على أي المسارات تذهب جنوب إفريقيا مع رئيسها الجديد، ذلك سؤال ملح على صعيد عالمي. تلك هي الدولة الأكبر في القارة السمراء. كذلك هي العضو الأسود الوحيد في نادي العشرين الكبار. هذه عضوية اكتسبتها بقوتها الاقتصادية. جنوب إفريقيا تجسد الديمقراطية الأكثر ألقاً في قارة موبؤة بالديكتاتوريات المشوهة.
الرئيس الجديد رجل مفعم بالتناقضات. هو مناضل مخضرم نشأ في رحم «المؤتمر الوطني» وتقلد رئاسة جهازه الأمني. في كفاحه ضد الفصل العنصري قضى جاكوب زوما عشر سنوات داخل الحبس. الرئيس الجديد يتسنم السلطة في ثوب غير ناصع. سيرة زوما أصبحت مشوهة مثل معظم رجال الدولة في القارة.
رئيس جنوب إفريقيا الجديد مطارد باتهامات الفساد المالي والجرائم الأخلاقية. رغم تبرئته من قبل القضاء إلا أنه موسوم بالانحراف. على الأقل لا يصعد في بهاء سابقيه مانديلا الأسطورة وخليفته مبيكي.
مثل جميع الأقطار الإفريقية تتماهى الدولة في جوهانسبيرغ مع الحزب الحاكم. ربما تتباين دوافع التماهي ومظاهره في جنوب إفريقيا عن الأقطار الأخرى في القارة السمراء. من الممكن القول إن التماهي هنا منح تجربة تثبيت النظام الوطني قوة للاندفاع. مع ذلك ثمة مخاطر تلوح مع وصول رجل من طراز جاكوب زوما إلى الرئاسة. الخوف لم يعد ينحصر في مدى تماهي الحزب والدولة. فوز زوما يفتح الأفق أمام احتمالات تماهي الحزب والرئيس ومن ثم الرجل والدولة.
جاكوب زوما لا ينتمي إلى نخبة الانتلجنسيا في المؤتمر الوطني. هو مناضل صاعد من قواعد الحزب التحتية. الافتقار إلى التأهيل الاكاديمي يجعله في مرمى شريحة واسعة داخل المؤتمر. ربما على الأقل تضعه تحت المجهر على نحو دائم. هذه ثغرة إضافية للمتربصين بالرجل المطارد باشباح الفساد. القضاء برأه من استغلال النفوذ والافساد المالي كما برأه من اغتصاب إحدى صديقات العائلة. هذه البراءة القانونية لا تكفي لرفع رجل دولة من المستنقع إلى شرفة الطهارة الأخلاقية.
جنوب إفريقيا قوة اقتصادية راكزة. الدولة قائمة على نظام إداري راسخ. البلد يتمتع بتجربة ديمقراطية لا لبس فيها. النظام القضائي يمارس دوره في استقلالية مشهود لها.
مثل جميع أقطار إفريقيا هي ليست وطناً خالياً من الأزمات. الغالبية العظمى من السود ترزح تحت الفقر. جنوب إفريقيا مستوطنة للايدز. هي في الوقت نفسه موبؤة بالجريمة. البنى التحتية في البلد الشاسع لا تواكب قدرات قوة اقتصادية تنتمي إلى نادي العشرين. السلطات اضطرت للإذعان إلى سائقي سيارات الأجرة لتفكيك أزمة حقيقية شكلت خطراً على المونديال. شريحة محدودة استأثرت بقطعة كبيرة من «تورتة» الثروة في ظل النظام الوطني. أكثر من 800 ألف مواطن أبيض هجروا جنوب إفريقيا بعد نهاية نظام الفصل العنصري. هذا عدد لا يمكن تجاهله. هؤلاء أخذوا معهم شيئاً من رأس المال وقدراً كبيراً من الخبرات وهذا هو الأهم.
جاكوب زوما يتقلد رئاسة الدولة في أعقاب حدوث الانشقاق الأول من نوعه داخل الحزب. قبيل الانتخابات وفي ظل الاتهامات بالرشا والاغتصاب انشق ثابو مبيكي وشقيقه عن المؤتمر الوطني وأسسا حزباً آخر.
رغم ان هذا الانشقاق لم يحدث ضعفاً في شعبية الحزب الأم إلا انه يفتح الأفق أمام عوامل التعرية السياسية داخل الحزب التاريخي. هذا عامل بالغ الحيوية في طرح السؤال إزاء مصير المؤتمر الوطني والدولة في جنوب إفريقيا مع زوما.