يعول النظام الرسمي العربي على إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما تفعيل مبادرة السلام العربية، واعتبارها أساسا لعملية السلام مع إسرائيل، ومن ثم هناك طموحات عربية لدور أميركي ضاغط على الحكومة الإسرائيلية الجديدة برئاسة بنيامين نتانياهو للقبول بها.
وهذا الطموح هو ما دفع القمة العربية الأخيرة في الدوحة، ومن قبلها قمة الكويت، إلى اعادة تجديد التمسك بالمبادرة، على الرغم من أن هذا التجديد كان مصحوبا بإعلان العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز في يناير الماضي بقمة الكويت بأن (المبادرة لن تبقى طويلا على الطاولة)، وذلك انطلاقا من أنه في الاصل صاحب هذه المبادرة. وكانت قمة الدوحة قد جددت دعمها للمبادرة بالدعوة إلى وضع جدول زمني للتحرك نحو السلام، من دون ان تحدد أي موعد لهذا الجدول سواء من جانب العرب أو من جانب إسرائيل.
وتنبع أهمية مبادرة السلام العربية من كونها أول موقف عربي جماعي معلن بشأن السلام مع إسرائيل. وهذا الموقف جاء محصلة جهود سعودية في قمة بيروت عام 2002، حيث أطلقها ولي العهد السعودي آنذاك عبد الله بن عبد العزيز. فالمملكة العربية السعودية كانت حتى إطلاق المبادرة من المعسكر العربي الرافض للصلح مع إسرائيل. وجاءت خطوة المبادرة لتعبر عن تحول سعودي، كان له أثره عربيا، مما أعطاها قيمة سياسية كبيرة، لانها مثلت تحولا جذريا في العالم العربي. اذ كانت المبادرة أول اعلان جماعي عربي يتحدث عن إمكانية السلام مع إسرائيل، كما أنها صدرت عن قمة عربية شهدت أعلى نسبة مشاركة من جانب القادة والزعماء، وحظيت آنذاك بإجماع قل أن يناله قرار عربي. يضاف إلى ذلك انها لا تزال الإطار العربي الرسمي الوحيد الخاص بالسلام مع إسرائيل. وما عداها تعد تحركات منفردة.
الحرب والسلام
وتنطلق المبادرة من اقتناع الدول العربية بأن الحلول العسكرية للنزاع العربي الإسرائيلي لاتقود إلى السلام. ودعت قمة بيروت إسرائيل من خلال نصوص المبادرة إلى (إعادة النظر في سياساتها، وأن تجنح للسلم، معلنة أن السلام هو خيارها الاستراتيجي أيضا). ويكون مطلوبا منها (الانسحاب الكامل من الأراضي العربية المحتلة، بما في ذلك الجولان السوري، وحتى خط الرابع من يونيو 1967، ومن الأراضي التي مازالت محتلة في جنوب لبنان.
وكذلك التوصل إلى حل عادل لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين يتفق عليه وفقا لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194. وقبول إسرائيل لقيام دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة على الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ الرابع من يونيو 1967 في الضفة الغربية وقطاع غزة، وتكون عاصمتها القدس الشرقية). وفي مقابل قيام إسرائيل باتخاذ هذه الخطوات تقوم الدول العربية من جانبها بخطوات أخرى تتمثل في (اعتبار النزاع العربي الإسرائيلي منتهيا، والدخول في مفاوضات سلام بينها وبين إسرائيل مع تحقيق الأمن لجميع دول المنطقة، وإنشاء علاقات طبيعية مع إسرائيل في إطار السلام الشامل).
عقبات إسرائيلية
ومنذ إطلاق المبادرة في 27 مارس 2002، واجهت عقبات عدة، ولم تكن فقط من جانب إسرائيل، بل من جانب دول عربية أيضا.
أولا ـ الجانب الإسرائيلي، لم تهتم إسرائيل بالتعامل الجدي مع المبادرة، فقد رأت أنها صدرت عن ضعف عربي شامل، اذ جاءت في أعقاب هجمات سبتمبر على الولايات المتحدة الأميركية، في وقت كانت واشنطن تتعامل مع العرب كلهم بعدائية شديدة، وسط دعوات لتغيير بعض أنظمة الحكم العربية بالقوة. وهو ما انعكس على سلوك إسرائيل تجاه المبادرة، فتعاملت معها على عدة مستويات:
(1) أحاطت إسرائيل موقفها من المبادرة بنوع من الغموض، فلم ترفضها ولم تقبلها على مدى السنوات السبع الماضية، كما تعاملت معها باستهانة شديدة. فبالتزامن مع انعقاد القمة وإعلان المبادرة هاجم الجيش الإسرائيلي بأوامر من أرييل شارون رئيس الوزراء آنذاك مقر الرئاسة الفلسطينية في رام الله، وحاصر الرئيس ياسر عرفات داخله، بعدما رفض السماح له بالتوجه إلى بيروت للمشاركة في القمة. كما قام أيضا بالتوغل العسكري في مدن الضفة الغربية وتدمير مؤسسات ومقار السلطة الفلسطينية، في رد حمل إهانة واضحة لمؤسسة القمة العربية.
(2) عمدت إسرائيل إلى تجزئة بنود المبادرة فرفضت ماجاء فيها بشان حقوق اللاجئين الفلسطينيين، وأعلنت رفضها لعودتهم، ودعت إلى توطينهم في الدول العربية، مما ينسف جانبا مهما من بنودها. كما أعلنت رفضها اقتسام القدس. ورفضت اعتبار حدود 1967 حدودا دولية دائمة، وذلك للتهرب من الانسحاب إلى حدود الرابع من يونيو، بل انها طلبت تطبيعا عربيا شاملا للعلاقات كشرط سابق على الدخول في المفاوضات على أساس المبادرة.
(3) أخضعت إسرائيل المبادرة للمناورات السياسية الداخلية والخارجية، فبعد اختفاء ارييل شارون من المسرح السياسي، لوحت إسرائيل بإمكانية قبولها في مرتين مختلفين. كانت الأولى على لسان الرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز في زيارة قام بها إلى مصر في اكتوبر الماضي، والتقى خلالها الرئيس حسني مبارك في شرم الشيخ، حيث دعا إلى تعديل المبادرة لتقبل بها إسرائيل، لكن مصر رفضت التجاوب مع هذا الطرح، وأعلن الرئيس المصري ان المبادرة العربية غير قابلة للتفاوض. كما توالت ايضا المزايدات الإسرائيلية الداخلية على المبادرة في سياق الحملة الانتخابية الأخيرة للكنيست من جانب تسيبي ليفني وايهود باراك زعيمي حزبي كاديما والليكود شريكي الحكم في الحكومة السابقة، اذ اعلن كل منهما عن دراسة المبادرة لبحث إمكانية القبول بها، من دون أن يصدر عن أيهما أي التزام رسمي بقبولها.
وكانت المرة الثانية عندما جدد أيهود أولمرت رئيس الحكومة المستقيل الموقف ذاته في بيان رسمي صدر عن مكتبه بعد لقاء له مع الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون في21 يناير الماضي، وأعلن استعداده للقبول بالمبادرة، وذلك ردا على تصريحات العاهل السعودي في قمة الكويت، لكنه لم يعلن أيضا اعترافا أو قبولا بها. وكانت هذه التصريحات الإسرائيلية الأخيرة في مجملها قد صدرت تعبيرا عن مخاوف من تبني باراك أوباما للمبادرة العربية، خاصة بعد تسرب ما يفيد بأنه سيعمل على تفعيلها حال وصوله إلى البيت الأبيض.
الحرب خيار استراتيجي
(4) حرصت إسرائيل على التمسك بالخيار العسكري كإستراتيجية ثابتة، في مقابل اعلان العرب في مبادرتهم عن التمسك بالسلام كخيار استراتيجي. وقد مارست إسرائيل هذا الخيار عدة مرات، فقامت منذ طرح المبادرة باجتياح الضفة الغربية عسكريا لإسقاط مؤسسات السلطة التي ظهرت نتيجة لاتفاق اوسلو. كما شنت حربا شاملة ضد لبنان في يوليو2006، وحربا ثانية ضد غزة في ديسميبر 2008، وشنت عدوانا عسكريا ضد سوريا قصفت فيه منطقة دير الزور بزعم وجود مفاعل نووي، وحلقت طائراتها فوق القصر الرئاسي بدمشق. وجاءت أحدث اعتداءاتها ضد السودان في يناير الماضي، فهاجمت منطقة الشرق مرتين تحت ذريعة منع تهريب السلاح إلى حركة حماس.
(5) تمسكت إسرائيل بتفضيل المفاوضات الثنائية بديلا عن المبادرة، كي تستطيع التلاعب بالمسارات والتهرب من السلام العادل والشامل. وهذا ما حدث مع سوريا ومع الفلسطينيين، كما دعت لبنان لمفاوضات مماثلة حول مزارع شبعا، لكنه رفض السقوط في هذا الفخ.
التآكل العربي
ثانيا ـ المستوى العربي: على الرغم من ان المبادرة صدرت بإجماع عربي في قمة بيروت، الا أن هذا الموقف لم يكن بالقوة التي تضمن للمبادرة الصمود عربيا، فسرعان ما تجاوبت كل من السلطة الفلسطينية وسوريا مع إسرائيل للدخول في مفاوضات ثنائية، بعيدا عن الالتزام بما جاء في المبادرة. ويمكن تفسير ذلك بعدة أسباب:
(1) لم تضع قمة بيروت ولا غيرها من القمم أية آليات تكفل التزام الدول العربية بالمبادرة كسبيل وحيد للسلام مع إسرائيل، إذ تركزت الجهود على محاولة نيل القبول الإسرائيلي والأميركي لها.
(2) احتدام الخلافات العربية تجاه عديد من القضايا، وانقسام الدول العربية بشأنها إلى حد الدخول في صراعات وصلت إلى درجة الانخراط في حروب أهلية عربية عربية، كما حدث في لبنان وفلسطين.
(3) عدم الاقتناع بقدرة المبادرة على تحقيق ما يمكن التوصل اليه بالطرق الثنائية المباشرة وغير المباشرة، فدخلت السلطة الفلسطينية في عدة جولات حول المرحلة النهائية للمفاوضات من دون تحقيق أي مكسب يذكر سواء على صعيد اللاجئين أو الانسحاب من بقية الأراضي الفلسطينية أو القدس أو فيما يتعلق بقيام الدولة، ولا تزال السلطة تصر على السير في هذا الاتجاه. وفي سوريا جرت مفاوضات سرية مع إسرائيل برعاية تركية، لم تعرف بها آنذاك معظم الدول العربية. واستمرت المفاوضات عدة أشهر، ولم تتوقف إلا خلال الحرب الإسرائيلية على غزة، حيث أعلنت سوريا تعليقها من جانبها.
(4) لعبت الضغوط الأميركية التي مارستها الإدارة السابقة برئاسة جورج دبليو بوش، دورا معوقا لبناء أي توافق عربي عربي، فاستراتيجية بوش حرصت على ادارة العلاقات العربية من خلال تأجيج الخلافات، كما أن انحيازها المطلق لإسرائيل شجعها على الاستمرار في ممارسة الأعمال العسكرية العدوانية ضد الفلسطينيين وضد لبنان وضد سوريا. يضاف إلى ذلك ان محاولات عزل سوريا عربيا ودوليا جعلها تتشكك في امكانية الحصول على أي مساندة عربية لها في مواجهة إسرائيل، وكذلك الحال مع الفلسطينيين، خاصة مع وصول حركة حماس إلى الحكم، وتعرض الداخل الفلسطيني لاستقطاب حاد عربيا ودوليا.
(5) في ظل الخلافات والاحترابات العربية تعرضت المبادرة لضربات من داخل مؤسسة القمة ذاتها، وهي التي سبق وأقرتها عام 2002، ثم أعادت تفعيلها في قمة الرياض في مارس2007. ففي قمة الدوحة غير الرسمية التي عقد ت إبان الحرب على غزة، وضمت عددا من الدول العربية. خرجت القمة بدعوة لاسقاط المبادرة، بل إن الرئيس السوري بشار الأسد وصفها بأنها في حكم الميتة سياسيا. وجدد هذا الموقف في كلمته امام قمة الدوحة الثانية في مارس الماضي بقوله ( لايوجد شريك حقيقي للعرب في عملية السلام، وان المبادرة لا يمكن أن تنجز بطرف عربي واحد فقط، ومن الناحية العملية، هذه المبادرة غير فاعلة، ولو عملنا على تفعيلها لعدم اكتمال شروط التفعيل.)
(6) لاتزال سوريا تفضل العودة إلى المفاوضات الثنائية مع إسرائيل، ومن أجل ذلك أعلنت مؤخرا على لسان الرئيس السوري استعدادها للعودة إلى المفاوضات، إذا كانت الولايات المتحدة وسيطا بينهما، وذلك في حوار معه أجرته صحيفة (اساهي شيمبون) اليابانية. كما جدد وزير الخارجية وليد المعلم استعداد سوريا لاستئناف المفاوضات مع إسرائيل شرط ان تكون مبنية على الانسحاب من الجولان طبقا لحدود الرابع من يونيو. وكان الوزير السوري يتحدث في مؤتمر صحفي مع نظيره الايطالي فرانكو فراتيني.
بين نتانياهو وليبرمان
وهكذا فان مبادرة السلام العربية لا تزال تعيش محنة كبرى عربيا وإسرائيليا، وعلى الرغم من ذلك فان الآمال العربية لا تزال معقودة على موقف أميركي مشكوك فيه، خاصة وان التغييرات التي جرت في إسرائيل جعلت الوصول إلى السلام العربي الإسرائيلي سرابا، وذلك تبعا للمواقف الصادرة من تل أبيب، ففور اقرار الحكومة من جانب الكنيست أعلن وزير الخارجية الإسرائيلي أفيجدور ليبرمان أن إسرائيل لن تلتزم بمقررات مؤتمر أنابوليس، ولن تكون ملزمة الا بمشروع خارطة الطريق، وهو ما يعني التهرب من استحقاق الدولتين، والعودة بجهود السلام الإسرائيلي الفلسطيني إلى الوراء بنحو ست سنوات. كما اعلن رفضه استمرار المفاوضات التي سارت فيها الحكومة الإسرائيلية السابقة مع السلطة الفلسطينية، معترفا بأن السلام وصل إلى طريق مسدود، وذلك في خطاب له أمام اعضاء حزبه (إسرائيل بيتنا) بعد نيل الحكومة موافقة الكنيست بأيام، وقال إن الأمر يحتاج إلى تقديم أفكار جديدة، وهو ما يعني العودة إلى المربع صفر.
أما نتانياهو فتجاهل الحديث عن السلام وعن حل الدولتين في كلمته امام الكنيست بعد اقرار حكومته، فهو يعتبر البرنامج النووي الايراني أولى أولويات حكومته وليس السلام مع العرب أو الفلسطينيين، وهي الأولوية التي لم تعد تحظى باهتمام أميركي، وكانت من أجلها تحرص واشنطن بوش على حشد بعض العرب وإسرائيل سوية ضد ايران.
و في اعقاب هذه التصريحات الإسرائيلية دعا سعود الفيصل وزير الخارجية السعودي إسرائيل إلى اتخاذ موقف من المبادرة العربية كي تستمر على الطاولة، وذلك في مؤتمر صحفي عقده مع وزير الخارجية البريطاني الذي زار الرياض (8ابريل). كما اجتمعت يوم السبت الماضي في العاصمة الأردنية بناء على طلب الرئيس الفلسطيني محمود عباس اللجنة السداسية العربية لتفعيل المبادرة، والمكونة من وزراء خارجية مصر والسعودية والأردن ولبنان وقطر والسلطة الفلسطينية. وجددت اللجنة التأكيد على أن المبادرة العربية هي أساس الحل في المنطقة، واتفق الوزراء على ان ينقل العاهل الاردني الملك عبدالله رسالة إلى الرئيس الأميركي باراك أوباما خلال زيارته المقبلة إلى واشنطن. وكان الملك عبد الله قد التقى الوزراء الستة، وعقب اللقاء صدر بيان عن الديوان الملكي يدعو إسرائيل للتحرك الفوري لحل الصراع على اساس الدولتين، وتحقيق السلام الشامل على أساس المبادئ التي أقرتها قمة الدوحة في مارس الماضي
وعلى الرغم من الطموحات التي تغذي بعض العرب بشأن السلام مع إسرائيل على أساس المبادرة العربية، إلا أن مصير عملية السلام برمتها بما فيها المبادرة لا يزال مجهولا، ولا أحد يعلم إلى متى ستظل المبادرة قادرة على الصمود فوق الطاولة.
أحمد الكناني