لا تزال موريتانيا تعيش أزمة سياسية حادة، منذ ما يقارب السنة، دون أن تجد الطبقة السياسية فيها طريقا وسطا يفضي إلى حلول عقلانية قابلة للتطبيق. بل يبدو وكأن أطراف الأزمة، أو معظمهم، يتنافسون في التأزيم ووضع العقبات في وجه أي حل توافقي يجنب البلاد مخاطر الانزلاق نحو هاوية الفوضى والتفكك.

فالأزمة التي بدأت، أو ظهرت للعلن، منذ مايو 2008 وتفاقمت بعد انقلاب السادس من أغسطس الماضي، لم تفلح المبادرات المحلية ولا الوساطات الخارجية في حلها أو التخفيف من حدتها، إذ يحتكر كل طرف لنفسه الحقيقة والمشروعية، دون اعتبار لرؤى الآخرين ومواقفهم، فضلا عن مصالح الشعب ومصير الوطن.

والواقع أن الحقيقة ليست حكرا على أي طرف ولا هي من نصيب طرف واحد دون غيره، ف«الشرعية» الانتخابية التي ينادي بها أنصار الرئيس المطاح صحيحة، بغض النظر عن أي تحفظات على كيفية حصولها، لكنها هي ذات «الشرعية» التي يتمتع بها نواب البرلمان وشيوخه الذين كانوا طرفا أساسيا في معارضة سياسات الرئيس السابق والانقلاب عليه، كما هي شرعية المنتخبين المحليين الذين انضموا إليهم وساندوهم. وإذا كان الانقلاب بالقوة على رئيس «منتخب» مرفوضا من حيث المبدأ، فإن الانتخاب لا يعني، ولا يمكن أن يعني أبداً، صكا على بياض ليتصرف المنتخب كأي حاكم مستبد، دون اعتبار للرأي الآخر أو مراعاة للمصالح العليا للدولة والوطن، ولو بحجة الشرعية والديمقراطية!

وفي كل الأحوال فإن من ينادي بالشرعية الانتخابية ويطالب بالديمقراطية، ينبغي ألا يخشى أو يرفض الاحتكام إلى مصدر هذه الشرعية وصاحب المصلحة الحقيقية في الديمقراطية الحقيقية، وهو الشعب. إن ما يهم الشعب الموريتاني الذي عانى طويلا من الصراع على السلطة بين فئات محدودة من سياسييه ومفسديه، ليس اسم الرئيس أو شكله، جنرال هو أم «كابورال»، طاعن في السن أو غِرٌّ مبتدئ، وربما أيضا ليس كيف وصل إلى السلطة، بقدر ما يهمه ما يقدمه أو يمكن أن يقدمه هذا الرئيس لشعبه ووطنه، ولو بالحد الأدنى من الأمن والسلم والاحتياجات الأولية، وهو ما لم يتحقق طوال العقود الماضية ولا في فترة حكم الرئيس السابق، رغم تقديرنا لشخصه ومحتده.

وإذا كان هذا الشعب المثابر والمصابر، قدم ويقدم الكثير من التضحيات والمعاناة في سبيل ديمقراطية سليمة، تكفل للجميع المشاركة والمساواة في الحقوق والواجبات وفي الامتيازات أيضا، فإن الخيار الأول بالنسبة لهذا الشعب هو خيار الاستقرار والاطمئنان، إذ بدونهما لا حرية ولا مساواة ولا ديمقراطية، ولا شيء مما يتطلع إليه الموريتانيون. ولا شك أن ديمقراطية حقيقية تحترم خيارات الشعب ومصالحه، لا يمكن أن تتحقق بالاعتماد على مواقف ومصالح قوى خارجية أجنبية أو بالارتماء في أحضانها، خاصة في عالم مأزوم ومشغول بأزماته ومشاكله الخانقة، وتحرص كل قوة فيه على التمسك أطول فترة ممكنة بما تبقى لها من مواقع ونفوذ، ولو على حساب «مبادئها« ومصالح غيرها.

ولا جديد في ذلك على أي حال، فالدول لا تبحث إلا عن مصالحها الخاصة وما يعزز دورها ونفوذها، وهذا حقها ودورها الطبيعي، وعلى الآخرين أن يحددوا مصالحهم ويعرفوا كيف يحققونها ويحافظون عليها. لقد آن الأوان لإدراك أن موازين القوى وقواعد اللعبة السياسية الدولية لم تعد كما كانت، وأن العالم بدأ يتغير فعلا، ويجب أن يتغير.. وموريتانيا جزء من هذا العالم.