مراوحة المفاوضات الفلسطينية في القاهرة مكانها ـ نحو شهر ونصف الشهر ـ تعكس تجليات أزمة قُطرية وقومية مزمنة. الانقسام الفلسطيني الذي وصل حد التشظي غير المنطقي يشكل في أحد جوانبه إفرازاً تلقائياً لقاعدة مهترئة. هو في جانب آخر يرمِّز لإخفاق نخبة قومية مثيرة للحيرة مثلما هي ـ النخبة ـ مثيرة للجدل.
القاعدة الفلسطينية ترزح تحت أثقال جيوبوليتيكية وسيسيولوجية مهولة. معاناة المجتمعات في الجوار ليست بأفضل كثيراً من وطأة الاحتلال. المغامرتان الحياتيتان فرضتا حياة غير طبيعية في ظروف استثنائية. مع أن المشوار الفلسطيني اليومي أصبح ـ تحت الاحتلال أو في المخيم ـ جهداً سياسياً، إلا أن الأداء السياسي الفلسطيني العام التبس بالفشل أكثر من التوق إلى النجاح. عوضاً عن الوحدة غلب التشظي التنظيمي. بدلاً من التلاقي عند مشروع وطني ساد التباين في الرؤى. التنظيمات السياسية المنفلتة من ربقة العشائرية لم تنج من تقاطعات المخيمات. ظروف العمل السري أسبغت على العديد من التنظيمات طابع العصبوية. روح «الأبضاي» كرّست مفهوم الولاء للرأس. تضخيم الزعامة ساهم في تعزيز ظاهرة التماهي بين الزعيم والتنظيم.
البعض راهن عند ولادة مشروع الدولة الفلسطينية على نظام وطني يبدأ من حيث انتهت الأنظمة العربية العتيقة. النخبة الفلسطينية أثبتت مبكراً إخفاق الرهان. السلطة الفلسطينية الوليدة لم تأت فقط انعكاساً لأزمة بنيوية مستحكمة. أكثر من ذلك لم تتجاوز مأزق الأنظمة العربية الخانق. دور الزعيم أكبر دوماً من التنظيم. الشللية غلبت على تباين الرؤى. البراغماتية غيّبت المشروع الوطني. مراكز القوى أضاعت المؤسسية. الفساد طغى على الإنجاز. الاستئثار الذاتي حل مكان الجهد الجماعي من أجل الوطن والمواطن. الانفراد بالقرار قضى على ما تبقى من التنظيم والمؤسسة.
تلك هي أمراض النخب العربية على اتساع رقعة الوطن. الفلسطينية ليست استثناء. العجز عن إنجاز المشروع الوطني يساهم في توسيع الهوة بين المواطن والسلطة. سؤال ملح يفرض نفسه على امتداد الخارطة العربية: لماذا تخفق النخب العربية ـ بغض النظر عن مشاربها اليسارية واليمينية ـ إزاء تحقيق طموحات شعوبها؟.. الإجابة تكاد تتجاوز المسألة البنيوية إلى معضلة جينية. كلما صعد فريق نخبوي هرم السلطة بانت سوءاته. بعض يكشف أسوأ ما لديه وهو عند سفح الهرم. الانخراط في الصراعات الداخلية والاشتباك مع النخب المعارضة تشكل ظاهرة عربية. تغييب الآخر ذهب حد مطاردته ونفيه في الداخل أو الخارج. من ينتظر إذاً الحوار على الصعيد الوطني يصبح مخبولاً. كما فقدت النخب العربية التصالح مع بعضها البعض فشلت في المصالحة مع شعوبها. أيما نظرة على المشرق والمغرب يرتد البصر حسيراً بالكآبة والإحباط.
الانقسام الفلسطيني ذهب بالسلطة الوطنية إلى سلطتين، وبمشروع الدولة الخديج إلى خديجين. في ظل هذا التشظّي يصعب الرهان على الخروج من المستنقع.
المشروع الفلسطيني ملتبس بالعجز القومي مثلما هو نتاج للتشظي والتشوهات على الصعيد الوطني. في غياب الحد الأدنى من الانسجام يصبح الحديث عن برنامج للتوافق الوطني رهاناً خاسراً. حينما تصبح المخابرات مرجعية الحوار يمكن قراءة المشروع المطروح تحت الطاولة. القفز فوق الواقع المرير ضريبة فلسطينية واجبة السداد على نحو فوري. ذلك جهد يبدو فوق قدرة المتحاورين في القاهرة.