يشدد الفلسطينيون على تمسكهم بحقهم في دولة مستقلة وعاصمتها القدس، ويرفضون كل ما عدا ذلك بأي مسمى كان ومن أين جاء، ومن ذلك سيناريوهات القضية الفلسطينية التي يجرى الحديث عنها هذه الأيام وهى تتأرجح بين حل الدولتين للشعبين الفلسطيني والإسرائيلي، وبين الدولة الثنائية القومية والدولة الأحادية القومية (اليهودية) التي يعمل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو على فرضها، ويلاحظ أن نتانياهو ومنذ توليه رئاسة الحكومة العبرية تجنب الحديث عن دولة فلسطينية مستقلة مركزا على الدولة اليهودية .

ففي موضوع الدولة الواحدة ثنائية القومية يرى الكاتب والمحلل السياسي محمد أبوعلان أن طرح الدولة الواحدة لحل للصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي لا يعدو أن تكون أفكار لمجموعة من المثقفين الفلسطينيين. وقد أخذت الفكرة بالتبلور والاتساع بين شرائح مختلفة ممن يعملون تحت مسمى شالفريق الفلسطيني للدراسات الاستراتيجية. وقال ابوعلان أنه جراء عدم الانسجام الفكري الواضح بين عناصر هذه الطرح فإن الفكرة ستلاقي الفشل المطلق بكل تأكيد قبل أن تتحول لفكرة تلقي اصطفاف شعبي حولها في الشارع الفلسطيني، ولكن ليس هذا العامل الوحيد الذي سيكون وراء فشل هذه الفكرة، بل هناك عوامل عدة ستكون هي أيضاً ذات تأثير في تحقيق عنصر الفشل لهم.

فكرة غير فلسطينية

وأوضح أن أول هذه العوامل غياب الأصل الفلسطيني لهذه المبادرة، حيث لم تنطلق من أزقة المعاناة وسراديب الألم الفلسطينية، بل كانت بدعم وتأييد وتشجيع من «مجموعة أكسفورد للأبحاث» في لندن مما يعني أن السياسات الأوروبية والأميركية وموضوع التمويل لنشاط هذا الفريق له تأثيره على بنود ومحتوى هذه الوثيقة. ثاني عوامل الفشل لهذه المبادرة هي الظروف السياسية الداخلية الفلسطينية التي تعيشها ظروف ولادة هذه المبادرة، فحالة الانقسام والمواجهات السياسية الداخلية بعد المواجهات الدموية الأولوية والجدية للعمل باتجاه تجاوز هذه الظروف.

وهذا الواقع يعتبر مأخذا ليس في صالح المجموعة التي تقف وراء هذه المبادرة، فكان الأولى بهم تركيز تجمعهم وتوسيع صفوفهم لخلق جبهة داخلية ذات اصطفاف شعبي يكون لها الدور الفاعل في إجبار السياسيين من كل الأطراف الفلسطينية النزول عن شجرة الانقسام والاستقطاب لصالح القضايا الوطنية قبل كل المصالح الشخصية والتنظيمية والارتباطات الإقليمية والدولية لكل طرف منهم.

والعامل الثالث المحبط لهذه المبادرة افتقاد الجانب الآخر (الطرف الإسرائيلي) لأية تيارات أو توجهات ترغب بهذا الحل أو أي حل آخر للصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، بل إن توجهات المجتمع الإسرائيلي في تسارع باتجاه اليمين، وباتت فكرة الدولة اليهودية الخالصة هي مطلب عام لدى المجتمع الإسرائيلي، وقد كان رحيل «إيبي نتان» داعية السلام الإسرائيلي بمثابة اختفاء آخر نفس إسرائيلي يمكن أن يتحدث عن سلام عادل ودائم يحصل فيه الشعب الفلسطيني على الحد الأدنى من حقوقه السياسية المتمثلة في دولة فلسطينية مستقلة في الأراضي المحتلة في العام 1967 وعاصمتها القدس، إلا إذا ظل البعض يعتقد أن أمثال يوسي بيلن وشمعون بيرس هم أشخاص في «معسكر السلام» الإسرائيلي.

رفع ثمن الاحتلال

والعامل الرابع الدعوة لانتفاضة شعبية سلمية لتحقيق هذا الهدف لن يكتب لها النجاح، ولن تستطيع محاصرة دولة الاحتلال كما يدعي أصحاب هذا الحل كون دولة الاحتلال لا تفرق بين مقاومة سلمية ومقاومة غير سلمية، فالانتفاضة الفلسطينية الأولى كانت شعبية بامتياز ورغم سلميتها سقط فيها حوالي الألف شهيد ناهيك عن أعداد الجرحى والمعتقلين، بمعنى آخر دون أن يرتفع الثمن الذي يدفعه الاحتلال جراء احتلاله للأرض الفلسطينية لن يكون لديه أي تفكير جدي نحو السلام في المنطقة.

أما العامل الخامس والأخير فهو أن طرح حل الدولة الواحدة لحل الصراع الفلسطيني لا يشكل أكثر من مشروع آخر في بازار الحلول الفلسطينية التي طرحت عبر سنوات المواجهة مع الاحتلال، ولن تلاقي آذانا صاغية لا في الجانب الإسرائيلي ولا في الساحة الدولية، ولا حتى على الساحة الفلسطينية ساحة «الفريق الفلسطيني للدراسات الاستراتيجية».

وفصائليا شددت كتائب نسور فلسطين احد التنظيمات العسكرية الفلسطينية على رفض الأفكار الجاري الحديث عنها وقالت إن الاعتراف بالدولة العبرية فلسطينياً يشكل سابقة تاريخية خطيرة وباختصار شديد إعطاء الشرعية للغاصبين وإقرار الضحية بعدالة وحق قاتلها في قتلها وإكساب وعد بلفور غطاء وشرعية وصوابية وإلباس الباطل عباءة الحق.

وأضافت: أعمى من يعتقد أن فاقد الشيء يعطيه، والدولة العبرية هي كيان احتلالي استلابي غاصب وعليه فهي غير مؤهلة لمنح الحرية والسلم. وخلص المسؤول الإعلامي للكتائب إلى القول إن مجمل الفعل الصهيوني على الأرض يشكل جرائم حرب بينما الاعتراف بها يشكل خدمة مجانية لدعاة التطبيع وإخراج الحاضنة العربية من دائرة الصراع وذلك ليس من خلال تحييدها فحسب بل وتحويل الحاضنة العربية إلى بحيرة صهيو - أميركية.

ويذهب قادة وسياسيون كذلك إلى فشل حل الدولتين قائلين انه طرح من الأميركان والأوروبيين لمجرد إضاعة الوقت وقد اصطدم بالتعنت الإسرائيلي واستمرار الاحتلال في سياساته الاستيطانية وطمس الهوية الفلسطينية. وفى هذا الصدد يرى غسان المصري القيادي في حركة فتح بالضفة الغربية أن جميع المعطيات والوقائع تدل على فشل التوصل إلى حد أدنى لهذه الرؤيا وهذا ما تؤكده نتائج جميع جولات التفاوض ولقاءات اللجان المختلفة التي أعلنت صراحة عدم التوصل إلى أي اتفاق وتم وقف المفاوضات التي لا تتلائم مع مواقف حكومة اليمين المتطرف الإسرائيلي التي فازت بالانتخابات الإسرائيلية برئاسة نتانياهو.

مناورات دبلوماسية

وقال المصري جميع المواقف والتعهدات تبددت أمام التعنت الإسرائيلي ومواقفه الجديدة التي أعلنتها الحكومة الجديدة والتي تنسف عملية السلام من أساسها، وترفض التعاطي معها على أساس حل الدولتين، وبدأت مناوراتها السياسية والدبلوماسية بهدف كسب المزيد من الوقت لتغيير الوقائع على الأرض وفرض وقائع جديدة يصعب تغييرها أو التعامل معها مستقبلا لتحقيق حل سياسي على أساس الدولتين.

وبين المصري أن نجاح السياسة الإسرائيلية في عهد الحكومات السابقة وما بدأته الحكومة الحالية برئاسة نتانياهو ووزير خارجيته ليبرمان في تضليل العالم، وإيهامه بان إسرائيل جادة وراغبة في تحقيق السلام، وأنها تعمل مع السلطة الفلسطينية من خلال المفاوضات لم تعد سياسة مقبولة لدى الشعب الفلسطيني، لان كل يوم يمر يضيف المزيد من التهويد وسلب الأرض وتقطيع أواصر الوطن الفلسطيني الذي يتم الحديث عنه لإقامة الدولة الفلسطينية عليه، وان لعبة اللقاءات والمفاوضات ليست سوى الدخان الذي تختفي خلفه السياسة الإسرائيلية التي تتلاعب بمواقف جميع الأطراف.

وتؤكد الممارسات الإسرائيلية اليومية على ارض الواقع ان المواقف والتصريحات الأميركية والأوروبية حول حل الدولتين مجرد إضاعة للوقت ولا تشكل أي ضمانه للشعب الفلسطيني بإمكانية الاستمرار في لعبة التفاوض والتمسك بحل الدولتين، لان الموقف الأميركي والأوروبي لا يشكل أي ضغط على إسرائيل ولا يرتقي إلى مستوى الحياد في عملية السلام.

ونقل المصري عن ستيفن والت أستاذ العلاقات الدولية في جامعة هارفارد قوله إن هناك اتجاهين يقوضان حل الدولتين أولهما : الاستمرار في بناء المستوطنات الإسرائيلية التي من المفترض أن تقوم عليها الدولة الفلسطينية فهناك ما يقرب من 290 ألف مستوطن يعيشون على أراضي الضفة الغربية وما يقرب من 185 ألف مستوطن في القدس الشرقية معظمهم مدعومين بصوره مباشره أو غير مباشره من الحكومة الإسرائيلية.ثانيهما : هو الاتجاه المتطرف على الجانبين، إن الوقت ينفذ بشأن حل الدولتين فالمعارضون لحل الدولتين، حزب الليكود وحلفاؤه في إسرائيل وحركة حماس أضحوا أكثر شعبيه في أوساطهم. فارتفاع شعبية افغدور ليبرمان العنصري كفيل بتوضيح هذا الاتجاه.

مشكلة الضعف العربي

وفال المصري إن بعض السياسيين والدبلوماسيين الأوروبيين يتحدثون ويعبرون عن إحباطهم وعدم تفاؤلهم لنجاح عملية السلام على أساس الدولتين، ويحملون الحكومة الإسرائيلية مسؤولية فشلها. ويضيف المصري أما على صعيد الموقف العربي فان ضعف الموقف العربي وعدم تحمل مسؤولياته ساعد الحكومات الإسرائيلية جميعها في إفشال كل الجهود التي بذلت لإنجاح العملية السياسية،وخصوصا استمرار رفض إسرائيل للمبادرة العربية وإقرار العرب بان المبادرة العربية أصبحت مجرد حبر على ورق،ولا فرصة لقبولها من قبل إسرائيل.

لذا وأمام هذا الإجماع الأميركي ـ الأوروبي ـ العربي على فشل العملية السياسية على أساس حل الدولتين، فانه لم يبق أمام الموقف الفلسطيني سوى إعادة تقييم مواقفه وعدم استمرار استجداء ومناشدة الولايات المتحدة وأوروبا وما تسمى بالرباعية والعرب لتأييد الموقف الفلسطيني في التمسك بما هو فاشل، حيث لابد من العودة إلى طرح وتبني البديل (الدولة الديمقراطية العلمانية) ثنائية القومية والتي قد تشكل عامل ضغط وقوه بيد الطرف الفلسطيني، ويجبر العالم على التحرر من حالة الصمت والانحياز للجانب الإسرائيلي، وهذا البديل يجب التلويح به لأنه يخيف الجانب الإسرائيلي.

الدولة الثنائية إفلاس

وتعليقا على فكرة الدولة الثنائية القومية رفضت فصائل وأكاديميون في قطاع غزة هذا الطرح كحل للشعبين الفلسطيني والإسرائيلي في فلسطين المحتلة واعتبروها نوعا من الإفلاس السياسي وهى لن تقدم الجديد وربما هي للضغط على الإسرائيليين بعد فشل المفاوضات بينهما في تحقيق أي تقدم.

قال الدكتور أسامة أبو نحل أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بجامعه الأزهر بغزة هذا الطرح لا جديد فيه، وهو نوع من الإفلاس السياسي مضيفا انه طرح ميئوس منه، ولا طائل من ورائه، ولن يرى النور لعدة أسباب: الأول اختلاف عوامل مهمة كاللغة والدين والأهداف والعادات وسبل الحياة فيما بين الفلسطينيين واليهود. ولن تفلح أي محاولة لإنشاء اتحاد أياً كان، لأن طرفي الدولة المقترحة مختلفا ومتباينان فيما بينهما.

والسبب الثاني ماذا سيكون وضع الفلسطينيين في الدولة المقترحة ما داموا هم العنصر الأضعف فيها؟

والثالث وهو الأهم إن نشأة هذه الدولة المقترحة قد يكون في صالح إسرائيل أكثر منه في صالح الفلسطينيين في المنظور القريب على الأقل، فهي تمتلك عناصر القوة في يدها مثل العنصر الديمغرافي، وعنصر التسليح، ناهيك عن أن اليهود لن يسمحوا بعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم، لكي يحتفظوا بأكثريتهم الديمغرافية.

والسبب الرابع إذا ما كان نظام الحكم في هذه الدولة برلمانياً، هل ستسمح إسرائيل بأن يكون رئيس وزرائها فلسطينياً وشكك في ذلك. ونوه ابونحل إلى أن إسرائيل لن تقبل بهذا المقترح إلاَّ إذا تنازل الفلسطينيون عن بعض حقوقهم إن لم يكن جلها، لكي تبقى لها اليد العليا في إدارتها.

طرح قديم متجدد

واستذكر أبو نحل أن ما يجرى الحديث عنه هذه الأيام هو ذات الطرح الذي عرض من قِبل الرئيس الثاني لمنظمة التحرير الفلسطينية يحيى حمودة، وكذلك الأمر من قبل حركة فتح في مطلع عام 1968م، بعد تنحية أحمد الشقيري مباشرة. وأشار أبو نحل إلى أن الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي طالبا بدولة ديمقراطية علمانية على أرض فلسطين تشمل العرب واليهود بما فيهم اليهود الذين هاجروا إليها بعد حرب عام 1848م.

بدوره قال الدكتور مخيمر أبو سعدة أستاذ العلوم السياسية بجامعة الأزهر بغزة، إن التلويح بقبول الجانب الفلسطيني الرسمي دولة ثنائية يأتي في سياق ورقة الضغط التي يمكن أن تمارس ضد إسرائيل، نظرا لصعوبة وتعثر ورقة المفاوضات التي تجري حاليا.

وأضاف أبو سعدة: يمكن أن نلاحظ بأنه منذ مؤتمر أنابوليس الذي لم يحقق شيئا حتى الآن وتبخرت كافة الوعود حيث كانت المفاوضات وباعتراف المفاوضين تمر بمراحل صعبة. وتابع : كذلك إسرائيل لا يمكن أن تقبل بذلك، فهي لن تسمح لملايين الفلسطينيين بالعودة إلى أراضيهم، ولا اعتقد أن الجانب الإسرائيلي جدي في التعامل مع الفلسطينيين وغير مهتم ومكترث لتسوية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، خاصة بعد مؤتمر انابوليس فهي استبقت المفاوضات مع الفلسطينيين بتوسيع الاستيطان في القدس وبيت لحم، وصعدت من عدوانها على الشعب الفلسطيني.

حماس ترفض

من جهتها رفضت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) بشدة فكرة الدولة الثنائية القومية وجددت رفضها أي اعتراف بإسرائيل واعتبر الناطق باسمها هذا الطرح بأنه يعكس في الواقع حالة الانهيار التي يعانيها فريق رام الله وقيادة حركة فتح الحالية وقبولها بالتعايش مع الاحتلال على حساب الحقوق الفلسطينية الثابتة. وجدد موقف حركة حماس الرافض للاعتراف بإسرائيل أو الإقرار بوجودها على أي شبر من الأرض الفلسطينية.

وقال: حتى لو كان الجيل الحالي غير قادر على التحرير فهذا لا يعني بأي حال التفريط بالأرض والحقوق. وأضاف: نؤكد أننا سنحافظ على الحق الفلسطيني لهذا الجيل والجيل القادم إلى أن تحين ساعة التحرير و(الاحتلال الإسرائيلي) زائل لا محالة وتجربة التاريخ تؤكد أن كل سوابق الاحتلال قد باءت بالفشل والزوال الحتمي مهما طال أمده. وكان قريع اعتبر أن المطلب البديل في حال واصلت إسرائيل رفض إقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود الرابع من حزيران(يونيو) هو إقامة «دولة واحدة ثنائية القومية». وأكد أن المفاوضات التي تجريها السلطة مع إسرائيل لم تحقق تقدما يذكر.

غزة ـ ماهر إبراهيم