يبدو الرئيس الأميركي باراك أوباما محيراً فيما يتعلق بتوجهه نحو العرب والمسلمين، ويمكن قراءة سلوكه على ضوء قضيتين هما: الموقف من حقوق الإنسان، والموقف من الصراع العربي الإسرائيلي.

في القضية الأولى يعبر أوباما عن مرحلة جديدة من احترام الحريات والحقوق، ومن ثم أقدم على إغلاق السجون السرية حول العالم، وقرر إغلاق معتقل جوانتانامو خلال عام، وأمر بالكشف عن الوثائق والصور التي تفضح الانتهاكات التي جرت في هذه السجون. كما أمر بفتح الباب لمقاضاة المسؤولين عن التعذيب، وهو في ذلك استهدف تشجيع العرب والمسلمين على نيل حقوقهم باعتبارهم ضحايا هذه السجون والمعتقلات.

وفي القضية الثانية لا يكاد المرء يلمس تغييرا يذكر، فجوهر سياسات إدارة أوباما نحو القضية الفلسطينية هي ذاتها جوهر سياسات الإدارات الأميركية السابقة، مما يؤكد صدق تصريحات كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الأميركية السابقة، عندما قالت قبل رحيلها عن المنصب، بأن سياسة أوباما تجاه الصراع العربي الإسرائيلي لن تتغير كثيرا.

الملاحظ الآن أن الرئيس أوباما ترك الملف برمته للسيدة هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية. ومعروف عنها أنها من أشد الموالين لإسرائيل، فهي نجحت في الكونجرس عن نيويورك بفضل المساندة اليهودية، ومواقفها المنحازة لإسرائيل هي التي زكتها لوزارة الخارجية. كما أن الحرية المطلقة التي تتحرك بها في هذا الملف هي جزء من التوافق بين اللوبي اليهودي والإدارة الأميركية.

إن كل ما تفعله الآن السيدة كلينتون، هو اعتصار العرب لتقديم المزيد من التنازلات في الملف الفلسطيني. وفي إطار هذه السياسة ترفض مشاركة حركة حماس في أي حكومة فلسطينية، ما لم تقبل بشروط الرباعية، ومنها الاعتراف بإسرائيل. كما ترفض أي دور لها في اعمار غزة، وهو ما أدى إلى إفشال الجهود المصرية لتحقيق المصالحة الفلسطينية.

وهكذا قد تبدو الأمور متناقضة بين موقف أوباما في قضية حقوق الإنسان وبين موقفه من القضية الفلسطينية، لكن الحقيقة أنه لا يوجد تناقض. فالفارق بين الموقفين أن أوباما يحاول التقرب إلى العرب والمسلمين من خلال دعوته للمصالحة من دون المساس بثوابت السياسة الأميركية، فإدارته متمسكة بمساندة إسرائيل على كل الأصعدة. ومن أجل ذلك امتنعت عن المشاركة في مؤتمر (ديربان ـ 2)، في الوقت الذي تحاول فيه التقرب من العرب والمسلمين عبر ذات الملف، فيما يتعلق بالاعتقالات والتعذيب.

يضاف إلى ذلك أن التغيير الأميركي جرى في ميدان واحد فقط هو الحرب على تنظيم القاعدة، وليس في كل ملفات الحرب على الإرهاب، بدليل استمرار الموقف الأميركي من حركة حماس ومن حزب الله، وهو ما يثبت أن الاستراتيجية في مجال الحرب على الإرهاب لا تزال محكومة بالرؤية الإسرائيلية فيما يتعلق بالمنطقة العربية. ما يعني أن أوباما مستعد للتغيير في أي ميدان إلا ما يتعلق بإسرائيل، لأنه محكوم بسلطة اللوبي اليهودي، كما أنه محاط بفريق من الموالين لإسرائيل، في مقدمتهم هيلاري كلينتون ورام ايمانويل. وفي المقابل فان النظام الرسمي العربي لا يتمتع بقوة يستطيع بها موازنة الضغوط الصهيونية أو التأثير في السياسة الأميركية.

ولذا فان المراهنة على حدوث تغيير جوهري من جانب أوباما بشأن الحقوق العربية في فلسطين هو نوع من الوهم، لأن كل ما يفعله الآن ليس إلا خداعا يمارسه بمهارة يعجز العرب عن مجاراتها.