بعد ثماني سنوات من حكم الرئيس بوش الابن في البيت الأبيض قضاها في إدارة الحروب والنزاعات وتكريس المشاكل والأزمات داخل الولايات المتحدة وخارجها، توقع الكثيرون في العالم أن يأتي الرئيس الجديد أوباما بسياسة أخرى تماما، خاصة مع تصريحاته الكثيرة الناقدة بشدة لسياسة إدارة بوش. وبوصول أوباما للحكم بدا بالفعل أنه صادق في نواياه حيث بدأ بتوزيع رسائل السلام والاطمئنان وفتح الحوار والتفاهم مع كافة الجبهات من روسيا إلى إيران وفنزويلا وكوبا وإلى المسلمين عن طريق تركيا وبتأكيده على اقتراب موعد سحب القوات الأميركية من العراق.
ورغم كل هذه الصورة الوردية المفعمة بالتفاؤل نجد أن أوباما منذ وصوله للحكم مصمم على الحرب في أفغانستان، رغم تصريحات بعض مسؤولي إدارته بإمكانية فتح حوار مع المعتدلين من طالبان، وكأن أوباما لا يستطيع أن يصدق بأنه أصبح بالفعل رئيسا للولايات المتحدة إلا إذا خاض حروبا أو هدد بها، فهذه سمة رئيسية بدونها لا يكون الشخص رئيسا حقيقيا للولايات المتحدة، وربما خشي أوباما أن تنقضي فترة حكمه بدون هذه السمة فأراد أن يستغل فرصة وجود عدو في أفغانستان ليحقق به هذا الطموح، حتى ولو كان هذا العدو من ميراث سلفه بوش، لهذا بادر أوباما بالتصريح بأن الحرب في أفغانستان هي الحرب الحقيقية ضد الإرهاب، متناسيا أن هذه الحرب سيكون ضحاياها في الغالب من المسلمين الذين يسعى أوباما لفتح صفحة جديدة معهم.
انقسام في الناتو
الحالة في أفغانستان لا تطمئن، وطالبان تتقدم وتسيطر على أجزاء ومدن كثيرة وتهدد العاصمة كابول وتنفذ فيها عمليات هجومية شرسة ضد منشآت حكومية، والأمن شبه منعدم، والأفغان يخشون على حياتهم ليل نهار، وأكثر من ستين ألف جندي من الناتو لا يستطيعون قهر طالبان وتقع بينهم خسائر كثيرة بين قتلى تجاوز عددهم الألف وجرحى تجاوزوا عدة الاف، بينما ترفض معظم الدول أعضاء حلف الناتو المشاركة في القتال في الجنوب وتكتفي بحفظ الأمن والاستقرار في الشمال.
في أول زيارة خارجية للرئيس أوباما في كندا كان الهدف هو إقناع الحكومة الكندية بعدم سحب قواتها من أفغانستان، ولكن رئيس الحكومة الكندي ستيفن هاربر في المؤتمر الصحافي مع أوباما أكد أن قرار سحب القوات لا رجعة فيه، وقال هاربر ان الأمن في أفغانستان يجب أن يكون مهمة الأفغان أنفسهم، وهو ما أكده الحلفاء الأوروبيون في مؤتمر ميونخ للأمن الدولي في فبراير الماضي، الأمر الذي بدا معه وجود انقسام حقيقي وجاد داخل الحلف، وهكذا بعد أن كان العراق مشكلة حلف الناتو أصبحت أفغانستان نقطة الخلاف الرئيسية داخل الحلف.
خدعة أميركية
في اجتماع لجنة الأمن في حلف الناتو في بروكسل في مارس الماضي تمت مناقشة الخطة الإستراتيجية الأميركية في أفغانستان، وعرض الخطة المسؤول الأميركي عن ملف أفغانستان وباكستان ريتشارد هولبروك، وتضمنت الخطة مسائل اجتماعية مثل تطوير الزراعة والصحة والتعليم في أفغانستان، وقال هولبروك ان واشنطن تنوي إرسال خبراء مختصين يساعدون الشعب الأفغاني على زراعة محاصيل أخرى بخلاف الأفيون والمخدرات، وخبراء في الصحة والتعليم.
ولكن على ما يبدو أن أعضاء الحلف لم يقتنعوا بالخطة الأميركية واعتبروها غير واقعية، بل ان البعض اعتبرها خدعة أميركية لإقناع الأوروبيين بأن واشنطن لا تسعى في أفغانستان للحرب فقط بل أيضا للتعمير والبناء، وتساءل الأوروبيون كيف يمكن إقناع الأفغان بترك زراعة المخدرات التي تجلب لهم أرباحا بالملايين من الدولارات وتعليمهم زراعات أخرى مجهدة وشاقة لا تدر لهم أي ربح، وما فائدة المدارس والمستشفيات في هذا الاضطراب الأمني، ومن أين للأفغان بالآلاف من الأطباء والمدرسين.
في واشنطن يعلمون جيدا أنه بدون الحلفاء سيكون الفشل حتميا في أفغانستان، هذا بخلاف مشكلة توصيل الإمدادات والمعدات للقوات داخل أفغانستان، والتي لا تزال قائمة بدون حل، حيث رفضت تركمانستان ورئيسها بردي محمدوف السماح بعبور أية معدات عسكرية لأفغانستان عبر أراضيها، ووافقوا فقط على المساعدات الإنسانية، وكان هذا نفس موقف طاجيكستان وأوزبكستان، كذلك روسيا التي لم توافق على ترانزيت للمعدات العسكرية لقوات الحلف في أفغانستان عبر أراضيها.
صقور الحرب
المهمة الأميركية في أفغانستان معقدة للغاية وتواجه عقبات كثيرة، ورغم هذا يصمم أوباما على الاستمرار فيها، والجميع يطرح حل الحوار مع طالبان، وطالبان توافق على الحوار بعد خروج جميع القوات الأجنبية من أفغانستان، بل تتعهد طالبان بأنها ستوقف القتال تماما في حالة مغادرة القوات الأجنبية للأراضي الأفغانية. لقد قرر أوباما إرسال المزيد من القوات الأميركية لمواصلة القتال في أفغانستان، وربما لا يدري أوباما ماذا ينتظر هذه القوات هناك، حيث يعتقد الكثيرون أن أوباما غير ليس من أنصار الحرب وليست لديه قناعة بالحرب في أفغانستان أو غيرها.
ولكن هناك في واشنطن من صقور الحرب من يقنعونه بأن الحرب على الإرهاب في أفغانستان حتمية ولا مفر منها، لكنهم لا يقدمون له أية ضمانات على النصر في هذه الحرب ولا يحددون له نتائجها الفعلية واحتمالات خسائرها، وأوباما من جانبه لا يستطيع من البداية أن يرفض كل شيء وإلا تعرض لمصير كينيدي الذي رفض الحرب في فيتنام فاغتالوه وجاء بعده جونسون ليذهب للحرب.
موقع أفغانستان المتميز أجبرها رغم أنفها على الدخول في موازين وإستراتيجيات الدول والإمبراطوريات العظمى على مدى أكثر من قرن مضى، وكان بديهيا أن تنال الاهتمام الأكبر من كل من موسكو وواشنطن، وإن لم تنل الاهتمام المتوقع من إدارة الرئيس الأميركي السابق بوش بسبب تركيز اليمين المحافظ الجمهوري على العراق بسبب النفط، فقد عاد الديمقراطيون أصحاب الإستراتيجيات الواسعة النطاق ليعطوها الاهتمام الأكبر، وهو الأمر الذي كانت تتوقعه موسكو وتعلم أنه سيحدث، لهذا لم يكن غريبا ولا مفاجئا للروس أن تقرر إدارة الرئيس أوباما تخفيف الوجود العسكري في العراق وإرسال المزيد من القوات إلى أفغانستان.
منظمة شنغهاي
تتمتع أفغانستان بموقع إستراتيجي متميز على الحدود مع الصين وإيران ودول وسط آسيا المحيطة بروسيا جنوبا وباكستان وجارتها الهند، ولن تجد واشنطن موقعا أفضل من هذا تمارس فيه خططها الإستراتيجية في القارة الآسيوية، وقد تنبهت كل من الصين وروسيا لهذا الأمر بعد أحداث 11 سبتمبر عام 2001، ولهذا نشطت منظمة «شنغهاي للتعاون» بقيادة موسكو وبكين واستطاعت طرد القواعد الأميركية العسكرية من بلدان وسط اسيا.
ومع قرار إدارة أوباما بالتركيز على أفغانستان وتوجيه القوات العسكرية إليها، عادت منظمة شنغهاي لتفعيل نشاطها في مواجهة التحرك العسكري الأميركي في وسط أسيا، وانعقد في موسكو في 27 من مارس الماضي مؤتمرا برعاية منظمة »شنغهاي للتعاون« شارك فيه العديد من دول العالم والاتحاد الأوروبي، وناقش المؤتمر خطط وبرامج إقرار السلام والاستقرار وإعادة البناء والتعمير في أفغانستان، ولم يعط المؤتمر اهتماما كبيرا للجوانب العسكرية ومقاومة طالبان معتبرا أن هذه مهمة القوات الأميركية والبريطانية إن كانوا فعلا صادقين ويريدون حقا القضاء على طالبان.
وأعلنت الصين وروسيا تقديم مساعدات مالية كبيرة للتعمير في أفغانستان، علما بأن البلدين كانا قد أعلنا عن إعفاء أفغانستان من ديون تقدر بمئات الملايين من الدولارات، كما رحب الأوروبيون كثيرا بقرارات مؤتمر موسكو، وقرر الاتحاد الأوروبي تخصيص مبلغ عشرة مليارات يورو من أجل التعمير والبناء في أفغانستان.
إستراتيجية أوباما
على الجانب الآخر أبدت واشنطن «ظاهريا» ترحيبها بقرارات مؤتمر موسكو، ولكن إدارة الرئيس أوباما منذ وصولها للبيت الأبيض وحتى الآن لم تتحدث عن أية مشاريع بناء وتنمية في أفغانستان، بل على العكس رفضت أكثر من مرة أطروحات الأوروبيين، وخاصة ألمانيا وفرنسا وإيطاليا التي كانت تطرح دعم الاستقرار والبناء والتعمير والنهضة الاجتماعية في أفغانستان كسبيل لدعم النظام هناك ونهضة الشعب الأفغاني في مواجهة طالبان والتنظيمات الإرهابية، واعتبر الأوروبيون أن تقدم طالبان وترحيب العديد من القبائل الأفغانية بها إنما يرجع في الأساس للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية السيئة هناك والتركيز على القتال فقط.
الرئيس الأميركي أوباما كشف النقاب عن الإستراتيجية الجديدة التي سيتبعها في أفغانستان وتوعد ب»تصفية« قادة طالبان واستئصال تنظيم (القاعدة) في باكستان، وطلب من الكونغرس الموافقة على زيادة الاعتمادات المالية إلى أفغانستان وباكستان، وأكد أوباما أن إسلام أباد يجب أن تكون «شريكاً» للولايات المتحدة في عملية ملاحقة تنظيم القاعدة، مشيراً إلى «معلومات استخباراتية» تفيد بوجود أسامة بن لادن وأيمن الظواهري في باكستان، وكأنه اكتشف سرا خطيرا لا يعرفه أحد!!، وهو الذي سبق أن صرح بأنه لا يثق كثيرا في معلومات الاستخبارات الأميركية.
كما أمر أوباما بإرسال 17 ألف جندي أميركي إضافي إلى أفغانستان، وقال أوباما: «إن هذه الزيادة ضرورية لتحقيق الاستقرار في أفغانستان، التي تشهد تدهوراً في الأوضاع الأمنية، ولم تلق الاهتمام الإستراتيجي الكافي».
د. مغازي البدراوي