يكاد مراقبو الشأن الأميركي يجمعون على أن باراك أوباما رجل سعيد الحظ بكل معنى.. ورغم أن هذا الطالع السعيد يمكن تفسيره من واقع سيرة حياة الرئيس الأميركي الجديد، ما بين تواضع البداية إلى قمة النجاح.. إلا أن هذا الحظ الحسن ينبع في تصورنا أيضا من حقيقة جوهرية هي أن باراك أوباما جاء بعد جورج بوش..

وبالتحديد جاء بعد 8 سنوات عجاف من حكم المحافظين الجدد الذين أشعلوا حروبا وأثاروا عداوات، وأفسحوا أكثر من مجال لقوى التعصب العرقي والعقائدي وتسلط آلة الحكم وصولجان الدولة، أولا في داخل الولايات المتحدة ذاتها حيث شعر القوم بأنهم يعيشون صفحات من رواية الكاتب الإنجليزي «جورج أورويل» بعنوانها الشهير (عام 1984) وهي تُصور نظاما يقوم على مراقبة الدولة لرعاياها واقتحام أدق خصوصياتهم ومداومة التفتيش في ضمائرهم.

أما في الخارج فيكفي شعارات المحافظين الجدد.. التي طالما رددتها قياداتهم ما بين السيدة كوندوليزا رايس إلى بول وولفوفيتز نائب وزير الدفاع سابقا بشأن الفوضى المنظمة أو إعادة تشكيل العالم ـ أو إعلان حالة قتال ضروس بغير هوادة ولا نهاية تحت شعار «الحرب على الإرهاب»، فما بالك بالشعار الأخطر الذي تم تكريسه في الخطاب السياسي الأميركي طيلة السنوات الثماني الماضية ولاسيما على لسان الرئيس السابق وهو: من ليس معنا .. فهو مع .. الإرهاب!

عن آليات التفكيك

يكاد المراقب السياسي يشعر أن ثمة عملية تتم حثيثا في أميركا هذه الأيام من آلياتها ما يتبدى ظاهرا للعيان، ومنها أيضا ما لا يزال مستترا تحت السطح، عملية يمكن أن نطلق عليها التوصيف التالي: تفكيك تركة المحافظين الجدد.

وإذا كان يعنينا بداهة ما قد نرصده طافيا فوق سطح الأحداث، فلن تغيب عنا المبادرة التي سبقت إليها وزيرة الخارجية الحالية هيلاري كلينتون حين أعلنت مؤخرا تخلي الإدارة الأميركية عن شعار «الحرب على الإرهاب».

صحيح أن هذا التخلي جاء في إطار محدود. لكنه جاء في الوقت نفسه آية على أن القوم باتوا يدركون أهمية المضي في مسيرة التفكيك التعويضية كما قد نفهمها من أجل استرجاع ما اصطلحت عليه الأدبيات السياسية في أميركا تحت عبارة «قلوب وعقول الشعوب» وبعد أن تحولت هذه الأفئدة والأذهان بزاوية أكثر من منفرجة بعيدا عن التعاطف مع الشأن والسياسة والطروحات التي ظلت تصدر عن واشنطن على مدار السنوات الثماني الماضية.

وبديهي أيضا أن أقٌرب الفرقاء إلى قلوب وعقول الأميركيين هم شركاؤهم وبعضهم من أبناء العمومة كما نتصور في أوروبا الغربية.. تلك هي أوروبا التي تضمها مع أميركا الشراكة عبر الأطلسي. وهي القارة ـ الأم التي ما زالت تحوي جذور الوجود الأميركي ذاته.. من حيث اللغة والثقافة والمصالح أيضا.. وهي نفس القارة التي طالما أصابتها رؤى ومواقف الاستهانة من طرف أركان البنتاجون الأميركي، الذين ظلوا يطلقون على أوروبا وصف «القارة العجوز» وكان على رأسهم وزير الدفاع السابق دونالد رامسفيلد الذي ذاعت منذ سنوات قليلة مقولته الشهيرة:

ـ إن الأوروبيين قوم من «فينوس» (آية على الرخاوة وسقوط الهمة) بينما الأميركيون قوم من مارْس (آية على الشجاعة والصلابة) في إشارة بالغمز واللمز إلى ربة الجمال وإلى إله الحرب في أساطير الرومان.

مهام الإدارة الجديدة

من هنا وبقدر ما بدأ أوباما الجديد ينعم بإيجابيات مقارنة لصالح قيادته وإدارته بالنسبة إلى بوش القديم ـ بقدر ما أن الإدارة المستجدة في البيت الأبيض أصبحت مطالبة بالشروع في ترميم الجسور مع أبناء العمومة وشركاء الثقافة ومعهم أيضا أطراف التحالف الأطلسي العتيد على صعيد قارة أوروبا بأسرها. في ضوء هذا كله جاءت رحلة الرئيس أوباما الأخيرة إلى القارة الأوروبية.

الصورة والشجن

كان طبيعيا أن تتدفق في وصف وتحليل الرحلة .. وقائعها وفعالياتها أنهار من نواتج ميديا الصورة والصوت والمطابع على السواء. لكن هناك نقاطا يمكن أن نسترعي الأنظار إليها في متابعة هذه الوقائع ونحاول طرحها بإيجاز على النحو التالي:

1ـ إن الرحلة الأوروبية حققت نجاحا مشهودا في مضمار العلاقات العامة.. في مجال الصورة المنطبعة بالذات في أذهان جماهير أوروبا عن الأسرة الأميركية الأولى: باراك والزوجة ميشيل والابنتين: في هذا الإطار بالذات جاء استدعاء صورة سبقت تاريخيا إلى الوجدان الأوروبي.. وهو استدعاء بذكريات الشجن.. لأن الصورة الأولى يكاد عمرها يقارب الخمسين عاما من عمر زماننا.. وهي صورة الرئيس الأميركي الأسبق جون كينيدي ومعه زوجته جاكلين وطفلاه جون الابن وكارولين. ثم تزداد شحنة الشجن من واقع أن كينيدي كان بدوره رئيسا شابا مثل أوباما.. وكان قائدا واعدا ومثقفا جاء من صفوف مجلس الشيوخ في الكونجرس.. لكن انتهت حياته القصيرة في حادثة اغتيال مفجعة أضفت على سيرته، ومن ثم صورته المنطبعة أبعادا أقرب لتراجيديا الإغريق.

2ـ في الجانب الاقتصادي: يسلم المراقبون بأن أوباما لم يحقق نجاحات ناجزه أو حاسمة أو مرموقة حيث لم يسلّم اجتماع مجموعة العشرين الاقتصادي في لندن بكل ما دعا إليه الضيف القادم من أميركا، وخاصة ما يتعلق بسياسة ضخ الأموال ـ في حدود أرقام التريليون في أوصال منظومة الاقتصاد.. وبدلا من ذلك رفع بعض الحلفاء والشركاء في وجه أوباما وجوقته الاقتصادية دعوة مغايرة إلى ترشيد النظم المعمول بها، والعودة إلى مراقبة مسير الاقتصاد وتدخل الدولة وتفعيل القيود التنظيمية بعد أن أدت السياسات التي طالما حملت ـ ظلما وادعاء ـ شعارات «التحرير الاقتصادي» البراقة إلى الكوارث الراهنة التي حاقت بالاقتصادات الوطنية في الغرب وهياكل الاقتصاد العالمي.. وهي الشعارات الموروثة منذ أيام تاتشر في انجلترا وريجان في الولايات المتحدة.

3ـ ومن دلالات الجولة الأوروبية لأوباما ذلك الشعور الإيجابي الذي ساد أوساطا شتى من المهاجرين المقيمين في ربوع القارة العتيدة، وهم يلمحون ويتابعون رئيسا جاء عبر الأطلسي: بشرته داكنة.. وبداياته متواضعة وهي بدايات متشابكة العناصر.. ومدخلات بعضها من فوق بعض ـ ما بين المدخل المسلم والمدخل المسيحي والمدخل الفقير والمدخل التعليمي والمدخل الشعبي .. والمدخل النضالي.. والمدخل الشبابي.. ألا يشكل هذا كله تجسيدا لأمل قد يراود وجدان قطاعات من الوافدين والمهاجرين على اختلاف الأوطان والألوان والطبقات والعقائد والأديان؟

4ـ تبقى زيارة أوباما إلى تركيا.. صحيح أن زيارته إلى أكثر من دولة أوروبية بين الغرب والوسط (دولة التشيك مثلا) اكتسبت أبعادا احتفالية وسياسية على أساس تمتين العلاقات بين أمريكا والاتحاد الأوروبي.. إلا أن الصحيح أيضا أن لحن الختام الذي جسدته زيارته إلى تركيا جاء ليكتسب أبعادا رمزية لا تخفى دلالتها.

التواصل مع العالم الإسلامي

من هنا كان من حق «هيلين كوبر» أن تكتب من أنقرة (نيويورك تايمز 7/4) لتصف الزيارة التركية بأنها «خطوة البداية» للاقتراب من أجل التواصل بين أوباما والعالم الإسلامي. وكان طبيعيا من ثم أن يؤكد الرئيس الأميركي أمام البرلمان التركي أمرا طالما تناسته الإدارة السابقة حين قال: أن الولايات المتحدة ليست في حرب ولن تخوض أي حرب مع الإسلام.. (بل) إننا نسعى إلى شراكة أوسع نطاقا تقوم على أساس المصالح المتبادلة والاحترام المتبادل.

وهنا تلاحظ جريدة «التايمز» أن أوباما يتحول من مجال العلاقات العامة.. وبث الصورة المستجدة عن عائلة رئاسية قادمة من واشنطون.. إلى مجال أكثر نضجا، وربما أكثر عمقا. ومن ثم توضح الصحيفة الأميركية أن الرجل كان يصدر عن ثقة أعمق في النفس وهو يقف فوق منصة البرلمان التركي في أنقرة.. ليتكلم في بلد أغلبيته مسلمون ولأول مرة، فيما بدا الرئيس الأميركي وقد اتخذ استعداداته بكل دقة وعناية ليطرح سطرا مهما بعينه في سياق خطابه المسهب بكل ما تناوله من قضايا.. وقد مهد أوباما السياق قائلا:

ـ لقد زاد الوجود الأميركي ثراء بفضل الأميركيين ي المسلمين.. وهناك الكثير من سائر الأميركان ممن تضم عائلاتهم أفرادا مسلمين.. أو ممن عاشوا فترات في بلد ذي أغلبية مسلمة.. بعدها جاء السطر الموعود من ست كلمات لا غير: أنا أعرف ذلك.. لأنني واحد منهم.

لحظتها أمسك باراك أوباما لحظة عن الحديث كان ينتظر نقل هذه الكلمات بواسطة المترجم الفوري إلى أعضاء البرلمان..

وانقضت خمس ثوان.

بعدها ضجت القاعة بالتصفيق.

وهنا أيضا تعلق هيلين كوبر قائلة: كان سطرا شجاعا بحق من جانب المستر أوباما الذي وصفوه عن غير حق بأنه فرد مسلم. وهو ادعاء ما زال مطروحا على مواقع إلكترونية عديدة ينتمي أصحابها إلى جناح اليمين اليساري في أميريكا.

زيارة المسجد الأزرق

والحق أن حارت البرية في إدعاء الانتماء إلى جزء من شخصية باراك أوباما: الرجل يصف نفسه بأنه مؤمن بالمسيحية.. وهناك من يدعون ـ كما ألمحنا ـ بأنه مسلم.. وبل طفت على السطح مع أوائل أبريل الحالي مقولات في ميديا الإعلام الأمريكي تربط بين أوباما وبين جماعات اليهود السود الأميركان! وهم أقلية ذات أصول أفريقية ـ إثيوبية بالذات ولدرجة القول بأن من قياداتهم الدينية من تربطه صلات نسب ومصاهرة مع أوباما عن طريق زوجته ميشيل.

والنظرة الموضوعية إلى مثل هذه الأمور ترى أن من حق الرئيس الأميركي الشاب أن يكون كما يشاء، وأن الأجدى أن يظل على هذا المنطلق الإيجابي من التعايش والتواؤم والتوافق بين العقائد والأديان.. والفيصل هنا هو مساحة المصالح المشتركة بعيدا عن ضجيج العواطف وصخب الشعارات. هذا هو المنطلق الواقعي، البرغماتي الذي انطلقت منه افتتاحية «التايمز» حين كتبت يوم 4 أبريل الحالي تقول: شاءت حكمة الرئيس أوباما أن يزور تركيا خلال زيارته الرسمية التي قام بها إلى أوروبا. والحق أن أمريكا بحاجة إلى تعاون تركيا: في العراق وفي أفغانستان.. وأيضا في العلاقات مع إيران وفي جهود التوسط إلى سلام في الشرق الأوسط.

وإذا كنا قد لاحظنا من تحليلات «التايمز» دعوتها إلى تأييد انضمام تركيا إلى مسيرة الاتحاد الأوروبي، فثمة مقال آخر يأتي من اسطنبول وتنشره الجريدة الأمريكية بقلم الكاتب التركي «أصلي أرينتسباس» يقول فيه: إن زيارة أوباما إلى تركيا سوف تزيد ولا شك من شعبية أمريكا في العالم الإسلامي، خاصة وقد تضمنت زيارته إلى المسجد الأزرق في اسطنبول (يقصد مسجد السلطان أحمد المشيّد عام 1609)، مما سيكون له أصداء إيجابية تتردد ولا شك فيما يتجاوز حدود تركيا ذاتها

محمد الخولي