من المؤكد أن نائب الرئيس الأميركي السابق ديك تشيني ـ 68 عاماً ـ يندب حظه على ما وصل إليه حاله بعد ما قدمه للبلاد من مهام تجعله ـ من وجهة نظره ـ في إطار الرواد. فمن الصحفي سيمور هيرش مرورا بالمتحدث الجديد باسم البيت الأبيض حيث كان يصول ويجول ذات يوم انتهاء بالرئيس الحالي أوباما .. واللعنات تنهال عليه حتى يبدو للمرء وكأنه «أبو المصائب». فهو رئيس جناح اغتيالات غير شرعي حسبما كشف هيرش كان يقوم بمهامه دون علم الكونغرس الأميركي. وقد كان الجناح، وهو وحدة سرية، يقوم باغتيال شخصيات محددة في دول أخرى دون إعلام رئيس السي أي أيه أو حتى السفير الأميركي في الدولة المعنية.

ولم يكد تشيني يتلقى هذه اللطمة حتى كانت الأخرى من المتحدث باسم البيت الأبيض الذي وصفه بأنه جزء من «جماعة تآمرية جمهورية».. أما أوباما فقد نفذ إلى الجوهر وراح يشير إلى أن تشيني لم يجلب لأميركا سوى الاحتقار وليس الأمن.

بهذه اللطمات عاد تشيني مرة ثانية إلى الأضواء التي ظن الكثيرون أنها ستنحسر عنه بعد أن توارت فترة حكم الرئيس بوش الابن أو حكمه هو بمعنى أصح حيث تذكر مصادر أنه كان يدير عقل بوش كما يدير المرء الخاتم في أصبعه. من النوادر التي تذكر في هذا الصدد أن بوش كان يستمع لكل آراء مستشاريه ولكنه في النهاية يسأل سؤالا غاية في الأهمية قبل أن يتخذ القرار وهو: ما رأي ديك؟

وإذا كان ذلك يكشف عن حسنات الحياة السياسية الأميركية كما يكشف عن عيوبها، فإن الأضواء يبدو أنها لن تنحسر عن تشيني إذا ما بدأ البحث والتقصي بشأن الاتهامات التي تحدث عنها هيرش بشأن وحدة الاغتيالات السرية، الأمر الذي يجعل من التوصيف الذي أطلق عليه من قبيل المزاح حقيقي، فمما يروى في هذا الصدد أن أحد المقربين من تشيني فكر فيما لو كانت له مهنة أخرى غير السياسة وبعد تفكير توصل إلى أن هذه المهنة كان يمكن أن تكون متعهدا لدفن الموتى نظرا لطبيعة شخصيته التي تتسم بإقصاء العاطفة والتزام الصمت والحذر!

ولعل تلك الطبيعة تكشف عن سر عدم توافقه مع شخصية مثل كولين باول وزير الخارجية الأسبق الذي لقي الارتياح على كافة المستويات، وهو ما جعل هذا الأخير يشترط عدم تدخل تشيني في وزارته لقبل بتسلم حقيبة الخارجية في الحكومة الأميركية. ومع ذلك فقد تمكن تشيني من تنغيص حياة باول وطرح كفاءته موضع شك في الصحافة الأميركية.

ويبدو أن نهم تشيني لم يقتصر على صعوده سياسياً وإنما امتد إلى الاقتصاد وفي ذلك فقد لاحقته الفضائح المالية ومما يتداول من معلومات في هذا الخصوص أن عمل تشيني في هاليبرتون يقدم مثالاً واضحاً على إثراء رؤساء الشركات في الوقت الذي يخسر فيه حملة الأسهم أموالهم. فقد كان تشيني يحصل على ما يقرب من مليوني دولار سنوياً كراتب وعلاوات أخرى. ووفقاً لإحصاء قامت به نيوزويك بناءً على وثائق هاليبرتون ومعلومات أخرى من مجموعة «تومسون ويلث مانجمنت» فإن تشيني جمع 45 مليون دولار في أقل من خمس سنوات وكان ما يقرب من ثلثي ما حصل عليه 5,18 مليون دولار من أرباح الأسهم ونحو 10 ملايين دولار من مبيعات الأسهم حصل عليها في أغسطس 2000.

ورغم تاريخه الحافل حيث عمل في الحياة السياسية سنة 1969 عندما التحق بإدارة الرئيس نيكسون، فضلا عن المناصب السياسية العديدة والرئيسية التي شغلها فيما بعد وكان آخرها نائب الرئيس بوش، إلى جانب إدارته لأكبر حملتين عسكريتين في التاريخ الحديث في بنما وحرب الخليج الثانية، إلا أن سيرة تشيني ستظل تقترن بالنتائج الكارثية التي واجهتها الولايات المتحدة خلال ثماني سنوات عجاف مثلت فترتي حكم بوش الإبن