يبدو أن الكاتب الدكتور عبد الحميد الأنصاري أستاذ الشريعة الإسلامية في جامعة قطر من أبرز الغاضبين على أجندة السياسة الخارجية الأميركية في ظل أوباما، خاصة في نهجها الخاص بالتعاطي مع قضايا العالم الإسلامي، والتي تحمل يافطة «المصالحة»، ولذلك يصب جام غضبه على الرئيس الجديد، محددا هدفه ب«كشف ضحالة التفكير الاستراتيجي الأميركي» بشأن التعامل مع الوضع في أفغانستان.
غير أن قراءة أسباب الدكتور الأنصاري في هذا الموقف، وبشكل خاص المتعلق بالتعاطي الأميركي مع طالبان، تكشف عن أنه لا يتصور أن مياها كثيرة قد جرت على مدى السنوات التالية، وأنه صحا فجأة على واقع بالغ الجدة، تصور أنه لا يمكن أن يكون حقيقيا.
إن الدكتور ينطلق في موقفه من أن نهج الحوار مع طالبان يعبر عن خطأ بالغ في ضوء ما يراه وردده بالحرف في أكثر من مقال له.. «إن سياسة استرضاء الجماعات المتشددة سياسة خطرة يدفع أكلافها الباهظة المجتمع كله». غير أننا نقول ان قراءة الدكتور التي يراها تعكس نظرة استراتيجية للاستراتيجية الأميركية غير استراتيجية! فنهج الحوار مع طالبان ليس نهجا «أوباميا» خالصا، وإنما هو ميراث من تركة بوش، الأمر الذي لا ندري لماذا يتغافل الدكتور ـ والمقصود هنا دوما الأنصاري ـ عن ذكره.
هل لأن ذلك يقوض فكرة الدكتور من الأصل أم ماذا؟ ثم من قال ان استراتيجية أوباما تفاوضية خالصة؟ إذا كانت هذه قراءة الدكتور فهي خاطئة، ففي الوقت الذي لوحت فيه واشنطن بالجزرة رفعت في الوقت ذاته العصا.. وإلا بماذا نفسر قرار زيادة القوات الأميركية ب17 ألف جندي؟
يتساءل الدكتور: هل تنجح استراتيجية التفاوض مع جماعة عقائدية متشددة؟ والرد ما هو البديل إذا كانت الشواهد تشير إلى عدم تحقيق نصر حاسم ـ بالاعتراف الأميركي ـ حتى الآن؟. وإذا كانت استراتيجية الحرب قد فشلت، فأليس من المطلوب تجريب استراتيجية السلام والتفاوض؟. وإذا كان بايدن نائب أوباما قد راح يستغيث بأن «أميركا وأوروبا تعبتا من الحرب في أفغانستان» والمتعب لا بد له، كما نعرف، أن يستريح، فمن يرشح لنا الدكتور بديلا لخوض القتال؟
ضمن مآخذه على إدارة أوباما يستنكر تصنيفها جماعة طالبان لعناصر معتدلة وأخرى متشددة، وهو أمر من المعلوم بشأن طبيعة البشر بالضرورة. ويتساءل عن إمكانية إقدام من يظن نفسه معتدلا على التفاوض دون خشية التعرض للتصفية؟ والسؤال لماذا نصادر على المستقبل ونغلق الأبواب المفتوحة. ثم ألم يثبت نجاح استراتيجية «فرق تسد» ـ رغم بغضها؟ فلماذا لا تتبع واشنطن الاستراتيجية ذاتها مع طالبان لتحقيق الفرقة فيما بينها إلى معتدلين ومتشددين؟
كما يستنكر الدكتور الرهان على الفصل بين طالبان والقاعدة دون أن يتساءل أو حتى يفسر لنا أين هي القاعدة تلك؟ وما هي مظاهر وجودها كتنظيم متماسك له زعامة تحركه وتنفذ أهدافه؟ ما هو أكثر إثارة للدهشة إشارته إلى أن أجواء المحنة زادت الجماعتين تلاحما، وهو ما يفرض بمفهوم المخالفة جوا تختفي فيه المحنة ـ الحوار ونهج استراتيجية تفاوض ـ على نحو يؤدي إلى الشقاق بينهم.
وإذا كان خير الكلام ما قل ودل، فإن هدف الدكتور يتجاوز طالبان والقاعدة، وإذا كان البعض أعرب عن دهشته من أن بوش أشار لتنظيم القاعدة وبن لادن 118 مرة في كلمة استغرقت 29 دقيقة، فأليس لنا أن نندهش من إشارة الدكتور لـ «فزاعة» قمع طالبان للمرأة خمس مرات في مقال لا يتجاوز 900 كلمة؟