مع وصول رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو إلى الحكم بدا أن الآمال بالتوصل إلى تسوية للصراع الفلسطيني الإسرائيلي التي عول الكثيرون على إتمامها خلال حكم الرئيس الأميركي السابق بوش الابن قد تبخرت، وأن الفترة المقبلة قد تشهد تراجعا إلى الخلف عدة خطوات. ورغم تعدد المواقف التي أعلنها نتانياهو منذ ممارسة مهام منصبه وتصب في هذه الخانة، إلا أن الموقف الأبرز في هذا الصدد يتمثل في تأكيده ضرورة الاعتراف الفلسطيني بيهودية الدولة الإسرائيلية كشرط للتقدم في المفاوضات وذهابه إلى حد التأكيد على أن هذا الأمر يمثل قضية مبدئية وأساسية من دونها يستحيل تحقيق التقدم في عملية السلام والتوصل إلى اتفاق.
والسؤال الذي يطرح نفسه ما هو الجديد الذي يوجد في جعبة نتانياهو على صعيد تسوية الصراع وفق الرؤية الإسرائيلية؟ والإمكانيات العملية لتنفيذ هذه السيناريوهات في ظل تشابك وتعقد العلاقات الفلسطينية الإسرائيلية؟ وإلى أي حد تمثل اختلافا عن السيناريوهات الأخرى المطروحة لمستقبل حل القضية الفلسطينية؟
بداية نشير إلى أن نتانياهو في موقفه قد لا يعد نسيج وحده في هذا المجال، وإنما سبقه إلى ذلك كثيرون ومن بينهم رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إيهود أولمرت الذي طرح الأمر على نحو مشابه وإن لم يعد إلى طرحه مرة ثانية.
استباق قضية اللاجئين
على صعيد محاولة رصد دلالات مواقف نتانياهو نشير إلى أنها في أحد جوانبها تستهدف استباق قضية اللاجئين وحقهم في العودة الأمر الذي ينص عليه القرار الدولي 194. وعلى هذا فإن طرح نتانياهو يعمل على إخراج هذا الموضوع من دائرة التفاوض نهائيا بحيث يكون خارج الحل النهائي.
غير أن الجانب الأكثر أهمية في ذلك الصدد أن موقف نتانياهو لا يهدف فقط إلى استباق قضية اللاجئين فقط، حيث أن ذلك يمكن أن يتم وفق السيناريو الذي طرحه وزير خارجيته المتطرف ليبرمان ـ بغض النظر عن قبولنا له من عدم القبول ـ والمتمثل فيما وصفه بالسيناريو القبرصي الذي يقوم على ترحيل مئات من الفلسطينيين من مناطق 48 إلى مناطق عام 67 مقابل ضم نصف مليون مستوطن في المناطق المحتلة عام 1976 مع مستوطناتهم إلى تخوم إسرائيل.
وعلى هذا قد لا يحتاج المرء إلى كثير من الاجتهاد لتحديد هدف نتانياهو المتمثل في تجاوز حل الدولتين وهو الأمر الذي حرص على تجنب ذكره، وإن كانت بقية مواقفه تكشفه دون مواربة. فرئيس الوزراء الإسرائيلي الجديد يعمل على تحقيق السيناريو الأكثر تطرفا في السياسات الإسرائيلية المختلفة على مدى العقود الماضية، والمتمثل بإقامة إسرائيل ذات الطابع اليهودي الخالص على كامل أرض فلسطين التاريخية. وهنا فقد يثور التساؤل حول وضع الفلسطينيين في إطار هذه الدولة؟ الإجابة التي يقدمها نتانياهو تتمثل في فكرة الحكم الذاتي التي تم تجاوزها على كافة الأصعدة سواء الدولية أم الإسرائيلية ذاتها.
وعلى ذلك نشير إلى أنه إذا كان من المعروف على مستويات عديدة أن سيناريوهات حل القضية الفلسطينية تتراوح ما بين اثنين أساسيين يتمثلان في سيناريو حل الدولتين والثاني الخاص بالدولة ثنائية القومية، فإن نتانياهو يطرح حلا ثالثا هو الدولة اليهودية ذات القومية الواحدة والتي يكون الفلسطينيون من بينها بمثابة سكان بلا هوية يقيمون في وحدات غير سلطات حقيقية بما يعني في النهاية إمكانية اندثارهم أو رحيلهم أو ترحيلهم.
سيناريو كابوسي
هل يمكن تحقق هذا السيناريو الكابوسي؟
في محاولة لتهدئة المخاوف التي أثيرت بشأن توليه الوزارة بعد انتخابه مباشرة راح نتانياهو يشير إلى أنه قد تغير، وأن ما قد يعتبر تطرفا من قبله جرى ترشيده، وقد تسير الأمور على هذا المنوال بالفعل، غير أن الواقع يشير إلى أنه لم يتغير، وقد يعزز من عدم تغيره الموقف على الصعيد العربي والذي يفتقد أي قدرة أو رغبة على الفعل تجعل الطرف الآخر الإسرائيلي يعيد النظر في حساباته.
على المستوى العملي ورغم كل التقدير لمساعي إرساء حل الدولتين، فإن الأوضاع تكشف، حسبما تقول الناشطة الفلسطينية حنان عشراوي، عن أن إسرائيل تدفع نحو حل الدولة الواحدة. وهو الأمر الذي يؤكد عليه كذلك سري نسيبة رئيس جامعة القدس والمؤيد لحل الدولتين حيث أشار إلى صعوبة تحقق ذلك الحل، معربا عن تصوره بأن المرحلة المقبلة قد يحكمها حل الدولة الواحدة بشكل يشوبه الصراع من قبل الفلسطينيين من أجل نيل حقوق مساوية لملايين الإسرائيليين على نحو مشابه لما حدث في جنوب أفريقيا.
هنا نعود إلى الجديد الذي يعمل نتانياهو على تحقيقه، ويتمثل في الإفلات من استحقاقات سيناريو الدولة الواحدة ثنائية القومية والذي يصادف بالرفض من قبل قطاعات إسرائيلية عديدة في ضوء المخاوف مما يصفه الكثيرون بالقنبلة الديمغرافية الفلسطينية حيث يمكن في إطار هذا الحل أن يمثل الفلسطينيون الأغلبية من المواطنين والناخبين على نحو قد يقود إلى نهاية الدولة اليهودية.
وفيما يعكس واقعية الرؤية الإسرائيلية في هذا الصدد يأتي تأكيد إيهود باراك لـ «الجيروزاليم بوست» على أن أي محاولة للمحافظة على المناطق الفلسطينية في إطار الدولة اليهودية يقود بالضرورة إلى إما دولة غير ديمقراطية أو دولة غير يهودية. حيث انه إذا ما تم السماح للفلسطينيين بالتصويت فإن ذلك سيعني أننا دولة ثنائية القومية، وإذا لم يشتركوا في التصويت فذلك سيعني أننا دولة عنصرية على نحو ما جرى في بلفاست أو البوسنة.
ويؤكد على ذلك فيما يكشف عن إدراك القيادة السياسية في إسرائيل تصريح إيهود أولمرت لصحيفة «ايديعوت أحرونوت» من أن إسرائيل تقترب وخلال سنوات محدودة إلى النقطة التي سيتزايد معها توجه الفلسطينيين نحو التأكيد على أنه لا يوجد مكان لحل الدولتين، وأن كل ما نريده هو حق التصويت. وفي اليوم الذي يحصلون فيه على مثل هذا الحق فإننا ـ والكلام لأولمرت ـ سنخسر كل شيء.
والخلاصة هنا أن فكرة الدولة ثنائية القومية لشعبين تقتضي نوعا من المساواة بين القوميات في مختلف المجالات وهو أمر غير قائم وقد يولد حالة من العنف على غرار ما شهدته جنوب افريقيا. فضلا عن أنه قد يؤدي إلى دمغ إسرائيل بالعنصرية، الأمر الذي لا تقبله وتعمل على عدم تحققه.
الخروج من المأزق
ومن هنا يمكن فهم أن نتانياهو بمواقفه الجديدة يحاول الخروج من مأزق «حل الدولتين أو الدولة الواحدة ثنائية القومية» الذي تجد إسرائيل نفسها فيه سواء على الصعيد السياسي في مواجهة الحلفاء الأميركيين والأوروبيين وأمام المجتمع الدولي، أوفي مواجهة المخاوف الداخلية.
لقد أوصلت السياسات الإسرائيلية حل الدولتين إلى طريق مسدود على أرض الواقع حيث ابتلعت النشاطات الاستيطانية معظم الأراضي الفلسطينية في ذات الوقت الذي تتواصل فيه جهود تهويد القدس بشكل يمثل عوائق إضافية أمام قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة ومتواصلة. ومن الجوانب الجدير الإشارة إليها في هذا الصدد اعتزام إسرائيل إقامة ستة آلاف وحدة سكنية جديدة تقام في مستوطنة معاليه أدوميم ومستوطنة كيدار الصغيرة والتي تبعد عنها ثلاثة كيلو مترات بشكل يقضي على إمكانية التواصل الجغرافي بين أجزاء الدولة الفلسطينية المرتقبة وخاصة بين جنوب الضفة ووسطها، هذا فضلا عن ابتلاع كامل مدينة القدس.
ويمكن تصور الوضع الذي وصلت إليه عملية ابتلاع الأراضي الفلسطينية ليس فقط من خلال حجم النشاط الاستيطاني وإنما من خلال المساحات التي تعرضها إسرائيل لإقامة السلطة الفلسطينية عليها والتي وصلت في آخر مراحلها خلال قمة كامب ديفيد بمشاركة باراك وعرفات ورعاية كلينتون إلى مساحة 14% من فلسطين التاريخية، فما بالنا والأوضاع قد تغيرت كثيرا على مدى السنوات الثماني الماضية وجرى ابتلاع المزيد من الأرض.
وعلى هذا الأساس نشير إلى أن جوهر الرؤية التي يحملها نتانياهو تمثل تأكيدا لما أشار إليه الكاتب البريطاني جوناثان كوك من أن إسرائيل لا تقبل سواء بسيناريو الدولة الواحدة أو الدولتين وإنما تسعى لحصر الفلسطينيين في بقع تحت سيطرتها تجنبا فقط لغلبتهم العددية حال استمرارها في السيطرة على الأراضي المحتلة.
وإذا كانت القيادات الإسرائيلية السابقة قد اتسمت بقدر من الوعي والرشادة جعلها تقبل بفكرة حل الدولة الفلسطينية مع محاولة تقليم أظافرها بشكل أو بآخر فقد جاء نتانياهو برؤاه المتشددة ليسعى لتحقيق الأمر بشكله الأكثر تطرفا، في ضوء حقيقة كونه يعكس التيار الذي يمثل قوي اليمين المتشدد والذي يذهب إلى ترسيخ الواقع الجديد من خلال العمل بفكرة أرض إسرائيل الكاملة.
سيناريو الحكم الذاتي
هل يمثل حل الحكم الذاتي المخرج؟ وهل ينجح نتانياهو في فرضه على أجندة التسوية؟
الإجابة بالنفي، فهو ليس اللاعب الوحيد ورغم الضعف العربي، إلا أن الأمور لن تسير وفق التصور الإسرائيلي وحده وإنما ستعكس إرادة أطراف أخرى. وهنا من المتصور أن يستثمر نتانياهو فترة حكمه في ممارسة هواية عدد من الزعماء الإسرائيليين القائمة على إضاعة الوقت في ذات الوقت الذي تتواصل فيه سياسة أخرى على أرض الواقع هي سياسة الضم والإلحاق والاستيطان بما يفرغ أي مسعى تفاوضي من مضمونه.
من ناحية ثانية فإنه بعيدا عن المسار التفاوضي فإن هناك حقيقة تفرض نفسها على أرض الواقع تتمثل في وجود أكثر من خمسة ملايين فلسطيني يقيمون على أرض فلسطين التاريخية وتلك الواقعة تحت الاحتلال وهو واقع من المستحيل على نتانياهو أو غيره تجاهله، ومهما كانت السيناريوهات المطروحة فإنها لن تمثل حلا للصراع ما لم تلب حقوقهم، سواء داخل دولة واحدة ثنائية القومية يرى البعض أن المطالبين بها واهمون، أو دولتين يؤكد الواقع أن العمل على تحقيقها من أصعب ما يكون.
وستنعكس هذه الحقيقة في إطالة أمد الصراع بشكل قد يعني أن الحل ليس منظورا على المدى القريب بعد أن كان حل الدولتين أقرب إلى اليد.. بشكل انتهى بالعرب جميعا إلى إدراك أنهم لم يعيشوا سوى متاهة فرضتها الظروف لتهدئتهم من أجل قضايا أخرى.
مصطفى عبدالرازق