خلافا لهبة الشعوب المقهورة في مؤتمر ديربان 1 في جنوب إفريقيا، جاء ديربان 2 في جنيف بسويسرا منذ أيام مخيبا للآمال، وتحولت جلسته الافتتاحية إلى حفلة نفاق اوروبى لصالح نصرة إسرائيل، وغسل هويتها من تهمة العنصرية إلى تغطيها من أخمص القدم إلى قمة الرأس، بل والتي ترسخت في مكوناتها منذ تأسيس العصابات الصهيونية (ارجون وشتيرن والهاجاناه.. وغيرها) وحتى تشكيل احدث وزارة عنصرية برئاسة الإرهابي بنيامين نتانياهو ووزير خارجيته المتعطش لدماء العرب افيجدور ليبرمان.
أذهلت وفود معظم الدول الأوروبية العالم بتصرفها الممجوج الذي ينضح انحيازا للعنصرية، رغم انها تتباكى على حقوق الإنسان، وتثير الدنيا بمعاركها الوهمية للقضاء على العنصرية المزعومة والمنسوبة زورا للمسلمين والعرب.فلقد انسحبت الوفود الدبلوماسية من قاعة المؤتمر في مشهد يشبه تصرف «تلاميذ مدرسة المشاغبين» ولا يليق بدبلوماسي مبتدأ، احتجاجا على وصف الرئيس الإيراني احمدي نجاد لإسرائيل بأنها اكبر تجسيد للعنصرية في عصرنا، وان جرائمها في غزة وباقي فلسطين ليست سوى جرائم حرب تستحق ملاحقة قادتها إلى المحاكم الدولية.
الأدهى، ان أوروبا كلها سوى دول قليلة قاطعت المؤتمر اتباعا للولايات المتحدة، بل وزادت في كيل التهم بأثر رجعى لمؤتمر ديربان 1 لأنه دمغ إسرائيل بالعنصرية، وأعاد للحياة قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الذي أدخلته مفاوضات التسوية العبثية غرفة الإنعاش.
وليس خافيا على أي مراقب ان التصرف الاوروبى المخادع والنفاق السياسي لم يأت من فراغ، بل له جذوره ودوافعه وأسبابه، ففي الحجر الاستعماري الأوروبي ولد المشروع الصهيوني. منذ كان فكرة حتى أصبح حقيقة. فلولا الدعم الأوروبي لم يكن ممكنا ان تنشر الدعوى الصهيونية بين اليهود المشردين في أرجاء العالم، وبدون هذا الدعم لم يكن متاحا حدوث التوأمة بين المال اليهودي والسلطة الأوروبية التي أثمرت مؤامرة اغتصاب فلسطين لتقوم على أرضها اول دولة عنصرية في المنطقة، وبقيت هي الكيان العنصري الوحيد في عالمنا بعد سقوط عنصرية الأقلية البيضاء في جنوب أفريقيا.
بدورها تكفلت الولايات المتحدة بدور تعميد الكيان الصهيوني دوليا ومنحه الشرعية بقرار من الأمم المتحدة لتكون إسرائيل أول دولة تولد بقرار (زائف). والحاصل أن إسرائيل بحكم وقائع التاريخ تستحق بامتياز وصف العنصرية في أبشع صورها، فهي الدولة التي تتجمل بديكور ديمقراطي، لكنها ترتكب أفظع الجازر بحق المدنيين العزل، تحصد أرواح الأطفال والمسنين في حفلات قتل جماعي، مثلما حدث في مجازر صابرا وشاتيلا، وقانا 1 و 2، وقبلها مذبحة بحر البقر ومجزرة الجنود الأسرى المصريين في حربي 1956 ، 1967 وأخيرا مجازر عدوان غزة 2008 .
الشاهد أن موقفنا العربي كان دون المستوى في ديربان 2 ، ولهذا توحشت إسرائيل ومناصروها وخلا البيان من إدانتها .بل تم اختزال البيان من 173 صفحة إلى 30 صفحة فقط، لم يرد فيه كلمة واحدة تشير إلى جرائم إسرائيل وحرب الإبادة التي ارتكبتها في غزة. في هكذا أجواء، يتحمل العرب العبء الأكبر في ضياع حقهم التاريخي والقانوني في إدانة إسرائيل بالعنصرية، وملاحقة قادتها بتهم ارتكاب جرائم حرب ليس في الماضي القريب أو البعيد، بل في التاريخ الذي لم يولد بعد. ومكمن الخطأ العربي يتمثل في الهرولة وراء سراب التفاوض، دون الحفاظ على المقاومة التي تضمن إجراء مفاوضات مثمرة لا تسمح للعدو بإملاء شروطه، ولا تسقط الحق من يد أصحابه.