في مثل هذا اليوم من عام 1957، مات أبشع عضو في الكونغرس الأميركي شارك في تأجيج نيران الحرب الباردة، بمعاداته المفرطة للشيوعية، ونسب إليه مصطلح «المكارثية» التي أفقدت الولايات المتحدة في الخمسينات مصداقيتها في حرية الرأي والتعبير. إنه جوزيف ريموند مكارثي النائب الجمهوري عن ولاية ويسكنسن على مدى عشر سنوات.
في بداية الخمسينات، أصبح وهو في الثانية والأربعين، أشهر الشخصيات السياسية الأميركية مع تصاعد الحرب الباردة والمعاداة للشيوعية التي لم تكن قد ظهرت في الأميركيتين. شن حملة معاداة للماركسية، مدعيا أن هناك عددا كبيرا من الشيوعيين والجواسيس السوفييت والمتعاطفين معهم داخل الحكومة الفيدرالية الأميركية. واستخدم مصطلح المكارثية كإرهاب فكري موجه ضد المثقفين. اتهم الكثيرين بوجود صلة تربطهم بالمنظمات الشيوعية دون أدلة كافية تدعم مزاعمه.
في عام 1950 زعم أن 205 أشخاص من موظفي وزارة الخارجية الأميركية هم من المتعاطفين مع الشيوعية وأن 57 آخرين أعضاء في الحزب الشيوعي. وبعد ذلك، شن حملة هدفها إضعاف الثقة في أعضاء بارزين في الحزب الديمقراطي ومنهم شخصيات مهمة ولها احترامها مثل دين اكسون وجورج مارشال.
وعندما أصبح مكارثي رئيساً للجنة الفرعية الدائمة للتحقيق في عام 1953، تصاعدت حملته فشملت وزير الدفاع روبرت ستيفنز والعديد من الرسميين. تزايدت الاتهامات والتحقيقات بسرعة، وتأثر بها الآلاف من الأميركيين. ولم يَسْلم من تلك الاتهامات أساتذة الجامعات والفنانون والصحافيون ورجال الدين والفئات المثقفة الأخرى.
بل شملت حملته شخصيات من هوليوود من بينهم النجم الأسطوري شارلي شابلن الذي اتهمه بالشيوعية. كما قامت بعض المؤسسات بوضع أسماء المتهمين بالشيوعية من الهيئات والشخصيات في قائمة سوداء ورفضت توظيفهم. ويقال انه لكي يحتفظ الموظفون بوظائفهم اضطروا إلى كتابة تعهدات ولاء للحكومة باعتبار أن المكارثية تشكك في ولاء من طرحت أسماؤهم للولايات المتحدة.
ظهرت المكارثية في عهد الرئيس هاري ترومان الذي أنكر هو ووزير خارجيته ديان أتشيسون التهم التي أطلقها مكارثي. ويقال ان معظم أنصار مكارثي وأعضاء مجلس الشيوخ من كلا الحزبين كانوا يدركون التأييد الكبير الذي يحظى به، لذا كانوا يتحاشون الدخول معه في تحديات. وحذا حذوهم الجنرال دوايت أيزنهاور بطل الحرب العالمية الثانية عندما كان مرشحا للرئاسة الأميركية عن الحزب الجمهوري، أو فيما بعد عندما أصبح رئيسا عام 1953.
ووصل الأمر بمكارثي أن اتهم إدارة الرئيس أيزنهاور بالعمالة. والمثير في ظل تصريحاته وحملته المسعورة، نال تأييد كثيرين عندما عزا هو ورفاقه المحافظون المتشددون المشاكل والأزمات التي تُعاني منها الولايات المتحدة إلى الوجود الشيوعي السري داخل صفوف الإدارة الأميركية.
ومن ضمن تصرفاته البشعة، أنه اتهم في لقاء تلفزيوني الجيش الأميركي بالتواطؤ مع الشيوعيين. فقام الجيش بتوجيه اتهامات مماثلة ضده هو وأنصاره. ونتيجة لذلك فَقَد مكارثي الملايين من مؤيديه. وقد قامت لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ بإجراء تحقيقات داخل الإدارة الأميركية حتى يهدأ المناخ السياسي العام في البلاد، ولم تعثر اللجنة على أي شيوعيين أو أي أنصار لهم فيها.
وفي النهاية، أدانه مجلس الشيوخ عام 1954 لتصرفاته الطائشة تجاه إحدى اللجان الفرعية التي كانت تتقصَّى ممتلكاته عام 1952، وكذلك لإهانته اللجنة التي أوصت بتوجيه اللوم إليه. وبصفة عامة أدى نهجه إلى ضعف مصداقيته وتعنيفه رسمياً بواسطة الكونغرس. وبعد أن دان مجلس الشيوخ نشاطاته في 1954، هاجم مكارثي الرئيس أيزنهاور ولكن الثقة في أفكاره ومزاعمه كانت قد وهنت وفقد بالتالي مصداقيته في أوساط الرأي العام.
التاريخ يشير إلى أن المكارثية ارتبطت بتصعيد الحرب الباردة التي اشتعلت فور نهاية الحرب العالمية الثانية وظهور حلف شمال الأطلسي «الناتو» عام 1949. ففي أواخر الأربعينات والخمسينات من القرن العشرين وقعت أحداث تتعلق بصراع القوتين الأعظم آنذاك «الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي».
أحداث وأزمات أزعجت كثيراً من الأميركيين وأصابتهم بالإحباط، مثل قيام الشيوعيين بالاستيلاء على تشيكوسلوفاكيا، وقيام الاتحاد السوفييتي بتفجير أول قنابله الذرية، وتسليحه ودعمه القوات الشيوعية لكوريا الشمالية التي غزت كوريا الجنوبية. وهو الغزو الذي أشعل الحرب الكورية (1950 ـ 1953). يضاف إلى ذلك حرب الجاسوسية بين الجانبين.
ويمكن القول ان المكارثية بدأت في الزوال مع وصول الجمهوريين إلى الحكم وانتهاء الحرب الكورية عام 1953، بالإضافة إلى أن المحكمة العليا الأميركية أصدرت في الفترة من 1955 وحتى 1958 سلسلة من القرارات التي تُوفِّرُ الحماية لحقوق الأشخاص المُتَّهمين بالتواطؤ مع الشيوعيين.
بوجه عام، تعد المكارثية سبة في جبين المبادئ الأميركية القائمة على دعم الحريات واحترام الرأي الآخر، وللأسف بدا الرئيس الأميركي السابق جورج بوش في سياساته في أعقاب أحداث سبتمبر 2001، وكأنه مكارثيا في سياساته عندما قال قولته المشهورة «من ليس معنا فهو ضدنا». وتلك السياسة هي التي جلبت الشقاء للأميركيين ولطخت سمعة الولايات المتحدة التي يسعى الآن الرئيس الحالي باراك أوباما إلى تحسينها.
حسن صابر