كالعادة وأكثر، اختتم اللوبي الإسرائيلي في واشنطن ـ ايباك مؤتمره السنوي، قبل يومين؛ بتجديد وتكريس الاحتضان الأميركي اللامحدود، للكيان الصهيوني. المشاركة الواسعة وعلى أعلى المستويات، مثل كل مرة، عكست استمرار وعمق نفوذه وشبكة علاقاته؛ في الإدارة والكونغرس. خطاب الالتزام المفتوح، بدعم إسرائيل وضمان أمنها وسلامتها وتفوقها؛ بقي هو الآخر على نبرته الحاسمة المعروفة. بل شهد ما يشبه المزايدة والمزاحمة، في التعبير عن التأييد لإسرائيل والتقرّب منها. عزف مألوف، يسمعه اللوبي في هذه المناسبة كل سنة؛ من باب الولاء المدفوع سلفاً، لقضيته.

هذه السنة حظي بأكثر. أخذ سلفة نوعية إضافية من إدارة أوباما؛ وذلك عندما ارتأت هذه الأخيرة، عشية المؤتمر، إسقاط دعوى ضد اثنين من كبار مسؤولي اللوبي، حتى عام 2005، في قضية تجسس على معلومات أميركية سرّية؛ لصالح إسرائيل. الخطوة بدت، بصرف النظر عن المواقف الأخرى للإدارة، وكأنها جاءت بمثابة تقديم أوراق اعتماد لـ «ايباك». منذ ولادته عام 1951، باسم «المجلس الصهيوني الأميركي»، دار محور نشاطه حول تأسيس وبناء نفوذه في الكونغرس؛ باعتباره المدخل إلى مطبخ القرار في واشنطن. هذا الأخير هو أمين الخزنة، في النظام الأميركي. يحتاجه الرئيس، لتمرير مشاريعه وسياساته.

وقبل هذا وذاك، من دون كونغرس مضمون الولاء، لا تنفتح حنفية المساعدات الأميركية السخية؛ على إسرائيل. شبكة «اللجان السياسية»، التي نشرها اللوبي في كافة الولايات، مع مكاتبه في المدن الكبرى؛ عملت منه، مع الوقت، مفتاح انتخابي وازن؛ في معارك مجلسي الشيوخ والنواب. بات أقوى قوة ضغط وأكثرها تنظيماً، على الساحة الأميركية.

ساعده في ذلك حضور فاعل للدوائر والمنظمات اليهودية، في مختلف الساحات والقطاعات الانتخابية والمالية والإعلامية وغيرها. تعاظم نفوذه في الكونغرس، انسحب على مكانته، بالنسبة للبيت الأبيض. وكان ذلك يتجلّى، بأوضح تعبيراته، في المشاركة المكثفة للإدارة والكونغرس؛ في مؤتمره العام كل سنة. مناسبة يحرص دوماً أن يجعل منها تظاهرة سياسية باهرة، يعرض من خلالها عضلاته الوازنة.

وفي نفس الوقت ينتزع عبرها المزيد من صكوك التأييد والالتزام المسبقين وبما يشبه الارتهان، لمصلحة إسرائيل. من جملة ما ناله هذه السنة، كان تراجع النيابة العامة الاتحادية، عن دعوى مرفوعة منذ عام 2005؛ ضد رئيسه السابق ستيفن روزن ؟ الذي افتعل اللوبي إقالته في ذلك العام، بغرض تضييع الأثر - وزميله.

التهمة كانت تجسسا، من النوع الذي يؤذي الأمن القومي الأميركي. المحاكمة كان من المقرر بدؤها في الثاني من يونيو القادم. فجأة أسقطت الدعوى، بزعم أنه كان من الصعب إثبات التهمة. محامو الدفاع نسبوا الفضل في سحبها، «ولو جزئياً»، إلى إدارة أوباما. واضح، من التزامن، أن السياسة دخلت على الخط. ربما من باب تسليف اللوبي، علّه يساعد في تليين موقف حكومة نتنياهو وتسهيل الطريق أمام طروحات الإدارة.

التقطت إسرائيل الإشارة. نتنياهو، الذي زعم أنه صرف النظر راهناً، عن مطلب اعتراف الفلسطينيين بيهودية إسرائيل؛ عاد أمس في رسالته إلى المؤتمر، ليجدّد هذا الشرط. الدفع مسبقاً لإسرائيل، لا يحملها على التزحزح. يفتح شهيتها على المزيد. ومطالبتها بقبول «حلّ الدولتين ووقف المستوطنات»، وفي نفس الوقت تطمينها بما يفيد بأن تمردها لن يكون مكلفاً؛ مقاربة ثبت أنه لا جدوى منها. على إدارة أوباما أن تطرح وتطالب إسرائيل بالتنفيذ أولاً. وإلاّ بقيت وعودها مجرد سراب.