قد يبدو لأول وهلة كما لو أن هذا الاستحضار لحدث تاريخي، يعود إلى ما يقرب من القرن، يتم خارج السياق، أي خارج الشروط التاريخية للزمن العربي الراهن. إذ ماذا يعني أن نستذكر اليوم قرارات المؤتمر العربي الأول الذي عقد في ظل السلطنة العثمانية؟ وما هي الصلة بين المواقف التي أعلنها قادة الرأي والفكر وقادة العمل الوطني العربي في ذلك الزمن القديم، وبين ما نحن بحاجة إلى البحث فيه في الزمن العربي الراهن؟

ذلك أن ما نحن بحاجة إليه اليوم هو تحديد دقيق وواقعي للمهمات المتصلة بإحداث التغيير في عالمنا العربي على قاعدة الحرية والديمقراطية وتحرير بلداننا من كل أشكال الاستبداد في السلطة وفي مؤسساتها، وفي الفكر وفي تجلياته وفي انعكاساته في المجتمع وفي الوعي الفردي والجماعي في آن!

لا جدال في أن الشروط التاريخية التي نحن فيها اليوم تختلف اختلافاً جوهرياً عن الشروط التي عقد فيها ذلك المؤتمر. لكنني أزعم أن قراءة أحداث التاريخ القديم قراءة معاصرة إنما تشكل، بالنسبة إلى الحاضر وإلى مهماتنا فيه، مصدراً للتفكير بمسار حركة التاريخ، من جهة، وتشكل من جهة ثانية مصدراً للتأمل واستخلاص الدروس من التجارب السابقة، الدروس التي تساعد على التحرر من سيطرة القديم على الأفكار، وتساعد على ابتداع الأفكار الجديدة ذات الصلة بالعصر وبتحولاته الكبرى.

وأعترف أنني ذهلت، وأنا أقرأ كلمات المندوبين إلى ذلك المؤتمر، وأقرأ القرارات التي ناقشوها بحرية كاملة، بنداً بنداً وأقروها بعد نقاشها. فقد تعرفت من خلال المؤتمر ومداولاته إلى قادة رأي وقادة فكر وقادة عمل وطني من الطراز الرفيع، المفتقد أمثالهم في بلداننا اليوم، بعد مرور هذا الزمن الطويل.

وهو زمن، كما نعرف، حافل بالأحداث الجسام وبالهزائم التي عرفتها بلداننا، بدءاً من مرحلة الاستقلال عن كل من السلطنة العثمانية والانتداب الأوروبي عليها، وصولاً إلى زمن الاستبداد الذي دمر بلداننا وأسهم في المزيد من تخلفها وتفكك مجتمعاتها، وإلى توفير الشروط للتدخل الخارجي بأشكاله وصيغه ووسائله المختلفة في شؤوننا الكبيرة والصغيرة. وفي يقيني فإن هذا الاستحضار لهذا الحدث العربي التاريخي الكبير ولرموزه وللقرارات التي صدرت عنه إنما هو ضروري ومفيد بالنسبة إلى أجيالنا الجديدة على وجه الخصوص.

لندخل في قراءتنا لذلك الحدث من بداياته السعيدة إلى نهاياته المأساوية. غير أن الحديث عن المؤتمر يتطلب، بالضرورة، العودة إلى المرحلة التي سبقت انعقاده. ومعلوم أن العالم العربي قد وقع تحت السيطرة العثمانية ابتداءً من مطالع القرن السادس عشر حتى عام 1918، العام الذي تفككت فيه الإمبراطورية في أعقاب هزيمتها في الحرب العالمية الأولى. لكن هذه الإمبراطورية قد واجهت في القرن التاسع عشر ثورات وانتفاضات قامت بها شعوب وقوميات مختلفة في الشرق وفي الغرب، إما تحت شعار الاستقلال الكامل، وإما تحت شعار اللامركزية، فيما يشبه الحكم الذاتي لتلك القوميات غير التركية.

وتكون مع الوقت، بالنسبة للعرب خصوصاً، ما صار يعرف بـ «المسألة الشرقية». وجوهر هذه المسألة هو الاحتجاج على استئثار الترك في ظل الإمبراطورية العثمانية بالسلطة وبكل ما يتصل بشؤونها، من دون الأخذ في الاعتبار حقوق القوميات والشعوب غير التركية التي كانت تتشكل منها، إلى جانب الأمة التركية، الإمبراطورية العثمانية المترامية الأطراف.

قراءة معاصرة في وثائق المؤتمر العربي الأول باريس ـ 1913

تحول الاستئثار المشار إليه لمصدر لقلاقل وثورات وانتفاضات، كما أشرنا إلى ذلك، في منطقة البلقان خصوصاً، وفي الولايات العربية كذلك، لكن في صورة أقل حدة. وحين تأسست «جمعية الاتحاد والترقي» التي أعلنت الدستور الجديد عام 1908 أيدها العرب، وظنوا أنهم وصلوا إلى ما كانوا يبتغونه من الاعتراف بهم كقومية ذات حقوق وذات خصوصية وذات ثقافة عريقة سابقة على الترك.

لكن الاتحاديين ما لبثوا أن كشفوا عما كانوا يضمرونه، لا سيما فيما يتعلق بالموقف من العرب. وبدأوا يمارسون سياسة اضطهاد للعرب، على قاعدة الكره لهم، وصولاً إلى إذلالهم، وفق ما عبر عنه كاتب منهم (كما يشير إلى ذلك يوسف ابراهيم يزبك في كتابه المكرس للمؤتمر ولقراراته) بالكلمات التالية: «إن الأتراك لهم الحق في أن يحكموا العرب تماماً كما حكم الفرنسيون أهل الجزائر، وكما يحكم الإنجليز الهند...». ويعيد الكثير من المؤرخين العرب هذا الكره التركي للعرب إلى كونهم سبقوا الترك في الثقافة، وكوّنوا حضارة عالمية ارتبطت بالإسلام، الذي كان الترك قد انتسبوا إليه فيما بعد، وحكموا الأمم التي تشكلت منها الأمبراطورية العثمانية باسمه، أي الإسلام.

سلسلة شكاوى عربية

لم ييأس القادة العرب بعد انكشاف نوايا الترك ضدهم. فطرحوا في عام 1910 سلسلة شكاوى وضعوها أمام السلطنة وجعلوها عنواناً لنضالهم اللاحق. وتتلخص هذه الشكاوى بالنقاط التسع التالية: 1 ـ إقصاء أعداد كبيرة من الوظائف التي كانوا يشغلونها، 2 ـ عدم دعوتهم للاجتماعات المكرسة للتآلف بين المكونات القومية للإمبراطورية العثمانية، 3 ـ عدم ضم أي عربي إلى اللجنة المركزية لجمعية الاتحاد والترقي، 4 ـ عدم قبول أي عربي من أعضاء الجمعية للمشاركة في المداولات السياسية، 5 ـ تحويل الجمعية إلى جمعية تركية بحتة، 6 ـ انتزاع وزارة الأوقاف من عربي وإسنادها إلى تركي، 7 ـ استبدال الولاة والمتصرفين العرب بالأتراك، 8 ـ معارضة الاتحاديين لكل مشروع علمي وأدبي في الولايات العربية، 9 ـ مناهضة اللغة العربية بهدف تتريك العرب.

وكانت تقف وراء تلك الحركة الاحتجاجية جمعيات سرية منتشرة في الولايات العربية. وهذه الجمعيات هي: الإخاء العربي (الأستانة)، المنتدى العربي (الأستانة)، الجمعية القحطانية (الأستانه)، العهد (باريس وانتقلت إلى جميع مراكز النشاط)، الجمعية الثورية العربية (مصر)، النهضة اللبنانية (بيروت وانتقلت إلى المهاجر في مصر وأوروبا وأميركا)، الجمعية الإصلاحية (بيروت)، الجمعية اللامركزية (مصر وانتقلت إلى لبنان وسورية)، جمعية «الفتاة» وكانت أكبر تلك الجمعيات. وكان الانتساب إلى تلك الجمعيات يتم بكثير من الحذر، كما يشير إلى ذلك محمد عزة دروزة في حديثه عن المؤتمر العربي الأول، لئلا ينكشف أمرها.

ونذكر من بين أعضاء جمعية «الفتاة» الأسماء التالية: «عبد الغني العريس (بيروت) الأمير عارف الشهابي (دمشق) محمد المحمصاني (بيروت) عمر حمد (بيروت) توفيق البساط (صيدا) عوني عبد الهادي (نابلس) الدكتور أحمد بكري (دمشق) معين الماضي (حيفا) جميل مردم (دمشق) فخري البارودي (دمشق) ياسين الهاشمي (بغداد) علي جودت الأيوبي (بغداد) تحسين قدري (دمشق) سامي البكري (دمشق) مولود مخلص (بغداد) فيصل بن الحسين (مكة) زيد بن الحسين (مكة) نسيب البكري (دمشق) فوزي البكري (دمشق) زكي التميمي (نابلس)

محمد علي التميمي (نابلس) محمد رستم حيدر (بعلبك) سعيد حيدر (بعلبك) يوسف سليمان حيدر (بعلبك) ابراهيم حيدر (بعلبك) رشيد الحسامي (بيروت) محب الدين الخطيب (دمشق) بهجت الشهابي (دمشق) اسماعيل الشهابي (دمشق) فايز الشهابي (دمشق) توفيق الناطور (بيروت) بشير القصار (بيروت) بشير النقاش (بيروت) كامل القصاب (دمشق) رضا الركابي (دمشق) أحمد مريود (دمشق)

أحمد الحسيبي (دمشق) صبحي الحسيبي (دمشق) خالد الحكيم (دمشق) سعيد الباني (دمشق) محمد الشريقي (لاذقية) رشدي الإمام الحسيني (القدس) رشدي الشوا (غزة) سليم عبد الرحمن (طولكرم) أمين ميسر (حلب) عبد الوهاب ميسر (حلب) شكري الشوربجي (دمشق) أسعد الحكيم (دمشق) حافظ كنعان (نابلس) صدقي ملحس (نابلس) عزة دروزة (نابلس) محمد اسماعيل الطباخ (دمشق) عمر الأتاسي (حمص) توفيق السويدي (بغداد) ابراهيم هاشم (نابلس) وسواهم...».

في مطالع عام 1913 عقد الأرمن مؤتمراً لهم في جنيف للمطالبة بحقوقهم شاركت فيه وفود من جميع الجاليات الأرمينية. وقد حضر المؤتمر ثلاثة من العرب كانوا موجودين في ذلك التاريخ في جنيف وهم: محمد المحمصاني وجميل مردم وندره مطران. وتكونت لدى الثلاثة، بعد خروجهم من المؤتمر الأرمني، فكرة الدعوة إلى مؤتمر قومي عربي. فذهب الثلاثة إلى باريس ليتفقوا مع أخوانهم في جمعية «الفتاة» على الدعوة إلى عقد المؤتمر العربي. وتم الاتفاق على عقد المؤتمر.

وانتخبت لجنة للإعداد للمؤتمر والدعوة إليه من: شكري غانم وعبد الغني العريسي وندره مطران وعوني عبد الهادي وجميل مردم وشارل دباس ومحمد المحمصاني وجميل معلوف. ووجهت اللجنة نداءاً إلى العرب تدعو فيه إلى عقد المؤتمر، مع شرح الأسباب التي تدعو إلى عقده (باريس). وتحددت النقاط التي ستكون في أساس مداولات المؤتمر، وهي: 1 ـ الحياة الوطنية ومناهضة الاحتلال، 2 ـ حقوق العرب في المملكة العثمانية، 3 ـ الإصلاح في المملكة على قاعدة اللامركزية.

التأكيد على الوحدة

ولبّت الجمعيات العربية الدعوة إلى المؤتمر وأرسلت مندوبيها للمشاركة فيه. وكان من أوائل الذين وصلوا إلى باريس عبد الحميد الزهراوي قادماً من مصر. وكان قد اتفق أن يرأس الزهراوي المؤتمر. وفور وصوله إلى باريس أدلى بحديث مطول إلى جريدة «الزمن» «جم شمٍِ» مبيناً بوضوح أهداف المؤتمر. وأكد الزهراوي في الحديث أن للعرب سمات وخصائص تشكل أساس وحدتهم، مسلمين ومسيحيين. وتتلخص تلك السمات والخصائص بوحدة اللغة والعادات والمصالح. وهذه السمات والخصائص هي التي تعطي للعرب، كما قال الزهراوي، حقوقاً داخل المملكة العثمانية تنكر لها الترك.

اجتمع المؤتمر في الثامن من شهر حزيران (يونيو) من عام 1913، في القاعة الكبرى للجمعية الجغرافية الواقعة في شارع سان جرمان في وسط العاصمة الفرنسية باريس. وفيما يلي أسماء المندوبين الذين شاركوا في المؤتمر:«عبد الحميد الزهراوي واسكندر عمون عن اللجنة العليا لحزب اللامركزية في مصر، سليم علي سلام وأحمد مختار بيهم وخليل زينيه والشيخ أحمد حسن طبارة والدكتور أيوب ثابت عن الجمعية الإصلاحية العمومية في بيروت، توفيق السويدي وسليمان عنبر عن العراق، محمد حيدر وابراهيم حيدر عن بعلبك.

نجيب دياب ونعوم مكرزل والياس مقصود عن المهاجرين العرب في الولايات المتحدة الأميركية، عباس البجاني عن المهاجرين في المكسيك، شكري غانم وعبد الغني العريسي وندره مطران وعوني عبد الهادي وشارل دباس وخيرالله خيرالله وجميل مردم بك ومحمد المحمصاني عن الجالية العربية في باريس، عبد الكريم الخليل عن الجالية العربية في القسطنطينية.

وكان لأصحاب هذه الأسماء، وحدهم، حق الاقتراع والانتخاب لأنهم يمثلون أحزاباً وجمعيات وجاليات معينة يحملون منها التفويض ليتكلموا باسمها. وقد اشترك في المؤتمر كثيرون من التجار والطلبة الذين كانوا في فرنسا، وتكلم بعضهم، لكنهم كانوا «مشاهدين» لا يحق لهم الاقتراع».

وانتخب عبد الحميد الزهراوي رئيساً للمؤتمر. وانتخب شكري غانم نائباً للرئيس. وانتخب الوكلاء من: سليم علي سلام واسكندر عون والشيخ أحمد طبارة وندره مطران. أما كتاب العربية فهم: عبد الغني العريسي ومحمد المحمصاني وعوني عبد الهادي وجميل مردم. وكاتب الفرنسية شارل دباس.

وبدأ المؤتمر أعماله بخطاب مطول للرئيس الزهراوي طرح فيه أمام المندوبين القضايا التي تشكل الأساس للنقاش في المؤتمر وفي قراراته. وعرض بإسهاب للمطالب التي يتمسك بها العرب إزاء الترك. وأنهى خطابه بالكلمات التالية: «.. وقصارى القول: اننا نعتبر حكومات الأستانة غير مستوفية الشروط والأركان، من وجهة العدل، ما دام حقنا غير محفوظ. فالحكومات في نظر «إعلان حقوق الإنسان» لا تكون مشروعة إلا إذا احترمت حق الأفراد، فمن باب أولى حق الجماعات وحق الشعوب.. نطلب هذا الحق كشركاء في الدولة.

شركاء في القوة الإجرائية، شركاء في القوة التشريعية، شركاء في الإدارة العامة. أما في داخلية بلادنا فنحن شركاء أنفسنا، في أموال المعارف، أموال النافعة، أموال الأوقاف، حرية الاجتماع، حرية الصحافة، وذلك لا يكون إلا بتوسيع صلاحية المجالس العمومية.. أما طريقة الوصول إلى هذه الحقوق فسنتخذ لها الوسائل الشرعية كلها، وأي يوم تسعى حكومة الاستانة لإخفات أصواتنا بالقوة والقهر، فإننا سنتخذ الطريقة التي تفشل معها أثرة رجال الحكومة.

فليفكروا قليلاً، فإن النبي محمداً (ص) لم يخضع العرب بضغط ولا قوة، وإنما استطاع استمالتهم بمعقول القرآن، وتحقيق مبدأ العدل والمساواة والإخاء.. على هذه السبيل قد ربطنا قلوبنا، وتعهدنا بالتبعة الشخصية، والتضامن الاجتماعي، أن نتخذ كل الوسائل تحقيقاً لهذه الحياة الشريفة. فالغاية في السياسة تشفع للوسيلة، ولا سيما فيما إذا كانت الغايات غايات شرف ونبل، غايات حق وعدل..».

تنوع وتعدد المناقشات

وبدأت النقاشات في أعقاب هذا الخطاب. وتميزت بالتنوع والتعدد وبحرية الرأي وبالاختلاف. وظهرت مواقف واتجاهات متباينة، بين متطرفين ومعتدلين. وكان من أبرز الذين تميزوا في مواقفهم عبد الغني العريسي وندره مطران. ثم عرضت القرارات للنقاش. وتمت الموافقة عليها بعد أخذ ورد. وفيما يلي نص هذه القرارات:

1ـ إنَّ الإصلاحات الحقيقية واجبة وضرورية للمملكة العثمانية فيجب أن تنفذ بوجه السرعة.

2ـ من المهم أن يكون مضموناً للعرب التمتع بحقوقهم السياسية، وذلك بأن يشتركوا في الإدارة المركزية للمملكة اشتراكاً فعلياً.

3ـ يجب أن تنشأ في كل ولاية عربية إدارة لامركزية تنظر في حاجاتها وعاداتها.

4 ـ كانت ولاية بيروت قدمت مطالبها بلائحة خاصة صودق عليها في 31 كانون الثاني سنة 1913 بإجماع الآراء، وهي قائمة على مبدأين أساسيين وهما: توسيع سلطة المجالس العمومية، وتعيين مستشارين أجانب. فالمؤتمر يطلب تنفيذ وتطبيق هذين الطلبين.

5 ـ اللغة العربية يجب أن تكون معتبرة في مجلس النواب العثماني، ويجب أن يقرر هذا المجلس كون اللغة العربية لغة رسمية في الولايات العربية.

6 ـ تكون الخدمة العسكرية محلية في الولايات العربية إلاَّ في الظروف والأحيان التي تدعو للاستثناء الأقصى.

7 ـ يتمنى المؤتمر من الحكومة السنية العثمانية أن تكفل لمتصرفية لبنان وسائل تحسين ماليتها.

ـ الرئيس: تعلمون كلكم أنَّ لبنان مقاطعة عثمانية ذات شكل خاص، وهي تشكو عجزاً في ميزانيتها، وهذه الميزانية اللبنانية تراقبها الحكومة المركزية وتعين المحاسب للجبل ليرى إذا كانت واردات لبنان كافية لإدارة شؤونه أو تزيد على الكفاية أو تنقص عنها، وبالرغم من سكوت إخواننا اللبنانيين على ما يشاهدونه من حالة بلادهم فإننا جميعاً نرى ـ إذا لم نرد أن نتعامى ـ أن هنالك مسألة تدعى «المسألة اللبنانية».

8 ـ يصادق المؤتمر ويظهر ميله لمطالب الأرمن العثمانيين القائمة على اللامركزية.

9 ـ تبلغ هذه القرارات للحكومة العثمانية السنية.

10 ـ وتبلغ أيضاً هذه القرارات للحكومات المتحابة مع الدولة العثمانية.

11 ـ يشكر المؤتمر الحكومة الفرنسوية شكراً جزيلاً لترحابها الكريم بضيوفها.

وأضيف إلى القرارات ملحق من ثلاث نقاط هي:

إذا لم تنفذ القرارات التي صادق عليها هذا المؤتمر فالأعضاء المنتمون إلى لجان الإصلاح العربية يمتنعون عن قبول أي منصب كان في الحكومة العثمانية إلاَّ بموافقة خاصة من الجمعيات المنتمين إليها».

ستكون هذه القرارات برنامجاً سياسياً للعرب العثمانيين، ولا يمكن مساعدة أي مرشح في الإنتخابات التشريعية إلاَّ إذا تعهَّد من قبل بتأييد هذا البرنامج وطلب تنفيذه.

المؤتمر يشكر مهاجري العرب على وطنيتهم في مؤازرتهم له ويرسل لهم تحياته بواسطة مندوبيهم.

عودة المؤتمرين

عاد المؤتمرون إلى بلدانهم وإلى أماكن نشاطهم بعد انتهاء المؤتمر، وهم يعلمون أن المخابرات التركية كانت قد اطلعت على المداولات وعرفت مواقف كل من ساهموا في النقاش. عادوا وهم يدركون أهمية وخطورة ما قاموا به. لكنهم لم يكونوا يتصورون أن المشانق كانت معدة بعد ذلك بعامين، أي في العام الثاني للحرب العالمية الأولى، التي كانت فيها السلطنة العثمانية قد تحالفت مع ألمانيا. ففي السادس من مايو من عام 1915 اتخذ جمال باشا السفاح قراره بإعدام عدد من قادة الحركة الوطنية ممن شاركوا في ذلك المؤتمر التاريخي.

ونصبت لهم المشانق في ساحة البرج في وسط مدينة بيروت، وفي ساحة المرجة، في وسط مدينة دمشق. وهذه هي أسماء الشهداء من القادة الوطنيين، رموز ذلك المؤتمر التاريخي، الذين نفذ بهم جمال باشا السفاح حكم الإعدام: عمر حمد، عبد الغني العريسي، أحمد طبارة، سعيد عقل، توفيق البساط، أمين لطفي الحافظ، شفيق مؤيد العظم، شكري العسلي، رشدي الشمعة، عبد الوهاب الإنكليزي، جلال البخاري، رفيق رزق سلوم، باترو باولي، جورجي حداد، عارف الشهابي، محمد الشنطي، محمد المحمصاني، عبد الكريم الخليل، علي الأرمنازي، عبد القادر الخرسا، محمود المحمصاني، نايف تلو، نور الدين القاضي، محمود العجم.

تلك هي قصة ذلك المؤتمر الذي يشكل حدثاً مرموقاً في التاريخ العربي المعاصر. ورغم أن ما يقرب من القرن قد مضى على انعقاده وعلى النهاية المأساوية التي انتهى إليها، فإن المهم في الحدث يتلخص بالأمور التالية: الأمر الأول يتمثل في ذلك الوضوح في تحديد الهوية العربية وتحديد معنى الانتماء إلى العربية ثقافة ولغة وتاريخاً مشتركاً بين المكونات المختلفة للشعوب العربية.

الأمر الثاني يتمثل بالإقرار بالتنوع داخل الوحدة بين العرب، التنوع في الدين وفي الثقافة. الأمر الثالث يتمثل في ذلك الإصرار على النضال من أجل تحقيق الأهداف القومية المشتركة، حتى ولو قاد ذلك النضال أبطاله ورموزه إلى أعواد المشانق.

أما الهدف الأساسي من استحضار هذا الحدث التاريخي فهو توجيه النقد إلى الحركات الوطنية العربية المعاصرة، يسارها ويمينها ووسطها على حد سواء، النقد لها بسبب افتقاد سياساتها وبرامجها إلى ما تحلت به تلك الحركات السياسية التي شاركت في ذلك المؤتمر، واتخذت تلك القرارات، وإلى ما اتصفت به من شجاعة وحزم وعزم في مواجهة تبعات دفاعها عن مواقفها، وصولاً إلى أعواد المشانق.

كريم مروة