مواصلة لما تناولناه في مقالين سابقين حول إرهاصات التغير الأميركية في ظل إدارة أوباما (البيان ـ 4 أبريل) ودعوة هذا الأخير للمصالحة مع العالم الإسلامي (البيان ـ 11 أبريل)، نتساءل: هل ينجح أوباما؟.

يعزز هذا السؤال ما نشهده من تغيرات في السياسة الأميركية في ظل الإدارة الجديدة على نحو يمثل ما نراه انقلاباً على سياسات الرئيس بوش، وهو التحول الذي لم يقتصر على قضايا تتعلق بالعالم الإسلامي فقط وإنما تتعلق بمختلف السياسات الأميركية تجاه بقية العالم.

وفي محاولة الإجابة عن هذا السؤال نشير إلى أن هناك العديد من العوامل التي تقوض الآمال بإمكانية نجاح أوباما في تحقيق ما يعد به ويدعو إليه على صعيد المصالحة مع العالم الإسلامي. فمن ناحية فإن سياسة دولة عظمى مثل الولايات المتحدة تدار بمفهوم المؤسسة وهو ما يعني محدودية تأثير العامل الشخصي حتى ولو كان الرئيس في تحديد التوجهات السياسية للدولة سواء الداخلية أم الخارجية، وإن كان ذلك لا ينفي وجود هذا التأثير.

من ناحية ثانية فإن أوباما على ما يذهب البعض ما زال طري العود في بدايات عهده الأول ويحتاج إلى وقت حتى يلتقط أنفاسه وبعدها يبدأ الحديث عن التهيئة لمعركة التجديد لولاية ثانية وهي تحتاج دعم اللوبي الصهيوني (عرفان نظام الدين ـ الحياة 13 أبريل) وهو ما يعني أن مواقفه قد تشهد قدراً من التغيير على أرض الواقع بفعل ما قد يلمسه من قيود تضيق من نطاق حركته. ونستشهد في ذلك بموقف هيلاري كلينتون الذي راحت خلاله تبدي تعاطفاً كبيراً مع الفلسطينيين في فترة مبكرة من حكم زوجها، الأمر الذي لقي معارضة صهيونية كبيرة على نحو ألقى بتأثيره على مواقفها على ما نلمسه الآن، في تحول واضح لموقفها «البكر».

من ناحية ثالثة، ومع كل التقدير لمواقف أوباما، فإنه لا يمكن إغفال وجود حالة من العداء للإسلام والمسلمين في المجتمع الأميركي ـ على نحو ما أشرنا في المقال السابق ـ ازدادت وتيرتها خلال سنوات بوش سواء بفعل توجهات هذه الإدارة التي سيطر عليها المحافظون الجدد أو بفعل أحداث سبتمبر التي جرى استغلالها لتعميق هذا العداء.

وعلى ذلك فإنه بعيداً عن هنتنغتون وحدود الإسلام الدموية، وبعيداً عن برنارد لويس وثورة الغضب الإسلامي، ودانييل بايبس ومتشددوه المسلمون الذي وصلوا أميركا، فإن حالة العداء تلك، قد تفرض قيوداً على تحقيق انفراجات كبرى على هذا الصعيد.

أما على صعيد ما يدعو إلى التفاؤل بإمكانية نجاح أوباما حال افتراض أن المصالحة هدف استراتيجي في سياسة إدارته، فإن أوباما ليس سوى نتاج انتخابات ديمقراطية حرة تعكس رغبة المواطن الأميركي في تغيير الصورة الكريهة لبلاده والتي أوجدتها وعززتها الإدارة السابقة، وهو ما قد يعني وجود تصريح بالمضي قدماً في هذه المهمة على كل الأصعدة وفي القلب منها العالم الإسلامي.

ومع الإقرار بأن المصالحة المنشودة تبقى في كل الأحوال مرهونة بتطورات ما قد يحدث في الفترة المقبلة، والمصلحة التي يمكن أن تجنيها واشنطن منها، إلا أن ما قد يثلج صدر الكثيرين ما تشير إليه التطورات، حتى الآن، من أن مسار علاقات العالم الإسلامي مع الولايات المتحدة تجاوز مرحلة «الغليان»، ما يوحي بأن أطرافها على الأقل سيعيشون حالة مختلفة يمكن اعتبارها مرحلة التقاط أنفاس في انتظار مخاضات مستقبلية تحدد المسار النهائي لمحاولة مصالحة.. يبقى لأوباما الفضل في المبادرة بها.