خطت العلاقات السورية اللبنانية خطوة مهمة على طريق استعادة حالتها الطبيعية بين البلدين بعد توتر دام أربع سنوات، وتمثلت الخطوة الجديدة بانعقاد مؤتمر «العلاقات السورية اللبنانية» في دمشق تحت رعاية نائب الرئيس السوري الدكتورة نجاح العطار، وهو المؤتمر الأول من نوعه منذ استقلال البلدين، وذلك بهدف تجاوز جميع الخلافات التي طرأت خلال الفترة الماضية.

وانشغلت الأوساط الثقافية والسياسية السورية في الفترة الممتدة ما بين الرابع عشر والثامن عشر من الشهر الماضي بالمؤتمر الذي أخذ حيزاً كبيراً من اهتمام الباحثين والمفكرين والكتاب والإعلاميين في سوريا ولبنان والذي شارك فيه أكثر من 150 مفكراً وكاتباً من البلدين نظراً لما يمثله من تطور على صعيد إعادة العلاقات السورية اللبنانية لمجراها الطبيعي ووضعها على السكة الصحيحة.

توتر ما بعد الحريري

فقد شهدت العلاقات السورية اللبنانية خلال السنوات الأربع الماضية توتراً كبيراً بعد اتهام أطراف لبنانية لسوريا باغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، الأمر الذي لطالما نفته سوريا، ما انعكس سلباً على صعيد العلاقات الثنائية التي كانت في الأمس القريب من أكثر العلاقات العربية تماسكاً ووحدة في المواقف المشتركة.

وجاء مؤتمر العلاقات السورية اللبنانية بعد سلسلة من الخطوات المهمة التي عملت عليها سوريا من أجل تجاوز لبنان محنته الداخلية والتي كان أبرزها توصل الأطراف اللبنانية لما سمي ب«اتفاق الدوحة» الذي مكن لبنان من انتخاب رئيس للجمهورية بعد صراع مرير بين الفرقاء اللبنانيين كاد يفضي للرجوع إلى بوابة الحرب الأهلية مرة أخرى.

وقبل أيام من انعقاد القمة العربية في الدوحة جاءت الخطوة الثانية أو القفزة الأهم في العلاقات بين البلدين، حيث تم افتتاح السفارة اللبنانية بدمشق في خطوة هي الأولى منذ استقلال البلدين الأمر الذي انعكس ارتياحاً أكبر في الوسطين اللبناني والسوري.

وجاءت تلك الخطوة بعد اتفاق الرئيسين السوري بشار الأسد واللبناني ميشال سليمان في قمتهما المشتركة التي عقدت في دمشق بتاريخ 13 أغسطس الماضي على إقامة علاقات دبلوماسية، حيث وافقت سوريا بموجب ذلك على تعيين ميشال الخوري أول سفير للبنان في دمشق، كما وافق لبنان على تعيين علي عبد الكريم كأول سفير لسوريا في بيروت.

وأتت الخطوة الثالثة التي لا تقل أهمية عن سابقتها في انعقاد مؤتمر خاص حول العلاقات السورية اللبنانية وهو الأول من نوعه في تاريخ البلدين ليناقش تاريخ العلاقات السورية اللبنانية ومراحلها عبر العقود الماضية على المستويات الثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية والشعبية، وما حفلت به هذه العلاقة من تلازم مصيري في مواجهة التحديات التي تعرضت لها المنطقة.

حيث عالج المؤتمرون موضوعاتهم امتداداً من منتصف القرن التاسع عشر حتى الآن فدرسوا وحدة التاريخ والجغرافيا والشعب والمصير، وبحثوا في دور الوعي القومي العربي والنهضة العربية، وتوقفوا عند وحدة بلاد الشام في الحرب العالمية الأولى ومواجهة التجزئة الاستعمارية والنضال اللبناني السوري المشترك ضد الانتداب وإعلان دولتي سورية ولبنان.

كما حللوا بناء الدولة المستقلة في البلدين عبر قراءة نظاميهما السياسيين والاقتصاديين وإمكانية إصلاحهما وإنمائهما بالإضافة إلى ما قدموه من أبحاث في محور الثقافة الواحدة والنضال المشترك والمصير الواحد عبر دور الثقافة العربية في الصراع العربي الإسرائيلي والنضال اللبناني السوري ضد المشروع الصهيوني والسيطرة الأجنبية وصولاً إلى دراسة التحديات التي يواجهها البلدان في عصر العولمة.

اهتمام سوري بالمؤتمر

وكان لافتاً اهتمام القيادة السورية على المستويات كافة بالمؤتمر، حيث استقبل الرئيس السوري بشار الأسد المفكرين والباحثين المشاركين في المؤتمر قبل اختتامه بيوم واحد، إلا أن الأهم من ذلك تمثل بحديث الرئيس السوري عن «ارتكاب أخطاء» في العلاقات اللبنانية السورية، مبديا استعداده لإلغاء المجلس الأعلى اللبناني السوري والاتفاقات الثنائية بين البلدين، «إذا أراد اللبنانيون». واعتبر الأسد بحسب ما نقلت الصحف اللبنانية عنه خلال لقائه المشاركين في المؤتمر أن «القول بوجود أخطاء يعني أننا نجري مراجعة»، وأشار إلى أن الإقرار بوجود أخطاء «هو من باب رفض هذا الخطأ والعمل على تصحيحه لا من باب الشعور بالذنب».

وأوضح الأسد أن «الأمر ليس مجرد اعتراف بالخطأ بل هناك تبادل للمسؤولية ومسؤولية مشتركة حيال ما حصل»، وأبدى استعداده لإلغاء المجلس الأعلى اللبناني السوري والاتفاقات اللبنانية السورية أو تعديلها إذا اتفق اللبنانيون على ذلك. وقال «البعض في لبنان يتحدث عن المجلس الأعلى السوري اللبناني كأنه صورة للوصاية، هذا ليس صحيحا على الإطلاق».

حديث الرئيس السوري عن وجود أخطاء في مسار العلاقات السورية اللبنانية يجب العمل على تصحيحها وتجاوزها انعكس إيجاباً في أروقة المؤتمر، حيث أكد المشاركون على أهمية إعادة العلاقات السورية اللبنانية لسكتها الصحيحة من أجل الوصول لتفاهم مشترك حول القضايا التي تشغل البلدين والتي أدت في السنوات الماضية إلى زيادة التوتر في العلاقات.

ملامسة قضايا حيوية

وقال الكاتب اللبناني رغيد الصلح إن «كل لقاء بين المثقفين وأجواء المصالحة والحوار يقرب بين الشعبين بموازاة العلاقات الرسمية التي تتجه إلى التحسن، خصوصاً بعد تطبيق اتفاق الدوحة وانتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة ائتلافية»، في حين أكدت الباحثة السورية نادية خوست أن «المؤتمر لامس مسائل مهمة بالعلاقات السورية اللبنانية وبحث في جذور المشاكل الراهنة في العلاقات بين البلدين».

ووسط هذه الأجواء جاءت مقررات المؤتمر في البيان الختامي لتعبر عن رؤية المفكرين بأن «الطريق الوحيد والحقيقي للعلاقات بين البلدين يجب أن يبدأ من سيادة كل من البلدين وحريته واستقلاله وقوته الذاتية ومشروع دولة المواطنة والديمقراطية فيه»، معتبراً أن «إقامة العلاقات بينهما شرط ضروري للوقوف ضد كل الاتهامات والأخطاء والتوتر».

لا يخفى على أحد أن دمشق لا تزال تنظر إلى لبنان باعتباره الخاصرة الضعيفة التي لطالما استخدمت للتآمر عليها، وبناء عليه فإن إقدام سوريا على العديد من الخطوات الإيجابية باتجاه لبنان يهدف أولاً من أجل الحفاظ على سلامتها وأمنها، وثانياً للحفاظ على وحدة لبنان الذي تعرض لحروب أهلية طاحنة لا تريد له الرجوع إليها. ومع اقتراب موعد الانتخابات النيابية اللبنانية، ترى دمشق أن لبنان على موعد مع استحقاق مهم جداً في تثبيت الوضع السياسي الهش منذ انسحابها جيشها في العام .

دمشق ـ أحمد كيلاني