رغم أن العالم يدخل عصر التكتلات الاقتصادية والسياسية لمواجهة التحديات الكبار الذي يعيشها المجتمع الدولي المعاصر إلا أن المنطقة العربية لا يطيب لها فيما يبدو إلا التغريد خارج السرب. فإذا كان الجميع فعلا لا يزال على إيمانه بأن العالم العربي ينتمي بالجغرافيا والتاريخ إلى وحدة واحدة جذورها واحدة ومصيرها مشترك، كما أن غالبية سكانها يتفقون في الدين واللغة وأحلام المستقبل، وهذا مالا تناقضه التصريحات الرسمية والأدبيات السياسية والثقافية.
فإن هذه البلدان يجب أن تتفق على دولة واحدة تقود الخطى وتمثل وسطية بين الآراء المتباينة حينا والمتنافرة أحيانا، باعتبار ذلك نوعا من الحكمة والفطنة السياسية، غير أنه يعتبر نوعا من الوهم إذا طبقناه على الواقع، فالجمهور العربي في مجمله أشبه بركاب طائرة يتنازع قيادتها كثيرون، ولنا أن نتصور مجرد تصور النتائج الكارثية التي يمكن أن تلحق بركاب طائرة كهذه.
هناك في عالمنا العربي من لهم حق القيادة لأسباب جغرافية أو تاريخية، وهؤلاء يفترض بهم أن يمتلكوا المقومات الحقيقية للعب مثل هذا الدور، وعلى الطرف هناك حالمون وواهمون بأدوار لم تؤهلهم قدرات دولهم كي يستطيعوا لأمر كهذا، ومع ذلك يعتب بعضنا على الرئيس الأميركي باراك أوباما لأنه لم يختر عاصمة عربية كي يوجه منها خطابه إلى العالم الإسلامي، ودون شك، فقد أراد أن يريح نفسه من عناء تعدد الوجهات العربية وتنافسها، فاختار تركيا ليكرس دون أن يدري فكرة انتقال قيادة العالم الإسلامي إلى غير العرب بعد أن ظل قرونا طويلة فيما سبق وعقودا طويلة في عصرنا الحديث على هذا النحو.
لنضع أنفسنا مكان أوباما، ونحاول رؤية العالم العربي من خارجه لنساعده في اختيار أي عاصمة كان يمكن أن يقصدها دون أن يثير حساسية عواصم أخرى. هل يذهب إلى القاهرة ؟. مقر الجامعة الدائم وبلد الأزهر وأكبر ثقل بشري عربي والتي أضحت قيادتها الحقيقية للعرب أثرا بعد عين لا تكاد تجده إلا في أجهزة الإعلام المصرية، أو في أذهان الجيل القديم الذي تربى على الثقافة المصرية وارتبطت أحلامه بتوجهات قيادتها السياسية ذات يوم. أم يذهب إلى الرياض ؟، فالسعودية صاحبة أكبر اقتصاد في المنطقة ولذلك تمت دعوتها إلى قمة العشرين، ولم تدع مصر، هذا بالإضافة إلى كونها تضم قبلة المسلمين وأقدس مقدساتهم.. الكعبة المشرفة.
ولكن الناظر حين يتأمل المشهد من الخارج يرى عواصم أخرى تنازع البلدين القيادة والقرار، فليبيا تعتبر نفسها قائدة أفريقيا، والأحق بقيادة العالم العربي، وسوريا تعتبر نفسها الأجدر لأنها لا تزال تمسك بجدار الممانعة، وبما أن دمشق كانت عاصمة للمسلمين في العصر الأموي، فلها قيمتها التاريخية.. وقطر تعتبر نفسها اللاعب الجديد الذي يلعب الدور الأكبر في تسوية النزاعات، كما أن لها السبق بإنشاء منبر إعلامي عالمي مثل قناة الجزيرة، كما أنها ماهرة في جمع المتناقضات، ومؤاخاة الأضداد.
والخرطوم تعتبر نفسها في مهب الرياح الغربية، ومستهدفة بالتقسيم ومطموع في ثرواتها وأراضيها الخصبة غير المستغلة ومن ثم يجب أن تكون المنبر الذي يتحدث منه العرب كنوع من التضامن، واليمن موئل الحضارات العربية القديمة ومفتاح جزيرة العرب، وصاحبة إسهامات في النضال العربي فلماذا لا تكون صنعاء هي المختارة. وعلى كثرة اللاعبين المتنافسين على قيادة الفريق العربي ـ إذا صح كونه فريقا ـ لن تجد أحدا أحرز هدفا في أي مرمى، على الأقل منذ حرب أكتوبر 73 وحتى اليوم.