على مدى خمسة أيام عقد بالعاصمة السويسرية «جنيف» مؤتمر مناهضة العنصرية المعروف بـ «دربان 2» وسط حالة من الجدل العالمي الواسع ومحاولات حثيثة من قبل العديد من الجهات ومراكز الضغط الرسمية والشعبية لممارسة العديد من الضغوط على الأطراف المشاركين لتضمين البيان الختامي فقرات معينة أو تلافي فقرات محددة. وقد كشف الجدل الذي أحاط بأعمال المؤتمر وكذا بيانه الختامي عما يمكن اعتباره كشفا لزيف التعاطي الدولي مع قضية حقوق الإنسان، حيث انه فيما حرص المؤتمر على إدانة معاداة السامية أغفل الإشارة إلى الجرائم الإسرائيلية في غزة.

نفس حالة الجدل التي سيطرت على المؤتمر كانت قد هيمنت أيضا على الجلسات التمهيدية التي استبقت المؤتمر وظهرت حالات من الانسحابات من المؤتمر بعد أن قررت ثماني دول عدم المشاركة في المؤتمر احتجاجا على وجود مساع لإدانة إسرائيل باعتبارها نظاما عنصريا، فقاطع المؤتمر كل من ألمانيا وإيطاليا وبولندا وكندا ونيوزيلندا واستراليا وهولندا وكذلك الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل التي انسحبت سنة 2001 احتجاجا على ما اعتبرته انحرافات معادية للسامية، وأعلنت التشيك التي تتولى حاليا رئاسة الاتحاد الأوروبي انسحابها نهائيا من الاجتماع.

انتقادات للمؤتمر

ورغم الانتقادات التي وجهت إلى «دربان 2» لهذا العام إلا أنه اتسم بنقطتين رئيسيتين، الأولى حالة الجدل التي صاحبت الكلمة التي ألقاها الرئيس الإيراني أحمدي نجاد وانتقاداته الحادة لإسرائيل ووصفها بأنها دولة عنصرية واعتباره مقاطعة الدول الغربية للمؤتمر خطوة أنانية ومتغطرسة متهما إياهم بأنهم يقفون وراء مشاكل العالم كله مما أدى إلى انسحاب ممثلي دول الاتحاد الأوربي ال23 من القاعة.

أما النقطة البارزة الأخرى فتتمثل في اعتبار الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون معاداة الإسلام شكلا من أشكال العنصرية ومطالبته باستصدار قرار دولي لتجريم معاداة الأديان السماوية على غرار قانون معاداة السامية وهو ما يمثل تغيرا جوهريا وكبيرا في تعاطي المجتمع الدولي مع الإسلام.

إسرائيل وتدمير المؤتمر

في البداية، يوضح خبير العلاقات الدولية بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام الدكتور سعيد اللاوندي «إن مؤتمر مكافحة العنصرية الذي عقد بالعاصمة السويسرية جنيف والمعروف بـ «دربان 2» هو امتداد لـ «دربان 1» الذي عقد بجنوب أفريقيا عام 2001 وقد استعدت إسرائيل جيدا لهذا المؤتمر ومنذ عدة أشهر وخططت لتدميره.

وقال: إن وزيرة الخارجية الإسرائيلية السابقة تسيبي ليفني كانت قد طالبت المجتمع الدولي بعدم التجاوب مع هذا المؤتمر، كما طالبت دولا غربية بعدم المشاركة فيه، وهناك دول أوروبية بالفعل لم تشارك في المؤتمر بالإضافة إلى الولايات المتحدة الأميركية».

وتابع: ان هذا معناه أن إسرائيل كانت تعلم يقينا أن حرب غزة والانتهاكات والاعتداءات والممارسات العنصرية فيها ستكون على قمة أولويات هذا المؤتمر ولذلك سعت لإجهاضه وهو ما تم فعليا بشكل جزئي بعد أن جاء البيان الختامي «محايدا وبردا وسلاما على إسرائيل».

وأضاف اللاوندي: ان الكلمة التي القاها الرئيس الإيراني أحمدي نجاد خلال المؤتمر أخذت أكثر من حجمها ونفخت إسرائيل فيها من روحها وقامت بإستغلالها للفت أنظار العالم عن جرائمها في قطاع غزة وإنتهاكاتها العنصرية بإقامة جدار الفصل العنصري وغيره من الممارسات العنصرية وكونها دولة عنصرية بالفعل وشغلت العالم عن ذلك مستغلة كلمة الرئيس الإيراني وجددت الحديث عن محارق «الهولوكست».

ولفت إلى نقطة بالغة الأهمية وهي حديث الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون عن إمكانية استصدار قرار بمعاداة الأديان السماوية على غرار ما حدث مع معاداة السامية، وقد كانت فرصة سانحة وكان يمكن استغلالها في إصدار هذا القرار الهام وتم تفويتها على الجانب العربي والإسلامي نتيجة الألاعيب الصهيونية ورغبتها في وضع العالم العربي والإسلامي في زاوية محدودة لإفقاده القدرة على الفعل والتحرك.

قانون لمحاربة معاداة الإسلام

وأشار إلى أن حديث بان كي مون عن استصدار مثل هذا القرار تكمن أهميته في مواجهة دوائر «الإسلاموفوبيا» التي اتسعت وامتدت بحيث أصبحت في كل مكان، ففي هولندا صدرت كتب تنتقد الإسلام وتحط من شأنه، وفي النرويج يوجد حديث عن ضرورة حرق الحجاب الذي ترتديه المرأة الإسلامية باعتباره رمزا إسلاميا، وفي ألمانيا عقد مؤتمر بمدينة كولون بعنوان «لا.. لأسلمة المجتمع الأوروبي».

وتابع: «بان كي مون كان على حق ولكن للأسف الشديد فإن المخطط الإسرائيلي وانشغال المؤتمرين بكلمة أحمدي نجاد والرد عليها والتشكيك فيها وفشل الوفود الإسلامية والعربية في التعبير عن توجهاتهم والإمساك بمبادرة الأمين العام للأمم المتحدة والبناء عليها كل ذلك تسبب في عدم اقتناص هذه الفرصة السانحة»، مشددا على أن القضية الأساسية لم تناقش خلال جلسات المؤتمر إما عن عمد أو غير عمد والنتيجة أننا خرجنا «صفر اليدين».

وأعرب اللاوندي عن أسفه من أن الوثيقة الختامية جددت التأكيد على إدانة مأساة محرقة «الهولوكست» وأدان معاداة السامية، بينما لا تحتوي الوثيقة على أي إشارة إلى إسرائيل وممارساتها العنصرية في الأراضي الفلسطينية المحتلة والشرق الأوسط ويحمي كذلك تماما الحق في حرية التعبير، كما أنه لم تتطرق إلى التمييز في النظام الطبقي الذي يطول حوالي 260 مليون شخص في العالم.

غياب العرب

أما الكاتب والمحلل السياسي طلعت رميح فيقول : بصفة عامة المشاركة في مثل هذه المؤتمرات بما فيها من قدر مهم لإيصال الدعاية والرؤي العربية والإسلامية إلى الدول والجمهور والرأي العام الغربي بشكل عام لكشف الممارسات الصهيونية، أمور مفيدة وهامة خاصة وأن المؤتمر جاء في أعقاب المجازر التي ارتكبتها إسرائيل في قطاع غزة.

وتابع: «ولكن يبدو لي أن درجة استفادتنا من هذا المؤتمر مثل غيره تتأثر على نحو كبير بالحالة السياسية للنظام الرسمي العربي سواء كان هو في حد ذاته بخلافاته وانقساماته واضطراباته وعدم قدرته على إفراز موقف جماعي واضح خاصة في إتجاه إسرائيل، أو طبيعة حركة المجتمعات والمنظمات الأهلية التي تلعب دورا غاية في الأهمية في مثل هذه المؤتمرات».

وقال رميح: أخشى أن أقول ان انفراد الرئيس الإيراني أحمدي نجاد بالحضور وغياب الآخرين قد حول القضية المثارة بشأن العنصرية إلى مكسب لإيران في صراعاتها وملفاتها المفتوحة في المنطقة ضد دول الجوار العربي أو في الصراع مع إسرائيل أكثر من طرح عنصرية الكيان الصهيوني لمصلحة القضية الفلسطينية».

وحول ما إذا كان وجود الرئيس الإيراني أحمدي نجاد والهجوم الذي تعرض له المؤتمر من الدول الغربية قد تسببا في إضعاف البيان الختامي وعدم الإشارة فيه إلى الأوضاع في فلسطين خاصة فيما يتعلق بأحداث غزة وبناء جدار الفصل العنصري في الوقت الذي أعاد البيان التأكيد على إدانة محارق الهولوكست، قال رميح: أعتقد أنه من الواجب أن ننظر إلى أنفسنا بأن الغياب العربي المؤثر كان هو ما سمح على نحو ما لطرفين آخرين للتأثير في البيان الختامي».

وأشار إلى أنه لو كانت وفودا رسمية عربية عالية المستوي شاركت في هذا المؤتمر، ولو كانت حالة الحريات في العالم العربي والأوضاع السياسية قد سمحت بسفر وفود مناسبة من المنظمات الأهلية لما كان الموقف كما شهدناه سواء على صعيد البيان الختامي أو على صعيد تحول وصول الرئيس الايراني إلى قضية المؤتمر قبل أن تكون قضية فلسطين والممارسات الإسرائيلية العنصرية هي القضية الرئيسة في هذا المؤتمر أو لكنا شاهدنا خشية غربية من الصدام مع الوفود العربية والإسلامية أو على الأقل لقلت حدة تأثير اللوبيات الصهيونية على البيان الختامي.

مشكلة الفعالية العربية

واعتبر رميح أن ذلك كان ممكنا خاصة وأن الغرب يعيش حالة اضطراب وأزمة كان يمكن لضغط عربي أن يؤثر فيها وكذلك لأن الوضع الدولي بصفة عامة لم يعد فيه وجوها سافرة مثل جورج بوش وغيره، كما أن هذا الوضع الدولي بات يشير إلى تراجع النفوذ الغربي المهيمن بصفة عامة في كثير من مناطق العالم سواء في أميركا اللاتينية وآسيا أو حتى إفريقيا بما كان يسمح لنا بمزيد من الضغط على الموقف الغربي بما في ذلك الموقف الأميركي.

وقال: «إن الإشكالية الأساسية تتعلق بنا نحن بالدرجة الأولي وأن المؤشر الخطير هو أن هذا المؤتمر قد سجل تراجعا في الموقف السياسي الدولي من الممارسات العنصرية بينما الوضع الدولي كان قد شهد خلال مجازر غزة أكبر حالة تضامن مع الشعب الفلسطيني».

نجاد والفتنة العكسية

وبدوره، يري المفكر الفلسطيني حسن عصفور وزير المنظمات الأهلية في السلطة الوطنية الأسبق أن نتائج مؤتمر مناهضة العنصرية «درببان 2» لم يكن بمستوي الطموح أو بما يجب أن تكون على ؟ نتائج المؤتمر لا سيما وأنه كان مخصصا لمكافحة الاحتلال والعنصرية وكونه امتدادا لمؤتمر مناهضة العنصرية الأول في جنوب أفريقيا عام 2001 والذي مثل نقطة هامة وأساسية في دعم القضية الفلسطينية والحملات والانتهاكات والاعتداءات الإسرائيلية على الشعب الفلسطيني بعد فشل مفاوضات كامب ديفيد في عام 2000 واندلاع انتفاضة الأقصى والانتهاكات اللاإنسانية ضد الانتفاضة وضد الشعب الفلسطيني ولذلك كانت نتائج «دربان-1» تتوافق مع آمال وطموحات الشعب الفلسطيني والعربي والإسلامي.

وتابع: أما فيما يتعلق بمؤتمر هذا العام والذي عقد بجنيف فقد كانت هناك توقعات وآمال بصدور قرارات رادعة لإسرائيل خاصة في ضوء ما حدث من اعتداءات وانتهاكات لكل القوانين والأعراف الدولية والإنسانية أثناء حرب غزة واستخدام كل الأسلحة المحرمة في الاعتداء على المدنيين العزل، وأيضا السياسات الإسرائيلية الرافضة لكل قرارات الشرعية الدولية وتجاوب السلطة الوطنية الفلسطينية برئاسة الرئيس محمود عباس «أبومازن» مع كل جهود السلام وقرارات الشرعية الدولية إبتداء من اتفاقية أوسلو.

وأشار عصفور إلى أن ما حدث في جنيف لا ينسجم مطلقا مع الآمال المعقودة على هذا المؤتمر، وانه كان هناك ثلاث قضايا تم تجاهلها وهي جدار الفصل العنصري والاستيطان وقرارات لاهاي بإعتبار أنها بعيدة عن أهداف المؤتمر رغم أنها تأتي في صلب هذه الأهداف، لافتا إلى وجود خديعة في تحديد توقيت المؤتمر وتوافق الاجتماعات مع إحتفالات الصهيوتية الدولية مع ما تسميه بـ «محارق الهولوكست».

ضربة للمؤتمر

وتابع: ان مشاركة الرئيس الإيراني كضيف شرف ودعوته إلى اعتبار الحكومة الإسرائيلية حكومة عنصرية كان ضربة قاصمة للمؤتمر والطموحات العربية والإسلامية منه»، مؤكدا أن إحضار نجاد إستهدف في المقام الأول خلق «فتنة عكسية» وأن وجوده أضر بالقضايا العربية والإسلامية ولم يكن مفيدا بالمرة وانه استخدم كذريعة لقلب المنضدة على المواقف والمطالب العربية الإسلامية واستغلته إسرائيل والمنظمات الصهيونية في تحقيق أرباح سياسية ودعائية على حساب القضايا العربية وخاصة القضية الفلسطينية».

ولفت إلى أن هذه المسائل التكتيكية أدت إلى إفشال المؤتمر خاصة وأن الوفود العربية الرسمية كانت غير جاهزة ومستعدة لمواجهة هذه المخططات الصهيونية الإسرائيلية وكانت من الضعف بالدرجة التي سهلت كثيرا من مهمة الجانب الأخر.

كما أن منظمات المجتمع المدني كان كل منها يعمل لحسابه الخاص بعيدا عن وجود مشروع وطني أو قومي يعمل الجميع من خلاله، هذا فضلا عن أنه نظرا لتلقي هذه المنظمات أو الغالبية العظمي منها لمساعدات ومعونات من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية فهي لا تستطيع أخذ موقف سلبي من توجهات الاتحاد الأوروبي ولذلك فقد كان الموقف العربي الرسمي والأهلي سلبيا لأقصى درجة.

القاهرة ـ «البيان»