الهلع والرعب المنتشر في العالم الآن بسبب أنفلونزا الخنازير يذكرني برائعة الكاتب الروسي العالمي «أنطوان تشيخوف» رواية «ومن العطس ما قتل»، بطل الرواية أصابه الرعب والهلع هو وزوجته لأنه عطس في وجه جنرال كبير، ولا شك أن العطس في وجه الناس أو حتى بالقرب منهم شيء غير لائق ومرفوض أدبياً وصحياً، ويقابل الفاعل باستنكار واستهجان من الآخرين، ولكن في مجتمعاتنا العربية الأمر يعامل بهدوء وحتى بقبول حسن من الآخرين الذين يردون على العاطس بكلمة «يرحمكم الله» وينتهي الأمر.
نحن العرب نتميز عن الكثير من شعوب العالم بأننا متساهلين كثيراً في أمور الصحة، وفي الوقت الذي ينتشر فيه الآن في معظم مدن العالم ظاهرة ارتداء الأقنعة الواقية بسبب فيروس أنفلونزا الخنازير الذي أكد الخبراء أنه ينتشر بسهولة بين البشر، لم نشاهد في شوارعنا العربية شخصاً واحداً يرتدي القناع الواقي، في حين لو ذهبنا إلى مطارات بلادنا سوف نشاهد الكثير من الأجانب القادمين إلينا يرتدون الأقنعة الواقية.
وهذا يرجع لقضية أخرى مهمة ومكرسة بشكل ملحوظ في مجتمعاتنا العربية، وهي أننا نفتقر إلى حد كبير لثقافة الوقاية، هذا على الرغم من أننا من أكثر الشعوب في العالم إنفاقاً في العلاج من الأمراض، وهذا أمر بديهي لأننا الأكثر تعرضاً للأمراض بحكم غياب الوقاية.
أذكر وأنا أعيش في الخارج مرة أنني كنت في الصباح أصطحب ابنتي وهي صغيرة لدار الحضانة وفوجئت بأن الدار مغلقة لثلاثة أيام، وعلى الباب لافتة تقول ان الإغلاق بسبب اكتشاف حالة إصابة واحدة بالحصبة بين الأطفال.
الآن مع انتشار أنفلونزا الخنازير نسمع عن الإجراءات التي تتخذ في دول العالم المتحضر لمقاومة هذا الفيروس ومنع انتشاره، ولم نسمع أن مسؤولاً واحداً في هذه البلدان وقف ليعلن بأن بلاده خالية من الفيروس، هذا الإعلان الذي سمعناه حتى الآن من أكثر من مسؤول في عدة دول عربية، وقد سمعته بالأمس من وزير الصحة نفسه في أكبر بلد عربي مكتظ بالسكان ومشهور بالتلوث المناخي والبيئي.
في بلادنا تكتظ الشوارع بالمارة وبالنفايات والمخلفات على الطرق والأرصفة، كما تكتظ وسائل المواصلات العامة بالركاب الذين تلتصق أجسادهم ببعض إلى حد الاختناق ويعطسون ويسعلون بلا نهاية، وتكتظ قاعات الدراسة في المدارس والجامعات بالتلاميذ والطلبة، أما عن مستشفياتنا العامة وحتى الخاصة فحدث ولا حرج، ومع هذا لا نرى أي شكل من أشكال الوقاية الصحية، ومن المؤكد أننا لن نرى قناعاً وقائياً واحداً على وجه أي شخص، ولا حتى على وجوه الأطباء في المستشفيات.
لا أدري، هل نحن العرب نعيش في محمية طبيعية بعيدة عن أمراض العالم، أم أننا كما يقولون عنا شعوب تعشق الموت وتكره الحياة. تخيلوا لو أن شخصاً عربياً واحداً مصاب بأنفلونزا الخنازير، كم يصيب وكم يقتل من الأشخاص الآخرين بعطسة واحدة منه في وسيلة مواصلات عمومية، أو في قاعة دراسة أو مستشفى، أو حتى في داخل المنزل.