يتردد في هذه الأيام ـ وبتواتر ملحوظ ـ مصطلح الأمن القومي، وهو مصطلح ما زالت مدارس العلوم السياسية تختلف في تعريفه بالتوسع أو التضييق ـ وإن كان ثمة إجماع مبدئي على أنه يصدق بشكل عام على صون كيان الدولة والحفاظ على وحدتها الإقليمية وسلامة أراضيها داخل حدودها المعترف بها دوليا.
وقد تعود مصطلحات السلامة والصون والحماية التي ترتبط بالأمن القومي إلى التعريف المفهومي الذي يقول به واحد من كبار أساتذة علم السياسة وهو العالم الأميركي الألماني الأصل «هانز جي مورجتتاو» (1902-1980) وكان من أركان مدرسة الواقعية السياسية بجامعة شيكاغو بالولايات المتحدة.
مع ذلك.. ما زال يمكن القول بأن الأمن القومي، كمطلب أو مفهوم، ظل مرتبطا بنشوء الدولة كتنظيم ومؤسسة منذ أن عرف تاريخ الإنسانية مؤسسة الدولة بوصفها آلية ناجعة لإدارة شؤون الاجتماع البشري، وتنظيم العلاقات بين الناس، وهو ما جعل دفتر التاريخ يضم سطورا تعود بأجهزة الدولة قرونا موغلة في القدم.. يستوي في ذلك هيئات صنع القوانين أو أجهزة تطبيق أو إنفاذ هذه القوانين.
بيد أن عالمنا المعاصر عرف المفهوم الحديث للأمن القومي على نحو ما نتناوله في زماننا مع نشوب الحرب العالمية الثانية.. وبمعنى أن لا يظل الأمر مقتصرا على مجرد حرص الدولة على حدودها أو أمنها أو سلامة أراضيها.. ولكن بمعنى إضفاء الطابع المؤسسي على المفهوم المذكور ليصبح آلية مستقلة وتضم صفوة المسؤولين من أكبر معاوني رئيس الدولة.
البداية عام 1947
وربما تجلى هذا التحديث مع صدور قانون الأمن القومي في الولايات المتحدة بتاريخ 26 يوليه عام 1947 ليوقّعه رئيسها وقتئذ «هاري ترومان» وليسفر ضمن إجراءات عديدة، عن إنشاء الهيئة ذات المهام الخطيرة في مصفوفة إدارة الحكم بالبيت الأبيض تحت اسمها المختصر المعروف وهو «إن. إس. سي» أي مجلس الأمن القومي الذي لا يزال قائماً وفعالاً على مدار السنوات الاثنتين والستين التي انقضت على تأسيسه وليصبح في الآونة الأخيرة موضوعا للدراسة والتأمل، أولا بحكم الدور المؤثر لأميركا في العالم..
وثانيا في ضوء نوعية الشخصيات المهمة من خبراء وسياسيين وأكاديميين ومفكرين ممن توالوا على هذا الموقع الحيوي في هرم السلطة عبر الإدارات الأميركية المتعاقبة وقد بلغ عددها عشر رئاسات ابتداء من حقبة ترومان في الأربعينات حتى حقبة بوش الابن التي وضعت أوزارها كما قد يقال يوم 19 يناير من العام الحالي.
مستشار السيد الرئيس
أفراد هذه المجموعة المنتقاة من الساسة والمفكرين والأكاديميين حملوا لقب «مستشار رئيس الدولة لشؤون الأمن القومي». منهم من طواه الثرى، ومنهم من نسيه الناس، ولكن منهم من لا يزال مذكورا، سواء بحكم هالات الدعاية وأضواء العلاقات العامة (هنري كيسنجر نموذجا) ومنهم لم يكتف بلقب «سابق» ولا استهوته حكاية فلاشات الميديا ولكن آثر أن يواصل الإنتاج العلمي والاجتهاد الفكري بالنسبة لما يستجد من قضايا بلاده والعالم (زبجنيو بريجنسكي نموذجا)، ومنهم أيضا من لا يزال الناس ـ يذكرونه في أقطار العالم الثالث بالذات ـ في إطار سلبي مرتبطا بأسوأ التداعيات (كوندوليزا رايس نموذجا).
وإذا كان هناك من محللي السياسة من يحاول أن يكون موضوعيا ليحدثك عن ضرورة الابتعاد عن الذاتية مع التركيز على أهمية موضوعية العلاقة بين رئيس الدولة ومستشاره لشؤون الأمن القومي مقابل شخصنة هذه العلاقات التي قد تضر بالمصالح العليا للدولة ـ إلا أن ثمة إجماعاً على أن هذه العلاقة في البيت الأبيض بالذات بين طرفيها رئيس الجمهورية ومستشار الأمن القومي تتأثر إلى حد بالغ بمعنى قرب ـ أو ابتعاد ـ المستشار الرئاسي عن عقل ووجدان الرجل الأول في العاصمة واشنطون، وبمعنى أن مستشار الأمن القومي، مهما بلغت مكانته، محكوم عليه أن يمارس عمله المهم وأحيانا مهمته الحيوية في «ظلال المكتب البيضاوي» الذي يشغله رئيس الولايات المتحدة.
هذه العبارة التي آثرنا وضعها بين هلالين هي بالضبط هي عنوان أحدث الدراسات الصادرة في الموضوع.. وقد أصدره مؤخرا اثنان من كبار علماء العلوم السياسية في جامعات أميركا هما الأستاذان «دالدر» و«دستلر».
من جانبنا نلاحظ أن الدراسة بدأت مع رئاسة جون كينيدي.. بمعنى أنها تجاوزت رئاستي ترومان في الأربعينات ثم أيزنهاور في الخمسينات. لماذا؟ لأن وظيفة مستشار الأمن القومي لم تكن قد تبلورت وتحددت معالمها إلا في عام 1961 وخاصة مع وصول «ماكجورج بندي» إلى البيت الأبيض آتيا من جامعة هارفارد التي كان يشغل في صفوفها منصب الأستاذ والعميد.. وهو تقليد ظل متبعا بالنسبة لهذا المنصب مع استثناءات ليست بالكثيرة.
بلغ نفوذ البروفيسور «بندي» الحد الذي وصفوا فيه مكتبه بأنه «وزارة خارجية مصغرة» وفي عهده توسعت اختصاصات المنصب وأهميته إلى حد أن كانوا يوافونه بكل المعلومات بالغة السرية والسوبر ـ خطيرة عن العالم لم يكن يتاح الاطلاع عليها إلا «لفخامة الرئيس».
وربما كانت هذه السابقة هي التي أضفت نفس الأهمية على هنري كيسنجر في حقبة نيكسون، بل أوغل كيسنجر في هذه الأهمية لدرجة أن جعل من وزير خارجية نيكسون وهو «ويليام روجرز» أقرب إلى صفر على الشمال.. ولا غرو، فقد كانت عين كيسنجر على حقيبة الخارجية التي ما أن تولاها حتى أصبح الرجل رقم اثنان بعد الرئيس نيكسون شخصيا بل كاد يصبح رقم واحد في الدولة الأميركية خاصة بعد أفول نجم ريتشارد نيكسون نتيجة لفضيحة ووترجيت الشهيرة في مقتبل عقد السبعينات.
جونسون لا يحب القراءة
الرئيس جونسون «ورث» المستشار بندي بعد اغتيال جون كينيدي ـ لكن الوريث والموروث توترت العلاقات بينهما.. إذ كان المستشار أستاذا لعلم السياسة ومشغولاً في الأساس بالعلاقات الدولية على مسرح العالم، فيما كان الرئيس جونسون سياسيا منكبا على قضايا الداخل ومحدود الاهتمامات والمعلومات، بما يدور خارج حدود بلاده ـ دع عنك أنه كان على خلاف سلفه المثقف ـ رجلاً لا تستهويه القراءة ولا يطيق التقارير المفصلة ويكاد يمقت الدراسات المسهبة بكل ما تحويه من إشارات وتحليلات.
هذا التوتر في علاقات رئيس الدولة ومستشاره للأمن القومي ما لبث أن تحوّل إلى ما يمكن وصفه بأنه «شهر عسل» من التفاهم بين رجلين كان يجمعهما اتجاه مشترك وهما الرئيس نيكسون والدكتور كيسنجر.. هذا الاتجاه كان يقوم على أسس تتلخص فيما يلي: السرية مع القنوات الخلفية إلى جانب التشكك في نوايا الآخرين.
بين السرية والانكشاف
في هذا السياق بالذات تقول دراسة الأستاذين دالدر ودستلر: كان يضعان المخطط السياسي وسط ظلام السرية، وكانا ينفذان خططهما في سرية أيضا: هكذا ظل كيسنجر يتفاوض مع هانوي (فيتنام الشمالية) محاطا بسياج رهيب من الكتمان على مدى عامين كاملين.. وظل كيسنجر يستخدم قناة خلفية، وسرية أيضا مع الاتحاد السوفييتي من خلال سفير الكرملين أيامها في واشنطون واسمه أناتولي دوبرنين. ومن خلال مثل هذه القنوات السرية ـ الخلفية ظل كيسنجر يتفاوض على اتفاقات تخفيض الأسلحة الخطيرة بين روسيا وأميركا، بل أن كيسنجر قام برحلته «التاريخية» بحق إلى بكين وكانت أول زيارة لمسؤول أميركي كبير منذ اندلاع ثورة «ماو» الصينية في عام 1949.
وفيما أتت هذه السرية نتائج مرموقة كان في مقدمتها ـ كما هو معروف ـ تطبيع العلاقات مع الصين الشعبية، إلا أن عُملتها أسفرت عن وجه آخر غاية في السلبية تلخصه الدراسة التي نحيل إليها على النحو التالي: رغم أن نيكسون وكيسنجر أكدا الإمكانات الواسعة التي تنطوي عليها مقاليد السلطة وحققا بذلك إنجازات لا تنكر.. إلا أنهما أكدا في الوقت نفسه إمكانية إساءة استغلال السلطة من جراء اعتماد أسلوب السرية.. ذلك لأن السرية تتغذى على نفسها بنفسها فما بالك عندما تصبح السرية هاجسا يستبد برأس الدولة ومساعده الأول في قضايا الأمن القومي ثم زاد الأمر تفاقما أن كلا من الرجلين كان يفتقر إلى شعور بالأمان.. بل إلى شعور من فقد ثقة كل منهما بالآخر. فما بالك بالثقة في الآخرين.
لقد كان كيسنجر يخشى باستمرار من مغبة اللوم وخطورة تسرب المعلومات.. وهكذا أمر أستاذ العلوم السياسية والمستشار الأمني الأقرب من سواه إلى وجدان الرئيس بأن تتم المراقبة والتسجيل لكل ما يدور في هواتف ورسائل (وربما خطوات) الدائرة المحيطة به.. حتى موظفي مكتبه أنفسهم (وتشاء الأقدار أن يؤدي أسلوب التسجيلات السرية إياه إلى سقوط نظام الرئيس نيكسون شخصيا وخاصة حين اكتشف الشعب الأميركي محاولات التغطية على ملابسات ووترجيت).. وجاء الاكتشاف أساسا بصوت الرئيس نفسه وأصوات أقرب معاونيه، فضلا عن التحقيقات الصحفية الخطيرة التي أزاحت الستار عن هذه الأساليب من تكريس السرية وملاحقة الخصوم وقد ظلت توالي نشرها كما هو معروف جريدة «واشنطون بوست».
أزمة بريجنسكي
بعد كيسنجر جاء زبجنيو بريجنسكي في رئاسة جيمي كارتر.. حاول أن يزيح ستار السرية السابق ولكن تفاقمت الأمور من واقع موقف «الصقور» الذي تبناه بريجنسكي إزاء الخصم السوفييتي في الحرب الباردة وخاصة بعد غزو موسكو أفغانستان في عام 1979. مشكلة المستشار الجديد أنه دخل في صراعات ظاهرة ومستترة مع أركان إدارة كارتر وفي مقدمتهم سابروس فانس وزير الخارجية الذي كان الأقرب في سياسة عدم العنف إلى قلب الرئيس.
بعد دخول قوات الكرملين في كابول عاصمة الأفغان أدرك القوم أن دعوات مستشار الأمن القومي إلى التشدد مع موسكو كان لها ما يبررها، لكن كان قد فات الأوان خاصة وقد اندفعت لاهثة عجلة الأحداث وفي مقدمتها استقالة فانس وزير الخارجية واندلاع الثورة الإيرانية ثم أزمة رهائن السفارة الأميركية التي أودت برئاسة كارتر ذاتها ليصبح ـ رغم حسن نواياه ـ رئيس الولاية الواحدة. ومن هذه الشظايا نال الدكتور بريجنسكي رذاذ كثير لدرجة أن وجد من اتهموه بالإمعان في التنظير والابتعاد عن الواقع بل ارتفعت وقتها (مقتبل الثمانينات) دعوات إلى إلغاء منصب مستشار الأمن القومي من الأساس.
في غمار هذا كله.. ورغم أن جورج بوش الأب دخل التاريخ مهموما بوصفه أيضا رئيس الولاية الواحدة إلا أن رئاسته كانت أفضل بيئة لعمل مستشاره للأمن القومي الجنرال سكوكزمت والسبب كما تقول الدراسة، أن بوش الأب ما زال متفردا بين أقرانه من رؤساء أميركا بأنه كان أكثرهم فهما للسياسة الخارجية وهي المتصلة بأكثر من سبب وثيق بقضايا الأمن القومي..
ولا عجب فقد عمل بوش مديرا لوكالة الاستخبارات المركزية، وأول سفير لبلاده في الصين ومندوبا (بدرجة وزير) لأميركا في منظمة الأمم المتحدة إلى جانب 12 سنة قضاها نائبا للرئيس ريجان ثم رئيسا للدولة. وشاءت حظوظ رئاسته أن تشهد انتهاء الحرب الباردة وتصدع ثم زوال الخصم السوفيتي ثم النجاح في حرب تحرير الكويت ودخول العالم مع عقد التسعينات في مرحلة كانت حافلة بآمال عراض.. لم تتحقق للأسف الشديد.
كوندوليزا والثنائي
بعد هذا لم تلمع أي شخصية في موقع مستشار الأمن القومي، لا في حقبة كلينتون ولا في ولايتي بوش ـ الابن حيث تولت المنصب في الولاية الأولى السيدة كوندوليزا رايس فإذا بها تخضع لكل قيود التحجيم على يد ثنائي القوة العاتية المؤلف من السيد تشيني نائب الرئيس الذي أحاطها بحصار إداري خانق فضلا عن وزير الدفاع رامسفيلد الذي رفض ـ كما تؤكد الدراسة التي بين أيدينا ـ أن يتبادل مع مستشارة الأمن القومي أي معلومات بشأن خطط الحرب التي يضعها البنتاجون. تاريخ حافل إذن.. لا بد وأن تعي دروسه المستفادة إدارة أوباما المستجدة خاصة وأن قضايا الأمن القومي في ظل أزمة النظام الاقتصادي العولمي الراهنة أصبحت تنطوي على تفاعل جدلي وثيق بين سلامة الأمن القومي في داخل أميركا نفسها وسلامة الخارج على مستوى الكرة الأرضية بأسرها.
بقلم ـ محمد الخولي