من أبشع الحوادث الإرهابية في النصف الثاني من السبعينات، حادث اغتيال رئيس وزراء ايطاليا السابق ألدو مورو الذي كان من أهم الشخصيات السياسية الأوروبية والذي وصفه باحث ايطالي بأنه كان «إبرز شخصيات زمانه، ولكن لم تكن له الإرادة السياسية لإيجاد حل».
عثرت على جثة مورو في مثل هذا اليوم من عام 1978. إذ كان قد اختطف قبل قتله. والجاني اسم لامع في عالم الإرهاب خلال السبعينات، وهو منظمة الألوية الحمراء المتطرفة، التي لمع اسمها مع الجيش الأحمر الياباني ومنظمة بادر ماينهوف في ألمانيا. هذه المنظمة تأسست عام 1970 في ميلانو. وارتكبت مابين عامي 1970و 1988 حوالي 75 عملية قتل. ونفذت عمليات خطف وسرقة وسطو على البنوك. وكانت ذروة عملياتها الإرهابية.
إختطاف واغتيال ألدو مورو. وما زال معظم الايطاليين الذين عاصروه يذكرون حتى يومنا هذا يوم 16 مارس 1978 عندما تلقوا نبأ خطف مورو الذي كان يتزعم الحزب الديمقراطي المسيحي واغتيال خمسة من حراسه. كما لم يغب عن الأذهان خبر العثور على جثته في التاسع من مايو بعد احتجازه 55 يوما. وتبقى علامات استفهام كبيرة والألغاز حول ظروف مقتل هذا السياسي الكبير غامضة. ويقال إن الدافع للقتل يرجع لسياسات مورو.
كان مورو في عام 1971 قد فتح باب الحوار مع الحزب الشيوعي الإيطالي، وتوصل معه إلى اتفاق يمتنع بموجبه الحزب الشيوعي عن معارضة الحكم في البرلمان وفي نفس الوقت يمتنع عن تأييده. وفي عام 1978 تحاور مع الشيوعيين الذين سعوا إلى وضع سياسة باسم (التسوية التاريخية) تفتح الباب أمام مشاركتهم في الحكم.
ويقال ان اليسار المتطرف في إيطاليا الذي عارض سياسة الحزب الشيوعي، سعى إلى إنهاء سياسة الحوار بين مورو والشيوعيين وقطع الطريق أمام هذا الاتجاه في السياسة الداخلية الايطالية، فأقدمت عناصر الألوية الحمراء في 16 مارس 1978 على اختطاف ألدو مورو وكان الهدف المعلن هو المساومة على الإفراج عن بعض سجنائها السياسيين. وطوال خمسة وخمسين يوماً ووسط أجواء فزع وقلق في إيطاليا، خضع آلدو مورو إلى ما يشبه المحاكمة، وصدر حكم الألوية الحمراء عليه بالموت. وفي 9 مايو يُعثَر على جثّته في صندوق سيارة.
أرملة الدو مورو، قالت في حديث مع القاضي الذي أشرف على التحقيق، بأن من كانوا في مختلف المناصب القيادية كانوا يريدون تصفية زوجي. وفي كتاب بعنوان «لا بد أن يموت» ادعت أن الدولة الايطالية كانت تريد مقتله. وقد طلب القاضي منها تسمية الأسماء، لكنها رفضت لأنها كما تقول: «أنا مسيحية وليس لدي الدليل المادي».
وبعد عشرين عاما من مقتله، وبالتحديد في السابع والعشرين من فبراير عام 1999 أعلن رئيس لجنة البرلمان الإيطالي السيناتور جوفاني بيليغرينو الذي ينتمي إلى حزب اليسار الديمقراطي، أن جهاز الاستخبارات الخارجية الإسرائيلي «الموساد» ضالع في خطف آلدو مورو وقتله، لأنه كان صديقاً للعرب.
وتحدثت وكالة الصحافة الفرنسية في ذكرى مرور 30 عاما على اغتياله، فقالت أنه بينما كان العالم في اوج الحرب الباردة، حاول الدو مورو التقارب مع الشيوعيين الذين يمثلون ثلاثين بالمئة من الناخبين في مشروع «التسوية التاريخية» ليواجهوا سويا وضعا اقتصاديا صعبا ومكافحة الإرهاب.
وبينما كان مورو في سجنه كتب مئات الرسائل الى عائلته ورئيس الحكومة الديمقراطية المسيحية جوليو اندريوتي والبابا بولص السادس والأمين العام للأمم المتحدة كورت فالدهايم مطالبا بالتفاوض مع الألوية الحمراء التي كانت تطالب باعتراف سياسي والإفراج عن 13 سجينا.
وفي حين يعود النقاش كل سنة حول تعنت الحكومة يكرر اندريوتي ان الالوية الحمراء كانت معادية للديمقراطيين المسيحيين والحزب الشيوعي الايطالي بزعامة برلينغوير لموقفه الداعي إلى شيوعية أوروبية. وبعد ان كان يعارض اي تفاوض اعرب رئيس مجلس النواب حينها الشيوعي بياترو انغراو عن بعض الشكوك مؤكدا انه قد يكون من الممكن انقاذ حياة دون التخلي عن مكافحة عناصر الالوية.
ومن جانبه، اعرب مورو عن امتعاضه من البابا بولس السادس حين كتب في الخامس من مايو ان البابا لم يتحرك كثيرا وقد يندم بعض الشيء. وزعم رئيس لجنة التحقيق البرلمانية حول قضية مورو جيوفاني بيليغرينو انه على غرار كل الذين يشيدون المستقبل لم يكن الدو مورو مفهوما من معاصريه. وأضاف انه كان يثير الاستياء حتى داخل الديمقراطية المسيحية وأجهزة الاستخبارات والعسكر والأميركيين والروس الذين كانوا يخشون من «تسوية تاريخية» لم يكونوا يحبذونها. واكد ان الفرضية التي تقول ان كل الذين لم يكن مورو يعجبهم تحركوا لإفشال المفاوضات السرية امر ذا مصداقية.
وتقول وكالة الصحافة الفرنسية أن اغتيال زعيم الديمقراطية المسيحية الدو مورو مازال جرحا ينزف في ايطاليا، حيث ما زال تعنت المسؤولين السياسيين حينذاك في عدم التفاوض باسم المصلحة العليا للدولة يثير تساؤلات. وقررت ايطاليا للمرة الاولى ان يكون تاريخ اغتيال الدو مورو في التاسع من مايو يوما لكافة ضحايا الإرهاب بكل انتماءاتهم يمينا ويسارا.
حسن صابر