مضت مئة يوم من حكم الرئيس الأميركي باراك أوباما، ومازال باقيا 1360 يوما أخرى من فترة حكمه الأولى (الأربع سنوات). ولكن المئة الأولى هي دائما موضع تقييم دقيق من جانب الخبراء الذين يرى معظمهم أنها مقياس الحكم على طريقة أداء الرئيس خلال الفترة الأولى من رئاسته.
هناك شبه إجماع على أن أوباما أثبت وجوده خلال المئة يوم. والاستطلاعات أظهرت أن أداءه وتصرفاته أفضل من سابقيه، حتى أن المصور الرسمي في البيت الأبيض «بيت سوزا» قال إنه لاحظ من خلال مراقبته لتصرفات أوباما أنه متواضع ومنسجم مع نفسه بالمقارنة مع رؤساء سابقين تمتعوا بكاريزما عالية مثل رونالد ريغان. ولكن لا يمكن الحكم على رئيس بعد ثلاثة أشهر وعشرة أيام من توليه السلطة.
خاصة وأن كل بند في أجندة أوباما ـكما يرى المعلق بصحيفة الغارديان البريطانية غاري يونغ - يحمل احتمالاً قوياً للفشل. فالحرب في افغانستان لم تنجح، وبرنامج التحفيز لحل الأزمة الاقتصادية غير مناسب حسب تقييم الخبراء، والبطالة لا تزال في ارتفاع، وسوق العقارات لا يزال في تدهور. وهناك قضايا أخرى ربما تشهد فشلاً آخر حسب رأي يونغ، مثل العراق وانهيار الدولار.
ومن يقول إن أوباما يتمتع بشعبية، فهي شعبية مؤقتة، لأن الناس يحبونه الآن أكثر مما يفضلون سياساته. وبناء على ذلك، ستكون المئة يوم الثانية من حكمه ؟ على حد تعبير المراقبين- هي مقياس التقييم الصادق لأنها ستكون حافلة بالتحديات والمواجهات. فداخليا هناك شبه اجماع على أن الاقتصاد مرشح للتراجع في النصف الثاني من هذا العام.
وخارجيا، ستحتاج السياسة الأميركية إلى الوضوح في التعامل بعيدا عن الكلمات المعسولة التي خرجت من فاه أوباما خلال المئة الأولى والتي كشفت عن رغبته في الحوار مع الآخرين وليس الصدام معهم كما عبّر عن ذلك في تصريحاته بشأن كوبا وفنزويلا وإيران. وما يهمنا بالطبع هو طريقة معالجته لقضايا الشرق الأوسط وخاصة القضية الفلسطينية التي لم يتخذ فيها أوباما حتى الآن خطوة عملية تكشف عن مصداقية سياسته تجاه المنطقة.
ولكن.. يحسب لأوباما خلال المئة يوم الأولى، أنه يسعى بالفعل إلى تحسين صورة أميركا وإزالة وجهها القبيح الذي أثار اشمئزاز العالم خلال سنوات حكم غير المأسوف عليه جورج بوش. فمثلا لم يتردد أوباما في إصدار قراره بالكشف عن وسائل التعذيب التي استخدمها زبانية البنتاغون على مدى 8 سنوات بدعم من رامسفيلد ومعه أبشع نواب الرؤساء في تاريخ أميركا وهو المدعو تشيني.
بفضل قراره عرف العالم أن أميركا راعية الحريات والديمقراطيات في العالم، تفننت في استخدام 14 وسيلة تعذيب، أشهرها ال«سابمارينو». وهي التعذيب بإغراق المعتقلين في خزانات من الماء البارد مرة تلو أخرى حتى يصبحون على حافة الغرق. وبلغ عدد مرات الـ «سابمارينو» ضد بعض المسجونين 266 مرة.
وهذه الوسيلة تنسب لنظام الديكتاتور بينوشيه الذي أتت به الاستخبارات الأميركية ليحكم تشيلي. والمثير أن أميركا التي استخدمت الـ «سابمارينو» بعد أحداث سبتمبر أدانته بشدة وهي تشارك في محاكمة مجرمي الحرب العالمية الثانية.
أوباما يرفض محاكمة المسؤولين عن جرائم التعذيب، ولكن كشفه عنها يؤكد رغبته في إعادة أميركا إلى ضميرها الغائب، ويكفيه في هذا الشأن أن إدارته وهي مشغولة الآن بمواجهة كارثة أنفلونزا الخنازير، لم تتردد في أن تتطهر من خنازير البنتاغون، خنازير الـ «سابمارينو» الذين لوثوا سمعة الولايات المتحدة.