقاد قبل شهر واحد لا يزيد من دخول السيد باراك أوباما إلى مكتب الرئاسة في البيت الأبيض.

أهمية المؤتمر اللاتيني

وقد تجلت أهمية المؤتمر اللاتيني المذكور بفعل عدة عوامل أساسية متشابكة: أولا ضم المؤتمر جميع دول أميركا اللاتينية بغير أي استثناء وعددها 33 دولة فكان بذلك تجسيدا حيا لكتلة سياسية وإقليمية مرشحة لأن يكون لها وزن ودور لا يستهان بهما في تسيير الأمور (حمل المؤتمر اسما له دلالته وهو «الميجا مؤتمر» بمعنى السوبر تجمّع)

ثانيا لاحظ المراقبون استبعاد الولايات المتحدة تماما من حضور هذا المؤتمر.. على خلاف أكثر من سابقة سياسية كانت متبعة في الماضي، حيث سبق الشريك الأكبر والفاعل المؤثر في أقدار ومصائر نصف الكرة الغربي.

ثالثا هذا الاستبعاد والاستثناء فَتَح أعين الدارسين والمحللين على حقيقة أخرى وهي اطراد استبعاد الولايات المتحدة، بجلالة قدرها، من مؤتمرات وتجمعات ومؤسسات شتى في أميركا اللاتينية.. ومنها مثلا سوق «الميركسور» المشتركة وهي دول المخروط الجنوبي في أميركا اللاتينية وقد تأسست عام 1991 وتضم كلا من الأرجنتين والبرازيل وأوروغواي وباراغواي وجماعة ريو التي يرجع تأسيسها إلى عام 1986 وتضم 23 من دول القارة الجنوبية وأحدث هذه التجمعات الأميركية الإقليمية وهو اتحاد دول أميركا الجنوبية المعروف باسم «الاوناسور».

المهم أن عقد الميجا ـ مؤتمر الأخير مع نهاية عام 2008 في مدينة «باهيا» بالبرازيل أكدت دور برازيليا القيادي بكل معنى في قيادة هذه المجموعة اللاتينية، لا بفضل مهارة دبلوماسية ولا حنكة سياسية فحسب، ولكن بفضل ما استطاعت البرازيل أن تنجزه في مضمار الأداء الاقتصادي والتنمية المستدامة والاستثمار الواعي الرشيد للموارد الطبيعية الواسعة النطاق.. التي تحفل بها بوصفها أكبر أقطار قارة أميركا اللاتينية.

في هذا السياق بالذات تقول الدراسة التي نشرتها مجلة «كرنت هستوري» وشارك فيها اثنان من أكبر الخبراء الباحثين في هذا الشأن وهما «مايكل شيفر» و«دانييل جويس»: في ظل القيادة الفعالة لرئيس برازيلي فاز بولايتين وهو «فرناندو كاردوسو» فضلا عن الرئيس الحالي «لويس دي لولا» استحقت البرازيل وصف «بلد المستقبل» بعد أن وضعت الركائز الأساسية التي يقوم عليها الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي الذي طالما فاتها منه الكثير.

دور القيادات الوطنية

من جانبنا، وفي معرض التعليق على ما تذهب إليه هذه الدراسة علينا أن نقر بأهمية عنصر القيادة وبحيوية الدور الذي تقوم به القيادات الوطنية القومية في تعبئة جهود شعوبها على نحو ما شهدته البرازيل إلى حيث أصبحت بشهادة مجامع دولية شتى، هي الاقتصاد رقم 10 في العالم. وليس لأحد أن يستهين بهذه المرتبة.. ولا لامرئ أن يسارع إلى المقارنة مع ما أحرزته دول كثيرة في غرب أوروبا في هذا الميدان: إن عبرة التاريخ القريب تشير مثلا إلى أن رخاء أوروبا الغربية وازدهار اقتصادها يرجع في جذوره إلى إمكانات التراكم الرأسمالي الذي تحقق خلال عصور الاستغلال الاستعماري.. الذي أقدمت عليه شعوب ونظم شتى في غرب أوروبا (وفي مقدمتها مثلا انجلترا وفرنسا وإيطاليا وقد سبقتها ـ بالنسبة لاستعمار قارة أميركا الجنوبية كل من إسبانيا والبرتغال) .

من ناحية أخرى، تعترف الدراسة الأميركية بأن البرامج الاجتماعية التي طبّقت بالبرازيل في الحقبة الأخيرة (نقصد برامج العدالة الاجتماعية ومحاولة إنصاف الطبقات والشرائح المستضعفة في المجتمع) أدت إلى تخفيض مستويات الفقر بل وقللت من حالات عدم المساواة من طبقات المجتمع البرازيلي وفئاته.وكانت هذه الظاهرة السلبية تمثل كما تصفها الدراسة «كعب أخيل» بمعنى نقطة الضعف المهلكة في المجتمع المذكور.

والحاصل أنه بفضل هذه الإنجازات تمكنت البرازيل، بقدر لا ينكر من المصداقية، من أن تضطلع بدور طالما طمحت إلى أدائه وهو دور تجلى بحق في قيادتها المتمكنة لمؤتمر باهيا الذي أشرنا إليه في بدايات هذا الحديث.

تحديات جديدة

ومع بوادر القرن الجديد، وبالتحديد في عام 2001 أعلن بنك الاستثمار الشهير في الولايات المتحدة قائمته التي ذاعت وقتها تحت اسم BRIC في اختصارها الإنجليزي ويمكن ترجمتها بحروف «ب م ت ع» أو البلدان المرشحة للتفوق العالمي وضمت هذه البرازيل إلى جانب كل من روسيا والهند والصين.

وإذا كانت البرازيل تمثل قيادة واعدة بحق في أميركا اللاتينية وتشكل بالتالي تحديا مستجدا إزاء هيمنة واشنطون التاريخية على «الهيميسفير» كما عرفناه، فإن ثمة منافسين داخل القارة الجنوبية نفسها يأتي في مقدمتهم فنزويلا في ظل قيادة شافيز الحالية وسياسته التي يمكن أن يطلق عليها وصف «الشعبوية» مدعومة بإمكانات البترودولار التي يتمتع بها اقتصاد كاركاس التي عمد رئيسها في السنوات الأخيرة إلى تغيير اسم الدولة ليضيف عليه رسميا وصف الجمهورية البوليفارية نسبة إلى سيمون بوليفار (1793-1830) وهو محرر قارة أميركا اللاتينية من ربقة الاستعمار الإسباني، ومن ثم جاء هذا التعبير لينطوي على إشارة إلى النهج التحرري.. الوطني أو فلنقل القومي لفنزويلا إزاء قضايا المنطقة الإقليمية التي تنتمي إليها.

من ناحيتها.. لا يمكن إغفال دور كوبا ـ كاسترو (لا نقصد بهذا اسم زعيمها المريض حاليا بقدر ما نقصد استمرار نهجه السياسي بشكل أو بآخر على مدار الخمسين عاما الماضية). ومن عجب أن ظل راصدو الدور الكوبي في نصف القارة الغربي يطلّون على دور هافانا ـ كاسترو من منظور التفاعل الفكري والتجربة العقائدية والديناميات الإيديولوجية.

لكن الأعجب أن ثمة توقعات أو إرهاصات لاحت في الفترة القريبة الماضية لتشير إلى إمكانية إضافة عنصر النفط إلى الإمكانات التي ظل يستند إليها هذا الدور العقائدي. هنا نحيل في مبحثنا هذا إلى مرجع مهم آخر هو الملف الحافل الذي نشرته حول توقعات عام 2009 مؤسسة «الإيكونومست» البريطانية وأشارت فيه (ص 50) إلى أن عامنا الحالي جدير بأن يشهد مجموعة من شركات النفط الأجنبية وقد بدأت مشروعا للتنقيب عن النفط في المياه الكوبية من خليج المكسيك..

ثم تمضي «الإيكونومست» تقول: لو عثروا على البترول، فمن شأن ذلك تعزيز موقف (نظام) كاسترو فيما يقلل من اعتماد هذا النظام على بترول فنزويلا.. ومن شأنه أيضا أن يتيح لكوبا مع توالي أيام عام 2009 أيضا أن تشهد تغيرات مستجدة تطرح تيارات أكثر شبابا وأعمق من حيث النظرة العملية البرغماتية (بعيدا عن الدوران في دوامة الإيديولوجيات).

تطورات متلاحقة

في ظل هذه التطورات.. وهي متلاحقة في أميركا اللاتينية بكل مقياس، يجوز طرح السؤال عن موقف إدارة أوباما الجديدة من هذا كله. وفي تصورنا أنه رغم كل التحفظات وحتى المحاذير السياسية، فإن سياسة أوباما يمكن أن تحقق قدرا من الإيجابيات.. وخاصة أنها وريث لإدارة أشعرت جيران الجنوب اللاتينيين بأنهم عرضة للإهمال أو عدم الاكتراث مما أصاب بالعطب علاقات أهل الأميركتين في الشمال والجنوب على نحو ما تشير دراسة ثالثة نشرتها مجلة «وورلد بوليسي» بقلم الكاتب الأميركي «دانييل إريكسون» الذي يشدد في سطوره على الطالع الحسن الذي ما زال يحظى به باراك أوباما في أرجاء قارة أميركا اللاتينية.

ويحيل في هذا الشأن إلى استطلاع الرأي الذي أجرته هيئة الإذاعة البريطانية في كل من المكسيك والبرازيل وبنما وجاءت نتائجه بما يفوق 60 في المائة في صالح تأييد أوباما وسياساته.. والإشادة بشخصيته ولون بشرته على وجه الخصوص.

لماذا؟ تقول دراسة «وورلد بوليسي»: لم يكن ثمة مكان خارج أفريقيا.. جاء فيه نجاح أوباما بمثابة قيمة رمزية سوى في أميركا اللاتينية.. القارة التي نالت نصيبها من تراث العبودية والعنصرية المظلم وما زال أكثر من ثلث سكانها (550 مليون نسمة) ينحدرون من أصول أفريقية لدرجة أن يطلق عليها اسم «أرض الدياسبورا» أو قارة «الشتات الأفريقي».

لهذا جاءت سعادتهم غامرة بنجاح رئيس أميركي يشاركهم أصولهم.. وبلغت السعادة أن عمد مرشحو الانتخابات في البرازيل إلى تغيير أسمائهم ليحملوا اسمي باراك.. أو أوباما.. ولهذا أيضا عمد رئيس وزراء دولة كاريبية هي «إنتيجوا» إلى إذاعة بيان يقول فيه إن قمة بوغي وهي أعلى مرتفع في تضاريس بلده الصغير أصبح اسمها ـ ولا غرو ـ جبل أوباما.

بقلم ـ محمد الخولي