إذا كانت اجتماعات ومؤتمرات إقليمية ودولية على غرار ملتقى مجموعة العشرين «جي 20»، الذي عقد في لندن مطلع شهر أبريل الماضي، قد بدت عاجزة عن توفير الردود المناسبة على الأزمة المالية العميقة التي تعصف بالاقتصاد العالمي منذ شهور.

وإذا كانت صفة التشاؤم قد أصبحت ملازمة لمثل هكذا محاولات تسعى للخروج من عنق زجاجة تلك الأزمة الطاحنة، التي بدأت مالية وتحولت مع تكشف فصول جديدة منها إلى أزمة اقتصادية حقيقية،فإن التوقعات التي تخالج صدور وعقول الكثير من المراقبين تنبئ بعصر جديد فيه بصيص من الأمل سوف ينبلج تدريجيا على النصف الغربي من الكرة الأرضية إثر قمة الأميركيتين التي عقدت منتصف أبريل الماضي في ترينيداد وتاغادو وأمت رؤساء الدول الـ 34 الممثلة في منظمة الدول الأميركية.

تلك النظرة التفاؤلية تشي بأن القمة الخامسة للدول الأميركية عنت، فيما عنته، تقديم رئيس الولايات المتحدة باراك أوباما للمنطقة بطريقة ودية قد تفسح في المجال أمام تحول كبير في العلاقة التي تجمع واشنطن مع بقية دول تلك المنطقة من العالم، فضلا، عن إعادة الاعتبار لبعض المطالب التي تسعى بلدان أميركا الجنوبية للحصول عليها من جارتها القوية في الشمال.

فرصة ثانية

في تقرير وضعه خبراء ورؤساء سابقون ثمة إشارة واضحة ترقى إلى حد المطالبة تفيد بأن القمة الخامسة للدول الأميركية تمثل «فرصة ثانية» للولايات المتحدة قد تمكنها، إن هي أحسنت التصرف، من إعادة بناء علاقتها مع أميركا اللاتينية، تلك العلاقة التي يجب أن تبدأ بإصاخة السمع لأصوات المنطقة أولا. ويوضح هذا التقرير، الموقع من قبل 100 شخصية من الأميركتين وأشرفت عليه مؤسسة «الحوار الأميركي ـ الأميركي» وهي مركز بحثي مقره في العاصمة الأميركية، أن «لدى واشنطن في يومنا هذا فرصة ثانية لترميم مصداقية الولايات المتحدة وتصميم علاقة بناءة على المدى الطويل» مع بلدان أميركا الجنوبية والكاريبي.

كما يؤكد التقرير ذو الطابع الاستراتيجي والذي وضعه فريق برئاسة الرئيس البرازيلي السابق فيرناندو إينركي كاردوسو، أن قمة ترينيداد وتوباغو تشكل «فرصة غير عادية» مكنت أوباما ومستشاريه من «تشكيل انطباع مستمد بشكل مباشر من قادة بلدان النصف الغربي من الكرة الأرضية».

وكان التقرير نصح الرئيس الأميركي بوجوب استغلال الجزء الأكبر من وقته للإصغاء أثناء انعقاد القمة، لكنه اعتبر، في الوقت نفسه أن «الإصغاء وحده ليس كافيا» قبالة حزمة التحديات الخطيرة التي تواجهها المنطقة مثل الأزمة الاقتصادية والعنف في المكسيك وحالة العداء الواضحة القائمة بين الولايات المتحدة وبلدان مثل فنزويلا وبوليفيا وكوبا.

البيان الختامي والإخفاق

بما أن القمة أخفقت في صياغة بيان ختامي لها يجمل وجهات النظر والتباينات المختلفة وعلى الرغم من الروح الإيجابية التي سادت أجواء فعاليات هذه القمة التاريخية، فإن دستة من المقترحات التي وردت في التقرير الاستراتيجي المشار إليه آنفا تبقى نافذة حتى تجد طريقها إلى الاقرار والتبني ومن ثم التنفيذ في مناسبات ومحاولات لاحقة، ومن بين تلك المقترحات يبرز الهم الاقتصادي، حيث يتعين على واشنطن إعادة الحياة لاقتصادها في أسرع وقت ممكن كي تتمكن من مد يد العون والمساهمة في إصلاح الأوضاع المتدهورة في الكثير من نواحي الحياة في بلدان أميركا اللاتينية لكن بعيدا عن السياسات الحمائية في الوقت نفسه.

كما يرى التقرير أن هناك ضرورة لقيام مجلس الشيوخ الأميركي بإقرار معاهدتي التجارة الحرة مع كل من كولومبيا وبنما المؤجلتين منذ زمن بعيد، الأمر الذي يعد خطوة في الاتجاه الصحيح وسيكون له وقع طيب على اقتصادات المنطقة.

ومن الواضح أن البرازيل هي الشريك الجديد الأكبر في المنطقة، الأمر الذي يدفع باتجاه وجوب توطيد علاقة التحالف في المستويين التجاري والاستراتيجي. ويجب عدم إغفال أو إهمال المكسيك، ذلك أن العنف السائد هناك الذي تمارسه عصابات تهريب المخدرات يشكل تهديدا جديا متناميا لا بد من التصدي له بأسرع وقت ممكن.

ربما أزفت لحظة قيام البلدان بتطوير «سلطة حدودية مشتركة»، على حد تعبير التقرير، الذي يضيف إن عملية محاربة الجريمة المنظمة، التي تعرف في المكسيك وأميركا الوسطى باسم «مبادرة ميريدا»، يجب أن تمتد لتطال بلدان أخرى.

كوبا ليست مصدر قلق

فيما يتعلق بسياسة الولايات المتحدة اتجاه كوبا، يؤكد التقرير إنه «على الرغم من أن كوبا لم تعد تشكل مصدر قلق رئيسي بالنسبة لواشنطن، إلا أن إعادة تنظيم سياسة الولايات المتحدة تجاه الجزيرة الكاريبية يجب أن تشكل أولوية كبرى، لأنها ستفتح الباب للتعاون مع أميركا اللاتينية في مواضيع أخرى كثيرة».

أما بالنسبة لفنزويلا، فلا بد من القيام بمحاولة باتجاه تليين مواقف الولايات المتحدة حيالها والتعامل بجدية أكبر مع موضوع إعادة تبادل سفيري البلدين ليحتلا موقعيهما الطبيعيين في كل منهما، كما يشير التقرير، بعد أن كانت كاراكاس قد قررت طرد سفير الولايات المتحدة من أراضيها في ديسمبر الماضي إثر إجراء مماثل اتخذته الحكومة البوليفية.

وفي فصل جديد من فصول الاحتكاك تلك، قامت بوليفيا، مؤخرا، بطرد السكرتير الثاني في سفارة الولايات المتحدة، بعد أن اتهمته بالتآمر واعتباره شخصا غير مرغوب فيه. لكن مما لا شك فيه هو أن «قمة الأميركتين» تركت انطباعا طيبا بين قادة أميركا اللاتينية، الذين شاركوا فيها بفعل عوامل كثيرة أهمها تلك الآمال المعقودة عليها باتجاه أفق تغيير العلاقة مع الولايات المتحدة، ذلك الأفق الذي فتح فعلا كما تشير وقائع القمة والتوجهات العامة التي سادت خلالها وأعقبتها.

حيث امتدت ردود الأفعال على اللقاء من شعور الرئيس البرازيلي لويس ايناسيو لولا دا سيلفا بأن القمة شكلت مستهل تاريخ جديد للعلاقة بين طرفي المعادلة الأميركية الرئيسيين مرورا بارتيابية الرئيس البيروفي ألان غارسيا وصولا إلى النقد المفتوح من جانب الرئيس الكوبي السابق فيديل كاسترو، الذي كانت بلاده البطل الأكبر الغائب عن القمة.

علاقة جديدة

فلقد كشف لولا،مؤخرا، النقاب عن أنه شعر في ترينيداد وتوباغو بأنه استهل علاقة جديدة بين الولايات المتحدة وبقية القارة الأميركية وعزى ذلك الاحتمال إلى وصول باراك أوباما إلى سدة الرئاسة في بلاده. مؤكدا أنه: «إذا كانت الولايات المتحدة ترغب بذلك فعلا، فإن لديها إمكانية فتح فصل جديد من فصول التاريخ، لكن على ألا تقوم تلك الصفحة على التدخل وإنما على التعاون وبناء أمور إيجابية مع بلدان أميركا اللاتينية والكاريبي».

كما شدد على أن القمة كانت نافعة لجهة إظهار أن التباينات تحل بالحوار وليس بالهجمات، مضيفا أن «العالم كله كان ينتظر وقوع شجار بين أوباما وشافيز وبين أوباما وإيفو موراليس، وبين أوباما ورفائيل كوريا، وبين أوباما ودانييل أورتيغا..

لكن ما الذي حدث؟ الذي حدث هو أن هؤلاء الأشخاص سلكوا سلوكا حضاريا وتعلموا كيف يتناقشون بشكل ديمقراطي وكيف يتعايشون مع الخلافات». الرئيس الإكوادوري رفائيل كوريا أكد على ما ذهب إليه نظيره البرازيلي عندما قال إن القمة «جرت في مناخ متناغم وودي إلى حد كبير، وعزى، بدوره، ذلك إلى دور أوباما، مؤكدا أن القمة سجلت خطوات مهمة باتجاه بناء الثقة في حقبة جديدة من العلاقات الدولية بين الولايات المتحدة وبلدان أميركا اللاتينية والكاريبي». كما أعرب عن ارتياحه حيال تحول مداخلات رئاسية ألقيت أثناء اللقاء إلى طروحات واضحة وعميقة ومباشرة وعن قناعته بأن الحوار سوف يؤتي ثماره.

رئيس الدومينيكان ليونيل فيرنانديز، أعرب كذلك عن شعوره بالرضا حيال نتائج القمة واللقاء الذي جمعه ورؤساء أميركا الوسطى مع أوباما، ذلك اللقاء الذي وصفه بالإيجابي والودي والأخوي. في حين أشارت صحيفة «برينسا ليبري»، الصادرة في غواتيمالا، إلى أن أوباما يبدو «قد خرج مرتاحا من لقائه مع نظرائه في القارة» وأبرزت الوعود التي قطعها إزاء حلول «عصر جديد من التعاون مع أميركا اللاتينية».

تراجع بالتوقعات

بيد أن الرئيس البيروفي ألان غارسيا قلص من حجم تلك التوقعات المتفائلة الناجمة عن القمة فيما يتعلق بالعلاقات مع اميركا اللاتينية، ذلك أنه على الرغم من كلمات الإطراء التي قالها بحق شخصية أوباما واستعداده للإصغاء، أكد أن «المصالح الأساسية للولايات المتحدة لا تزال تحتل موقع الأولوية»، في إشارة إلى آرائه حول الديمقراطية وحرية التجارة. وقال غارسيا في حوار مع صحيفة «الكوميرسيو» البروفية: «لا أعتقد أننا نستطيع التقدم ولا التفكير بأن العلاقة القائمة على النزاع قد أصبحت من مخلفات الماضي، لكن أصبح لدينا، على الأقل، بضعة شهور من العلاقة الأكثر سلاسة».

لون آخر مختلف من الطيف السياسي الذي أعقب القمة مثله رئيس كوستا ريكا أوسكار آرياس، الذي يرى أنه على خلاف قمة مجموعة العشرين «حيث تمكنوا من تحقيق أشياء ملموسة مهمة جدا، فإنه في ترينيداد وتاباغو نوقشت أشياء أخرى لم يكن لها أهمية كبيرة، ولا سيما أننا أخفقنا في النقاش حول الاعلان النهائي الذي لم يكن يتمتع بأهمية كبيرة».

وزير الخارجية الكولومبي خايمي بيرموديز بدا حذرا فيما يتعلق بذلك العصر الجديد من العلاقات بين بلدان القارة وصرح على هامش اللقاء أن «القمم، مثل حفلات الزواج، تمثل الحفلة الأولى دائما، لكن المهم أن تستمر يوما تلو آخر».

لكن هناك رؤساء آخرون أعربوا عن شعورهم بالرضا حيال القمة كالرئيس الفنزويلي هوغو شافيز، الذي رأى أن ما حدث «لم يكن ممكنا قبل سنوات وهو أن تقوم الولايات المتحدة بانعطافة من هذا النوع بجلوسها الند للند على طاولة واحدة بلدان مع أميركا اللاتينية والكاريبي». وشدد شافيز على أنه تمت مناقشة «موضوعات كان من غير الممكن التفكير بنقاشها في قمم أخرى» معتبرا نجاح الاجتماع نصرا شخصيا، وقال: «يبدو أن التغييرات التي بدأت في فنزويلا في العقد الأخير من القرن العشرين قد بدأت تصل إلى أميركا الشمالية نفسها».

الرئيس النيكاراغوي دانييل أورتيغا اعتبر، من جانبه، أن قمة الأميركتين سجلت «خطوات إيجابية» لحقبة جديدة من العلاقات بين الولايات المتحدة وأميركا اللاتينية والكاريبي. بينما شدد نظيره الهندوراسي مانويل زيلايا على أنه «كان ينتظر مواجهة بينما ما حدث كان تحليلا» وأن الولايات المتحدة وأميركا اللاتينية قد خرجتا من الاجتماع «وكرامتهما مرفوعة».

انتقادات من كاسترو

أما موجة النقد الأكبر ضد اجتماع ترينيداد وتاباغو فلقد جاءت من الرئيس الكوبي السابق فيديل كاسترو، على الرغم من أن القمة شهدت أطروحات قوية لا بل شديدة اللهجة حول ضرورة وضع حد للحصار الذي تفرضه الولايات المتحدة على الجزيرة الكاريبية وحول استبعادها من منظمة الدول الأميركية.

«جعلونا نحلم بجميع تلك الآمال التي توحي بأن الاجتماع ما كان ليكون سريا، لكن أسياد العرض حرمونا من ممارسة فكرية مثيرة جدا للاهتمام»، على حد تعبير الزعيم التاريخي الكوبي في مقالة نشرت في وسائل اعلام رسمية كوبية، اعتبر فيها أن أوباما «كان فظا ومراوغا فيما يتعلق بالحصار على كوبا».

يمكن القول إن قمة الأميركتين الخامسة لم تحدث تغيرا جذريا في العلاقات بين الولايات المتحدة وأميركا اللاتينية والكاريبي،لكنها هيأت أجواء ملائمة لتطوير تلك العلاقات ووصل ما انقطع منها طوال عقود من الزمن.

باسل أبو حمدة