انتهى العصر الذي كان الأميركيون يتصفون فيه بالإنفاق بأكثر من حجم دخولهم، وبأنهم على استعداد للاستدانة. وخلال الأعوام القليلة الماضية ظل معد ادخار الأميركيين تحت نسبة واحد في المئة، بل إن هذا الرقم تراجع للسلب في عام 2005. والآن بدأ الأميركيون يشدون الحزام حول بطونهم تقشفا مع دخول الولايات المتحدة في أسوأ أزمة اقتصادية منذ عقود.
ومنذ أن أطل الركود برأسه في ديسمبر عام 2007 خسر أكبر اقتصاد في العالم أكثر من ثلاثة ملايين وظيفة، كما دخلت أعداد لا تحصى من الشركات الأميركية إلى دائرة الركود وانهارت أسواق الأوراق المالية كما تراجعت أسعار الكثير من العقارات. أما المحظوظون بما فيه الكفاية لكي يحتفظوا بوظائفهم فقد خفضوا من معدلات إنفاقهم وهيأوا أنفسهم لمستقبل يسوده الشك، وبعد عقود من الإنفاق الذي ليس له حدود انقشعت غشاوة الوهم الكبير وظهرت الحقيقة عارية.
والأميركيون يدخرون المال حاليا لأنهم يخشون فقدان وظائفهم. ويحذر الخبراء من أن هذا الشح الجديد يمكن أن يؤدي إلى أن يغطس الاقتصاد المتباطئ بدرجة أكثر داخل الأزمة، حيث إن 70 في المئة من الأنشطة التجارية في الولايات المتحدة تعتمد على استهلاك الأفراد. ويعزف حاليا الكثير من الأميركيين عن ارتياد المطاعم كما أنهم يلغون قضاء عطلاتهم في الخارج ويتوقفون عن شراء السيارات الجديدة. ومن المعروف إدمان الأميركيين للإنفاق هو الذي تسبب في الأزمة برمتها، ومع ذلك بدأ الأميركيون العاديون في تغيير أسلوب حياتهم.
الاتجاه إلى الادخار أصبح أكبر حركة للتغيير في النمط الاستهلاكي الأميركي خلال الأعوام العشرين الماضية. ورصد خبراء الاقتصاد هذا التطور، ولأن حسابات المدخرات أخذت في التزايد والتراكم فقد أتيحت رؤوس أموال جديدة من أجل الاستثمار المستقبلي كما أن هذه المدخرات خفضت من عبء الديون الخارجية للولايات المتحدة.
غير أن المستهلكين الأميركيين قرروا ادخار أموالهم في توقيت غير مناسب، وما قد يكون طيبا ومفيدا للأفراد ـ كما أشارت وكالة الأنباء الألمانية في تقريرها ـ قد يكون له تأثير ضار على الاقتصاد الأميركي ككل حيث إنه بات يتعرض لتهديد بالدخول في دائرة مفرغة يتجه الأميركيون بداخلها إلى الشح والتوفير مما يؤدي إلى انتزاع القوة من الاقتصاد الذي تعرض للاهتزاز بالفعل في هذه العملية ومن ثم تفاقم الركود.
وهذا الاتجاه ـ كما قال أحد الخبراء ـ ضار بالاقتصاد الأميركي على المدى القصير. فالاتجاه للتوفير والشح في الإنفاق لا يؤثر بالسلب على الاقتصاد الأميركي وحده وإنما أيضا على الاقتصاديات التي تعتمد على التصدير مثل الصين التي تعتمد على المستهلك الأميركي. وتتجه آمال الخبراء الاقتصاديين حاليا إلى خطة التحفيز الاقتصادي التي يرعاها الرئيس أوباما.