أشاع تسلم زعيم حزب الليكود اليميني بنيامين نتانياهو رئاسة الحكومة في إسرائيل جواً من الترقب والحذر في سوريا نظراً لما تحمله تشكيله الحكومة الإسرائيلية الجديدة من توجهات يمينية متطرفة أبرزها انضمام حزب «إسرائيل بيتنا» لهذه الحكومة وتسلم زعيم الحزب أفيغدور ليبرمان لمنصب وزير الخارجية داخل الحكومة.

وبعدما تفاءلت سوريا بتسلم الحزب الديمقراطي لمقاليد الحكم في الولايات المتحدة وتنصيب باراك أوباما رئيساً جديداً في البيت الأبيض، وما حملته هذه الإدارة من دعوات للحوار البناء القائم على الاحترام المتبادل مع دول المنطقة والذي تجلت بوادره الأولى بزيارات عدة لوفود أميركية لسوريا، إلا ان التشاؤم عاد ليسيطر على الأجواء في المنطقة مع فوز اليمين الإسرائيلي بأغلبية مقاعد الكنيست وتسلم نتانياهو لمقاليد الحكم في إسرائيل.

تغير الظروف

وعلى الرغم مما تردد عن قيام حكومة نتانياهو السابقة بين أعوام 1996 و1999 بإجراء مفاوضات سلام غير معلنة مع سوريا عبر الوسيط الاسباني ميغيل أنخيل موراتينوس، إلا ان سوريا ترى الآن بان تغيرات عدة طرأت على المنطقة بعد مرور هذه المدة خصوصاً مع سيطرة الأحزاب اليمينية على الكنيست الإسرائيلي وعلى تشكيلة الحكومة الإسرائيلية الجديدة.

وانطلاقاً من ذلك تعتبر سوريا تسلم اليمين المتطرف لمقاليد الحكم في إسرائيل بمثابة إعلان دخول العملية السلمية في المنطقة في مرحلة السبات العميق خصوصاً بعد خطاب نتانياهو الذي تجاهل خلاله ذكر حل الدولتين بشأن المفاوضات مع الفلسطينيين واستبداله ذلك بالتوصل لحلول أمنية واقتصادية، وتصريحات وزير خارجيته ليبرمان التي استبعدت انسحاب إسرائيل من الجولان السوري المحتل مقابل السلام.

ومن المعروف ان رؤية سوريا للسلام مع إسرائيل تتحدد في الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الجولان إلى حدود الرابع من يونيو عام 1967 وقد عبر الرئيس الأسد أكثر من مرة عن رفض سوريا التنازل عن أي شبر من أراضيها، في المقابل وبعد مرور اثنين وأربعين عاماً على احتلالها للجولان تضع إسرائيل شروطاً عدة في وجه التوصل لاتفاق سلام مع سوريا أبرزها فك التحالف السوري الإيراني والتخلي السوري عن دعم حزب الله اللبناني وحركة حماس، الأمر الذي ترى فيه سوريا خروجاً عن متطلبات السلام المرتبط بالانسحاب من الأرض مقابل التوصل لاتفاق ما يعكس عمق الخلاف الذي يعيق الطرفين من النجاح في الوصول إلى السلام المنشود.

جولات تفاوضية عديدة

ومنذ انطلاق مؤتمر مدريد للسلام وحتى الآن خاضت سوريا العديد من الجولات التفاوضية مع إسرائيل وجربت عبر هذه المفاوضات أصناف الحكومات الإسرائيلية، ففي العام 2000 خاضت مفاوضات مع حكومة حزب العمل برئاسة ايهود باراك سبقها مفاوضات غير معلنة مع حكومة نتانياهو السابقة بين أعوام 1996 و1999 ثم انقطعت المفاوضات مع تسلم ارئيل شارون لرئاسة الحكومة الإسرائيلية وعادت مرة أخرى عن طريق الوسيط التركي عبر مفاوضات غير مباشرة مع حكومة ايهود أولمرت لكن الإسرائيليين رغم كل هذه التجارب لم يِنجحوا أياً من هذه المفاوضات.

وبناء على ذلك تبدو التجربة السورية بشأن المفاوضات مع إسرائيل للوصول إلى اتفاق سلام مريرة ومعقدة، حيث اصطدمت هذه التجربة بعوائق عدة، على الرغم من ان المفاوضات السورية الإسرائيلية في شيبردزتاون كادت ان تفضي إلى عقد اتفاق سلام نهائي، حيث أكد أكثر من مسؤول سوريا حينها انه تم إنجاز أكثر من 75 بالمائة من الأمور العالقة لكن ايهود باراك عمل على عرقلة التوصل للاتفاق آنذاك.

وكانت آخر التجارب السورية على هذا الصعيد مع حكومة ايهود أولمرت السابقة حيث عقد الجانبان مفاوضات غير مباشرة عبر الوسيط التركي، إلا ان هذه المفاوضات فشلت حسب قول الرئيس السوري بشار الأسد لإحدى الصحف العربية لأنه تبين ان الجانب الإسرائيلي رفض المضي قدماً في المفاوضات علاوة على الخلاف الذي تمحور حول توصيف خط حزيران من أجل الانسحاب الإسرائيلي من الجولان، وتبع ذلك شن إسرائيل للحرب على قطاع غزة ما دفع سوريا إلى الإعلان عن قطع المفاوضات.

رؤية سورية للسلام

وعشية تسلم حكومة نتانياهو للحكم في إسرائيل عبر الرئيس السوري عن عدم تفاؤله وقال «ان هذه الحكومة تعبر عمن انتخبها وهي رسالة واضحة غير مفاجئة لنا تعلن أن السلام بالنسبة للإسرائيليين خيار تكتيكي فقط يرمي للتغطية على أهدافهم البعيدة المؤسسة على عدم إعادة أي حقوق اغتصبت منا» موضحاً ان «مجيء حكومة يمينية ومتطرفة في إسرائيل لا يغير في الواقع شيئاً لأن يمينهم كيسارهم كوسطهم.. فالحكومات الإسرائيلية جميعها متشابهة»

وتجد سوريا الخيار الوحيد في وجه التهرب الإسرائيلي من السلام هو دعم المقاومة التي أثبتت فعاليتها وقوتها، فمنذ إطلاق المبادرة العربية للسلام لا يوجد شريك حقيقي للعملية السلمية في المنطقة، وانطلاقاً من ذلك يوضح الرئيس الأسد بان السلام لن يتحقق مع عدو لا يؤمن به إلا إذا فرض عليه بالمقاومة ويقول ان «رغبتنا في السلام هي الدافع لنا لدعم المقاومة.. ودعمها هو واجب وطني وقومي وأخلاقي.. وهو خيارنا الوحيد في غياب الخيارات الأخرى.. فلنجعلها فوق خلافاتنا الظرفية كقضية نتوحد حولها وكمبدأ نؤمن به طالما وجد احتلال أو اغتصب حق»

إمتلاك أوراق القوة الكافية

وتعتبر سوريا نفسها دولة مواجهة وفي حالة حرب مع إسرائيل طالما بقيت أراضيها محتلة، وبناء على ذلك ترى انه من الضروري بمكان امتلاك أوراق قوة تعزز من قدرتها على الوقوف في وجه عدو يعمل باستمرار على إفشال المفاوضات ولا يحترم القرارات الدولية.

وتنتظر سوريا موقفاً أميركياً داعماً لإحياء عملية السلام وبث الروح فيها وتفعيلها على المسارات كافة وهي تعتقد أن إحياء عملية السلام يعد أحد التحديات الرئيسية التي تواجه الإدارة الأميركية التي لم تخف اهتمامها بذلك وحرصها عليه خصوصاً بعدما سارعت إلى تعيين مبعوث خاص لعملية السلام في المنطقة هو السناتور السابق جورج ميتشل وإيفاده مرتين خلال أقل من شهر واحد. وتأمل سوريا مع عدد كبير من الدول العربية بان تبادر الإدارة الأميركية إلى ممارسة ضغوط فعالة وقوية على حكومة نتانياهو لدفعها باتجاه تهيئة الأجواء لاستئناف مفاوضات السلام في المنطقة

دمشق ـ أحمد كيلاني