أسوأ الأمراض التي تصيب الإنسان، هي التي تداهمه في أزمته، لأنه لن يتمكن من مواجهتها بكامل قواه. وهذا ما يحدث للعالم الآن مع مرض إنفلونزا الخنازير في ظل الأزمة الاقتصادية. فالمرض يحد من القدرة الإنتاجية في مقابل زيادة الإنفاق غير المنتج. والأزمة تؤدي عادة إلى تقليل الإنفاق على الخدمات ومنها الصحة سعيا إلى تعظيم الإنتاج والاستهلاك.
وهذه الضربة المزدوجة مصدر رعب يسيطر على العالم الآن. فالمرض الذي يكاد يتحول إلى وباء يربك الحلول التي تسعى للخروج من الأزمة. وفي كلمة لها أمام المنتدى الثالث والعشرين للقضايا العالمية في برلين خلال مارس الماضي، قالت مارجريت تشان المديرة العامة لمنظمة الصحة العالمية، ان تحول مرض الانفلونزا إلى وباء عالمي جائح سوف يكلف العالم نحو ثلاثة تريليونات دولار. وإذا حدث ذلك ـ لا قدر الله ـ فإن خسائر العالم من الأزمة، والتي تبلغ حتى الآن نحو خمسين تريليون دولار، سوف ترتفع. هذا بالإضافة إلى أن كافة الجهود الدولية سوف تتحول من التركيز على الأزمة إلى التركيز على المرض، وهو ما يعني استفحال هذه الأزمة واستمرارها لأكثر مما هو متوقع لها.
وحسب تقديرات منظمة الصحة العالمية، فان المتوقع أن تضرب الانفلونزا نحو 5. 1 مليار إنسان، اذا ما تحولت إلى وباء. ما يعني تأثر أو انعدام إنتاجية هؤلاء، وهو ما يلقي أعباء إضافية على الاقتصاد الذي سيضطر للانفاق في اتجاه واحد. ولكي نتصور حجم الكارثة، فقد أوردت المنظمة في تقريرها السنوي لعام 2007 أن تكلفة علاج المريض الواحد المصاب بمتلازمة السارس بلغت خلال فترة انتشاره نحو مليوني دولار، مما كبد الاقتصادات الآسيوية آنذاك نحو 80 مليار دولار، منها 20 مليارا خسائر في الناتج الإجمالي، مع ان المرض اقتصر على 8422 إصابة فقط.
ومن دون وجود أي وباء، يعاني نحو مليار إنسان من الفقر المعجز عن تلبية الاحتياجات الصحية، ومع كل سنة من الأزمة يتوقع ان ينضم مئة مليون إنسان جديد إلى هذا الرقم. ما يعني اتساع قاعدة الفقر، وتشكيل ضغط هائل على المؤسسات الصحية في الدول المصابة بأزمتي الاقتصاد والصحة. وهذا سيرهق الاقتصادات الفقيرة. ففي الوقت الذي يبلغ فيه نصيب الفرد من الرعاية الصحية في بعض الدول المتقدمة نحو ستة آلاف دولار سنويا، فإن دولا فقيرة لا تنفق أكثر من عشرين دولارا.
وفي ظل هذه الأزمة تشكل الدول الفقيرة مستودعات مزمنة للأمراض، بما يعرقل أي جهود للمكافحة العالمية، فما يتم علاجه من جانب الأغنياء يعيد الفقراء تدويره مرضيا.ولهذا يعاد انتاج أنواع جديدة من السلالات المرضية التي سبق واختفت، ولعل أخطرها السل المقاوم للأدوية، الذي أرجعت منظمة الصحة العالمية سببه إلى انتشار مرض الإيدز بالدرجة الأولى، وهو ما جعل المشكلة ضخمة وخطرا عظيما على العالم، حسب وصف المدير العام للمنظمة.
فهذه السلالات الجديدة تتسبب حاليا في نحو 95% من حالات الإصابة في العالم، من دون توقف عن الانتشار، اذ وصل المرض حتى الآن إلى خمس وخمسين دولة، ولايزال الرقم في ارتفاع. ولهذا فان مقاومة الأمراض عالميا لم تعد ترفا يتهرب منه الأغنياء على حساب الفقراء، بل ان صحة المترفين صارت مرهونة بصحة المعدمين. فعالم اليوم لم يعد لفئة دون أخرى.. وشكرا لأعدائنا الفيروسات.