من المهم التعمُّق في قمة أوباما وقادة أميركا اللاتينية. نتائج القمة تفتح النافذة الأولى لمقاربة عملية إزاء سياسات أوباما الخارجية. بعد جولته الأوروبية الناجحة لم يعد ممكناً الاكتفاء فقط بقراءة ملامح تعامل الرئيس الأميركي الجديد مع شركائه وحلفائه وخصومه عبر المعمورة.
أزمة الرئيس الأسمر لا تنحصر فقط في تقديم نفسه بنجاح أنموذجاً مغايراً لسابقيه من ساكني البيت الأبيض. الأكثر إلحاحاً من ذلك تزامنه مع تطلع العالم قاطبة لرؤية تحولات جذرية في السياسات الأميركية. شعوب عديدة ترقب رؤية الاحترام المتبادل يحل مكان الغطرسة المشبَّعة بروح القطب الأحادي. جملة ما عرضه أوباما على قادة أميركا الجنوبية لم يتجاوز مجرد تغييرات ـ لا تحوّلات ـ تكتيكية لا تمس الاستراتيجية. صحيح من غير الممكن إحداث تحولات متجذِّرة في غضون فترة قصيرة. الصحيح كذلك بث مؤشرات إيجابية توحي بإمكانية حدوث التحولات مستقبلاً.
أوباما لم يمنح أنداده الجنوبيين انطباعاً بإجراء تحولات في النظرة الأميركية المتعالية تجاه بلدانهم. واشنطن تظل ترى في دول أميركا الجنوبية مزرعة للمخدرات ووكراً لعصابات الجريمة المنظمة وتريدها تظل غابة من جمهوريات الموز. ربما كان كافياً اعتراف أوباما بأن تصاعد الطلب على المخدرات في بلاده يزيد ازدهار زراعة المخدرات في الجنوب. أكثر من ذلك فإن انتعاش الاتجار بالمخدرات يشكل الرافد الأساسي لتدفق السلاح على الجنوب ومن ثم استشراء منهج العنف في أقطاره.
تخفيف الحظر الطويل الأمد على كوبا إجراء عملي جدير بالاحتفاء. ذلك إجراء سبقه اعتراف صريح بفشل الحظر المضروب على الجزيرة عقوداً. هو في الوقت نفسه تغيير تكتيكي لا يحفر تحولاً استراتيجياً. مثل هذا الإجراء النوعي من قِبل أوباما لن يذهب حد إرضاء الكوبيين الصامدين تحت الحظر أو الرازحين تحت النظام الديناصور.
منهج تعامل أوباما مع زملائه الجنوبيين لن يصمد في المقاربة مع نهج الصين في أميركا الجنوبية. في غضون الأسابيع الأخيرة بحثت بكين صفقات بمضاعفة قرض تنمية في فنزويلا بحيث يبلغ 12 مليار دولار. الصين أقرضت الإكوادور مليار دولار لبناء محطة لتوليد الطاقة الكهربائية. كذلك مهّدت الطريق أمام الأرجنتين للحصول على ما يوازي عشرة مليارات دولار، ومنحت شركة نفط برازيلية قرضاً بقيمة موازية. مثل هذا التوغل الصيني في «الحديقة الخلفية» للقطب الأوحد لهو يفرض عليه تحولات جذرية في استراتيجيته تجاه دول الجوار.
الأزمة المالية ـ على حدتها ـ ليست العقبة الفعلية أمام إدارة أوباما بغية إعادة فتح قنوات سالكة في الاتجاهين مع أميركا الجنوبية. المعضلة الحقيقية تتجسد في الاستراتيجية الأميركية المشبَّعة بالتعالي حد الغطرسة. هذا نهج مغاير للدبلوماسية الصينية المرنة حد الاستثمار في الأزمات.
من هذه الزاوية يمكن صياغة المقاربة العملية لسياسات أوباما المرتقبة بلهف. العالم لن ينتظر لمضي وقت طويل من السنوات الأربع المقررة للرئيس الأميركي. الأزمة المالية تشكل عنصراً ضاغطاً على عصب الجهاز الدبلوماسي في العديد من العواصم. واشنطن نفسها تريد تفاهماً مع موسكو في شأن «الفضاء السوفياتي» في آسيا الوسطى كما الترسانة النووية. إدارة أوباما تأمل في تعاون إيراني على جبهتي أفغانستان والعراق. أميركا تتطلع إلى دعم صيني لبلوغ نهايات سعيدة مع كوريا الشمالية.
دون إحداث تحولات جذرية في الاستراتيجية الأميركية لن يحدث تقدماً على أي من هذه المسارات. نحن العرب لن نعوِّل على تفكيك أي من أزماتنا المتشابكة مع أميركا ما لم نر ملمحاً من الأمل على أي من تلك الجبهات.