لم يلبث العالم يلتقط أنفاسه بعد فشله في مواجهة فيروس «أنفلونزا الطيور» الذي تسبب في تكبيد العالم خسائر فادحة في الثروة الداجنة وخسائر بشرية كبيرة في عدد من البلدان حول العالم، حتى فوجئ بفيروس «أنفلونزا الخنازير» وهو أكثر شراسة وأشد فتكا وخطورة على صحة الإنسان وحياته بشكل أكثر دراماتيكية وهو ما دفع منظمة الصحة العالمية إلى رفع مستوى الانذار بشأن انفلونزا الخنازير إلى الدرجة الخامسة بل وحذرت من أن «الجائحة باتت وشيكة».

تلك الحالة التي أصابت العالم بحالة من الهلع والفزع والخوف خاصة في ظل الإنتشار المتسارع لفيروس الأنفلونزا وإنتقالها بشكل مطرد مما أدى إلى وجود إصابات في 29 دولة وإصابة أكثر من ألف حالة توفي منهم 20 حالة من بينهم 19 حالة في المكسيك وحدها، وهي مركز تفشي المرض حيث يوجد بها 487 حالة إصابة بشرية، أكدتها المعامل، وما يزيد من خطورة إنفلونزا الخنازير أكثر من «أنفلونزا الطيور» و«الأنفلونزا البشرية» قدرة الفيروس علي التحور داخل الخنازير وإنتقالة بين البشر وآثاره القاتلة في الحياة البشرية.

ويؤكد خطورة الوضع فيما يتعلق بإنفلونزا الخنازير تسارع درجة التحذير التي أطلقتها منظمة الصحة العالمية ووصولها إلى الدرجة الخامسة في أيام معدودة وظهرت «حمي إعلامية» واسعة و«فوبيا عالمية» من المرض كانت لها إنعكاسات خطيرة علي المستوي الإنساني والإجتماعي والاقتصادي.

الوضع خطر

وتكشف تحذيرات منظمة الصحة العالمية من خطورة الوضع والإجراءات الحاسمة التي إتخذتها الدول المختلفة سواء التي ظهرت عندها إصابات أو التي لم تظهر عن حجم المخاطر والمخاوف من الزائر الجديد غير المرغوب في وجوده بالمرة لما له من أضرارا بالغة.

ومن جانبه، حذر المدير الإقليمى لمنظمة الصحة العالمية،والتي تتخذ من القاهرة مقرا إقليميا لها، الدكتور حسين الجزائري من أن نصف سكان الكرة الأرضية قد يكونون معرضين للإصابة بفيروس إنفلونزا الخنازير، وأكد أن منظمة الصحة العالمية قررت رفع مستوى الإنذار إلى الدرجة الخامسة من المقياس المكون من ست درجات وهو ما يعني الوصول إلى المرحلة قبل الأخيرة من إعلان وباء عالمي أصبح وشيكا، وانه لم يعد هناك وقت طويل للاستعداد لمواجهتها.

وقال: إنه من المتوقع أن نشهد المزيد من الإصابات بفيروس أنفلونزا الخنازير في بلدان جديدة، مؤكدا أن منظمة الصحة العالمية تعمل على التقصي الوبائي المستمر بالتعاون مع الأجهزة الصحية في مختلف الدول والذي من شأنه أن يساعد في التعرف علي كيفية انتشار الفيروس وعلى أنماطه الاكلينيكية وعلى كيفية تأثير الفيروس على البشر واذا كان يسبب مرضا وخيما، والتعرف على المجموعات العمرية التي تتأثر أكثر من غيرها.

وأشار إلى أهمية تطوير وتصنيع لقاحات مضادة لذرية الفيروس الجديد للحصول على الحماية القصوى للأشخاص الذين يتم تطعيمهم. وحول المعايير التي على أساسها تحدد منظمة الصحة العالمية درجة الإنذار المكون من ست درجات لتعبئة الدول في مواجهة الخطر الوبائي،أكد الجزائري أن درجات الإنذار عبارة عن، الدرجة الأولى، وفي هذا المستوى لا يسجل أي انتقال لفيروس من منشأ حيواني إلى الإنسان، أما الدرجة الثانية تسجل بعض الإصابات بفيروس ينتقل بين الحيوانات الأليفة أو البرية لكن بدون انعكاسات أخرى، وفيما يتعلق بالدرجة الثالثة فهي تعتمد عندما ينشط الفيروس في بؤر محدودة جدا لكنه لا ينتقل بشكل واسع بين البشر وفي هذه المرحلة يعتبر الخبراء الوباء «محتملا».

مخاوف من انتشار الوباء

وأوضح أنه فيما يتعلق بالدرجة الرابعة فإنها تعني ارتفاعا كبيرا في خطر انتشار الوباء مبررا بانتقال تم التحقق منه بين البشر لفيروس من أصل حيواني قادر على التسبب بوباء داخل مجموعة، وتؤكد أنه من واجب الدول المعنية ابلاغ المنظمة بأي تطور في الوضع، لكن هذه المرحلة لا تعني أن هناك جائحة لا يمكن تجنبها.

وقال: إن الدرجة الخامسة،تعني أن بدء هذه المرحلة يأتي عندما تتطور بؤر منفصلة في أكثر من بلدين في منطقة واحدة وهي تشكل بذلك مؤشرا قويا على «جائحة» وشيكة وأنه بقي وقت قصير جدا للاستعداد لها، أما الدرجة الأخيرة وهي الدرجة السادسة وهذه المرحلة الأخيرة تبدأ عندما يعلن انتشار الوباء رسميا«.

وأضاف الجزائري: أنه حسب المعايير التي حددتها الأمم المتحدة من الضروري أن يكون الفيروس انتقل إلى منطقتين منفصلتين في العالم ببؤر عدة موزعة«.

مشيرا إلى أن من يقرر الانتقال من مرحلة إلى أخرى هي «لجنة الطوارئ للتسوية الصحية الدولية» والتي تضم حوالي 15 خبيرا دوليا وتدعو المنظمة إلى اجتماعها. ولفت إلى أن هذه اللجنة تختص بتحديد الطريق الذي يجب أن تتبعه كل الدول والسلطات في العالم والإجراءات التي يجب اتخاذها في حال الطوارئ.

تحذير من السفر للمكسيك

وقال: إن المنظمة تقوم بتقديم المعلومات الكاملة،مطالبا بعدم الاستسلام والمحافظة على مستوى من الهدوء لمواصلة إدارة هذه القضية بشكل عقلاني«، محذرا في الوقت ذاته من السلام والعناق والقبلات بين الأشخاص في الوقت الحالي، كما حذر من السفر إلى المكسيك إلا للضرورة القصوى مع تفعيل الترصد الصحي في كل البلدان، مؤكدا أنه في حالة وجود وباء فلابد من إغلاق المدارس والابتعاد عن الأماكن المزدحمة.

وحول الإجراءات التي يجب أن ترافق إعلان الدرجة الخامسة من الإنذار التي تعني أن انتشار الوباء أصبح وشيكا، لفت رئيس المكتب الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية الدكتور حسين الجزائري إلى أن هناك سلسلة من التوصيات التي وضعتها منظمة الصحة العالمية للدول سواء كانت معنية أو غير معنية.

وتابع: إنه في المناطق التي ينتشر فيها المرض ننصح المصابين بأمراض تنفسية خطيرة، بالبقاء في منازلهم والحد من تماسهم مع المقيمين الآخرين في المنزل، ومن الممكن أن يتزامن مع ذلك إغلاق المدارس وتغيير مواعيد العمل بشكل يقلص الاتصال بين الناس، وخفض السفريات والتجمعات المرتبطة بوسائل النقل والعمل علي توفير وتوزيع الأدوية المضادة للفيروسات، وبدء حملات تطعيم ضد المرض، أما في الدول التي لم تسجل فيها اصابات بعد، فعليها فرض مراقبة صحية على الحدود«.

التعامل مع المرض

ومن جانبه، قال المستشار الإقليمى لمنظمة الصحة العالمية الدكتور حسن البشرى: إن المنظمة تبعاً للدورة الوبائية، كانت تتوقع منذ أكثر من عامين انتشار وباء أنفلونزا الخنازير الذي يحدث في المتوسط ما بين ست سنوات وأكثر. وأضاف: أن المنظمة قامت بتدريب عدد من كوادر وزارات الصحة على كيفية التعامل مع هذا المرض،كما أن هناك بعض المراكز الوطنية الموجودة التي تساعد على اكتشاف وتشخيص المرض.

وتابع: أنه حتى الآن لم تفرض منظمة الصحة العالمية أية قيود على التنقل بين بلد وآخر، ولكن هذا الأمر قد يتغير في حالة انتشار المرض بشكل أكبر«، مشيرا إلى أنه تم وضع خطة خلال الأسبوع الماضي حول كيفية توزيع التطعيمات في حالة حدوث وباء.

وأشار إلى أن خطورة هذا المرض تكمن في كونه مرضا جديدا، ولا توجد مناعة للإنسان ضده كما أنه سريع الإنتشار بين البشر سرعة النار في الهشيم ومن الممكن أن يصاب به أكثر من ملياري شخص، مؤكداً أن أهم شيء هو إبطاء انتشار المرض حتى يتم تصنيع لقاح يقي منه لأنه غير متوفر حتى الآن، ويحتاج لوقت طويل حتى يحصل كل الناس عليه، كما أنه من المتوقع أن يتم عمل المصل خلال عام.

وأكد أن هناك وسائل علاجية أولية متوافرة الآن يمكن الحصول عليها في حالة حدوث المرض مثل دواء «التاميفلو»، لافتا إلى أن منظمة الصحة العالمية وفرت من هذا الدواء 3 ملايين كبسولة في مخازنها بمدينة دبي، لموقعها الجغرافي وسهولة وصولها لكل الدول، مبينا أن هذه الجرعات تكفى لحوالي 300 ألف شخص، حيث يحتاج كل شخص إلى عشر كبسولات منها.

وحول رحلة فيروس إنفلونزا الخنازير في جسم الإنسان، يقول الدكتور حسن البشري إن فيروس انفلونزا الخنازير يدخل كغيره من الفيروسات إلى الجسم عن طريق الشعب الهوائية العليا ومنها إلى الخلايا التي يستخدمها من أجل التكاثر».

وأضاف أن فيروس (H1N1) الذي يقف وراء وباء انفلونزا الخنازير هو من يمكن أن يتفرع إلى انواع ضمنها متغايرات عدة، مشيرا إلى أن الخنزير من حيث طبيعته مستقبلا لأشكال مختلفة من الفيروسات يمكنها أن تجتمع لتولد فيروسا متعددا. ولفت إلى أن فيروس «H1N1» يجمع بين سلالتين من فيروسات الخنازير وسلالة من فيروس الطيور وسلالة من فيروس بشري، وأنه قابل للانتقال إلى البشر، وأن الأخطر من ذلك هو أن الفيروس يستخدم الإنسان كجسم ناقل لنقل العدوى من إنسان لآخر.

أعراض متشابهة

ونوه إلى أن أعراض أنفلونزا الخنازير تشبه تماما أعراض الأنواع الأخرى من الإنفلونزا وتشمل ارتفاعا شديدا في درجات الحرارة وألما في العضلات وارتعاشا وسعالا، ولفت إلى هذا الفيروس المعدي ينتقل بواسطة قطيرات الماء التي تنتشر في الهواء عند التنفس أو السعال أو العطس. ونصح البشري بعزل المصاب بالعدوى وإعطائه مضادات الفيروسات لاحتواء الوباء، وغسيل اليد يوميا باستمرار وأكثر من مرة والإبتعاد عن مناطق الإزدحام والتجمعات البشرية وتجنب مخالطي الخنازير.

وشدد علي أنه لم يعد هناك أي منطقة في العالم آمنة من فيروس أنفلونزا الخنازير الذي بدأ ظهوره في المكسيك والولايات المتحدة وانتشر في 29 دولة حول العالم، حيث يري أنه لم يعد ينفع فرض قيود على السفر أو إغلاق الحدود بهدف وقف انتشار الفيروس، مشيرا إلى أن الفيروس قد انتشر فعلا وفى هذه الظروف لم يعد إغلاق الحدود أو فرض قيود على السفر له في الحقيقة سوى تأثير طفيف جدا لوقف انتقال هذا الفيروس.

وأشار إلى أن الأمر اللافت من تطور الأوضاع فيما يتعلق بإنفلونزا الخنازير ما أعلن في كندا من أن العدوى انتقلت من شخص إلى آخر في اقليم اتلانتيك بكندا وهو ما ينذر بمرحلة جديدة من تطور المرض، بعد أن أصيب الضحية بحالة متوسطة من انفلونزا الخنازير من طالب عاد من المكسيك، حيث كان في رحلة مدرسية منظمة.

يذكر أن منظمة الصحة العالمية كانت قد أعلنت على موقعها الإلكتروني على الإنترنت أنها ستقوم بإستخدام تسمية انفلونزا H1 N1 للإشارة إلى «أنفلونزا الخنازير». وكانت تسمية الأنفلونزا قد أثارت الكثير من الجدل، في ظل رفض البعض تسميتها بانفلونزا الخنازير نظرا للتأثيرات الاقتصادية الهائلة لمثل هذه التسمية على مربي الخنازير، كما رفضت المكسيك من جهتها المطالبات الإسرائيلية بتوصيف الإنفلونزا بانفلونزا المكسيك، معتبرة أن ذلك يعد أمرا مسيئا لصورة البلاد بل واحتجت رسميا على مطالبة إسرائيل بذلك.

وكانت منظمة الصحة العالمية ومنظمة الأمم المتحدة للاغذية والزراعة «الفاو» والمنظمة العالمية للصحة الحيوانية أعلنت أن فيروسات الإنفلونزا ليست معروفة بانتقالها إلى الإنسان عبر تناول لحم الخنزير المتحول أو منتجات غذائية أخرى تنتج من لحم الخنازير.

القاهرة ـ «البيان»