أظهر ضبط عدد من السفن الخشبية كانت تحمل على متنها أكثر من 800 شخص عربي وأفريقي أمام السواحل الليبية أواخر مارس الماضي عن حقيقة صعبة تتمثل في أن الأزمة المالية والاقتصادية لن تسهم سوى في تعزيز هذه الظاهرة حسب المنظمة العالمية للهجرة، وهو ما دعا أنطونيو غوتيريس المفوض السامي لشؤون اللاجئين إلى انتقاد ما وصفه بـ «العولمة غير المتوازنة» التي تسمح بحرية تنقل رؤوس الأموال والبضائع وتضع المزيد من العراقيل بوجه تحرك البشر.
وأشارت السلطات الليبية إلى أن مصرع ما يزيد عن 200 مهاجر غير شرعي قبالة السواحل الليبية مؤخرا هو الثمن الذي تضطر أوروبا المهاجرين لدفعه جراء إغلاق حدودها.. مؤكدة أهمية عدم تغافل مسؤولية القارة الأوروبية عن ذلك.
وشددت المفوضية الأوروبية في بيان صدر لها على أن سياسة إغلاق الحدود تضطر المهاجرين إلى التسلل إلى الأراضي الأوروبية ليفروا من الفقر وانتهاك حقوق الإنسان دون أن يبالوا نتائج مواجهة مخاطر الموت. وأشارت إلى أن تعزيز الرقابة على الدول القريبة من الاتحاد الأوروبي ليس بالإمكان.. وطالبت الاتحاد الأوروبي بألا يقف مكتوف الأيدي إزاء حوادث غرق المهاجرين المماثلة وألا يتغافل عن مسؤوليته.
ارتفاع عدد المفقودين
كان الناطق باسم المنظمة الدولية للهجرة جيان فيليب شوزي قد أعلن أن 300 مهاجر اعتبروا في عداد المفقودين عقب غرق القوارب التي كانت تقلهم قبالة سواحل ليبيا.. فيما نقلت مصادر صحفية ليبية أن 23 شخصا على الأقل لقوا مصرعهم فيما اعتبر 251 آخرون في عداد المفقودين إثر غرق ثلاثة قوارب كانت تقل مهاجرين غير شرعيين قبالة سواحل ليبيا في محاولة جماعية للتسلل إلى أوروبا.
وتثير المأساة الأخيرة المتعلقة بضبط الزوارق الأربعة مجددا تفاقم ظاهرة الهجرة غير الشرعية عبر شبكات التهريب التي تنشط بين السواحل الليبية وجزيرة لامبيدوزا الإيطالية. إذ أوردت المنظمة العالمية للهجرة التي يُوجد مقرها في جنيف منذ الساعات الأولى من عملية الضبط أنباء متضاربة عن عدد الزوارق وأرقام الضحايا، قبل أن توضح انطلاقا من مكتبها في طرابلس أن الأمر يتعلق بغرق زورق واحد كان يقل 257 لاجئا غير شرعي من شمال إفريقيا ومن بلدان إفريقية تقع جنوبي الصحراء، يوم الأحد 29 مارس قبالة السواحل الليبية.
وقد تم إنقاذ 23 شخصا من قبل البحرية الليبية وانتشال جثث 21 آخرين ما عنى أن أكثر من 200 شخص يوجدون في عداد المفقودين. كما أشارت السلطات الليبية إلى أنه تم إنقاذ جميع الأشخاص الذين كانوا على متن زورق ثان.
وفي بيان صدر يوم الثلاثاء 31 مارس في جنيف، أعرب المفوض السامي لشؤون اللاجئين عن «الإصابة بالصدمة لسماع هذه الأخبار»، في الوقت الذي أشارت فيه المنظمة الدولية للهجرة إلى أن «أبواب الهجرة نحو البلدان الغنية بدأت تنغلق أكثر بسبب الأزمة المالية ».
تأثيرات الأزمة المالية
من جهته، أثار جون فيليب شوزي، الناطق باسم المنظمة الدولية للهجرة (مقرها في جنيف) تأثيرات الأزمة المالية والاقتصادية على ظاهرة الهجرة عموما وعلى الهجرة غير الشرعية بالتحديد وانتقد الدول الغربية على «تشديد إغلاق حدودها في وجه الهجرة».
وأشار جون فيليب شوزي إلى أن هذه الأزمة الاقتصادية أدت إلى «تراجع حجم الأموال المرسلة من طرف العمال المهاجرين إلى بلدانهم الأصلية، والى تراجع أسعار المواد الأولية إضافة إلى تشديد عملية إغلاق الحدود الأوروبية».
وأفاد الناطق باسم المنظمة الدولية للهجرة، بأن «الدول الأوروبية ـ وبفعل الأزمة الاقتصادية، وتفاقم البطالة لديها ـ بدأت تستبدلها بسياسة توظيف اليد العاملة الوطنية مضيفا بأن هذا التشدد والإغلاق لأبواب الهجرة الشرعية، سيقود لا محالة إلى اللجوء إلى شبكات الهجرة غير الشرعية الخطيرة، حسب تقديره.
أما عن تشديد الإجراءات الأمنية، وبالأخص ما عبر عنه رئيس الوزراء الإيطالي سيلفيو بيرلسكوني من أمل في الحد من ظاهرة الهجرة غير الشرعية في حوض البحر الأبيض المتوسط في أعقاب دخول الاتفاق الليبي الإيطالي حيز التطبيق والقاضي بتعزيز الدوريات البحرية أمام السواحل الليبية، فيرى الناطق باسم المنظمة الدولية للهجرة أن »ذلك وحده لا يكفي في غياب سياسة إدارة رشيدة للهجرة».
ضوابط الهجرة
ودعا رئيس حزب إيطالي معارض إلى عقد مؤتمر متوسطي لبحث تفاقم الهجرة غير الشرعية وتنظيمها بشكل شرعي. وقال رئيس حزب الاتحاد المسيحي المعارض روكو بوتيليوني « نتساءل عن كيفية تنفيذ الاتفاق المبرم مؤخراً مع ليبيا فهل باء بالفشل؟» وأضاف «من الواضح أن استمرار قدوم المهاجرين غير الشرعيين من سواحل ليبيا غالباً ما ينتهي للأسف بوقائع مأساوية وهذا لا يمكن أن يتم من دون تواطؤ السلطات الليبية» وأردف إذاً فهناك شيء ما لا يجرى تنفيذه في الاتفاقية. من جهته أعرب وزير الداخلية الإيطالي روبرتو ماروني عن الأمل في أن تقوم ليبيا بمراقبة مياهها الإقليمية على غرار قوى خفر السواحل الايطالية.
وقال ماروني في تصريحات صحافية أن المراقبة المشتركة قبالة السواحل الليبية ستنطلق في الخامس عشر من شهر مايو، وأضاف: ليس لدي ما يدعو إلى الشك بأن الاتفاق (الأمني المبرم بين الجانبين) سيحظى باحترام الحكومة الليبية حسب تعبيره.
وأوضح الوزير الإيطالي أن ستة زوارق ستقوم بعملية المراقبة بفضل طواقم مختصة يتم تأهيلها خلال الأسابيع المقبلة. وأضاف: نحن نسيطر على من يفد إلى شواطئنا ونتمنى أن يفعل الآخرون ذات الشيء ومن بينهم ليبيا حتى نتجنب وقوع مآس مماثلة. في إشارة إلى معلومات أولية تفيد بغرق نحو أكثر من 300 مهاجر إفريقي بعد انقلاب زوارقهم قبالة ساحل ليبيا وسط رياح عاتية أثناء توجهها إلى ايطاليا.
طرابلس ـ سعيد فرحات