الحديث عن اليونان يحمل الكثير من المعاني التي تنقل الإنسان إلى مهد الحضارة الغربية والأساطير الإغريقية الغابرة وذكريات أمجاد الانتصارات العسكرية وموئل الفلسفة والفنون والعلوم والألعاب الأوليمبية.. فهذا البلد المتوسطي الأقرب أوروبياً إلى الشرق الأوسط، عرف على الدوام بمواقف حكوماته المتعاقبة الداعمة للقضايا العربية في المحافل الدولية منذ عهد الزعيم التاريخي لحزب «باسوك» أندرياس باباندريو حتى فترة رئيس الوزراء الحالي كوستاس كارامنليس زعيم حزب الديمقراطية الجديدة.

ولن ننسى أن أرض زيوس وهيرقل كانت المحطة التي نقلت عبرها الحركات الفلسطينية، إبان حقبة السبعينيات والثمانينيات، قضيتها إلى أوروبا في وقتٍ لم تقم فيه أثينا علاقاتٍ دبلوماسية كاملة مع إسرائيل حتى العام 1990. وتجلى موقف اليونان المؤيد للجانب العربي بشكلٍ واضحٍ في حرب غزة الأخيرة بمنعها شحنة أسلحة أميركية من التوجه إلى إسرائيل عبر ميناء أستاكوس، فيما اكتفى آخرون باعتراضاتٍ لفظية لا تسمن ولا تغني من جوع.

وفضلاً عن حقائق القرب الجغرافي والتاريخي والسياسي بين اليونان والدول العربية، فإن عاملاً اجتماعياً ذا شأن ساهم بدوره في رسم ملامح تلك العلاقة المتشابكة بين الطرفين يكمن في وجود نسبة كبيرة من المسيحيين العرب من المنتمين إلى الكنيسة الأرثوذكسية التي تعتبر اليونان، مع روسيا، إحدى ركائزها الرئيسية، والمنتشرين تحديداً في الدول العربية المتوسطية كسوريا ولبنان ومصر التي احتضنت مدينتها الإسكندرية جالية يونانية كبيرة.

أما من الناحية الإستراتيجية، فتمتلك اليونان ورقتين رابحتين تؤهلاها للعب دورٍ فعالٍ بين العالم العربي ونظيره الغربي تتمثلان بعضويتها في مؤسسة الاتحاد الأوروبي وحلف «ناتو». وكعادتهم، يبدو العرب أبرز الغائبين عن المشهد السياسي «شرق المتوسطي» إن صح التعبير بإهمالهم غير المبرر لعلاقاتهم مع خاصرة أوروبا الشرقية وهمزة الوصل مع ما وراء المحيط الأطلسي، متناسين أن أثينا لا تمتلك تاريخاً ملتبساً ذا إشكالات إستراتيجية أو عقائدية أو تاريخية مع العرب كما دول الإقليم غير العربية.

ما يعني أن لا أطماع مفترضة يمكن أن تكون المحرك وراء أي وساطةٍ ترى النور بين الدول العربية وخصومها، عدا عن انتفاء نزعات التسيد والميل نحو التغلغل في المنطقة تمهيداً للعب دور الحارس الأمين لكونها عضوا فعالا في الأسرة الأوروبية منذ زمنٍ بعيد.

إذن، يمكن لهذا البلد، أن يمارس من خلال مكانته المميزة دوراً مهماً في المنطقة خاصةً في الفترة المقبلة التي ستشهد تغييراتٍ كبيرة في مفاهيم الجغرافيا السياسية وبروز قويً إقليمية على حساب أخرى وتراجع بعض الدول إلى الدرجة الثانية في سلم أولويات الإدارة الأميركية الجديدة.

ويقيناً، أن مستقبل الدول العربية يكمن في توثيق علاقاتها مع محيطها «غير العدائي» إن هي أرادت الانطلاق بنفسها نحو أشكالٍ أوسع من التعاون مع تكتلات العالم الكبرى ، في حين تبدو اليونان المرشحة المثلى خاصةً أن ثماني دول العربية هي في الواقع دول متوسطية قريبة من أوروبا ينظر جلها بعين الريبة لنوايا دولٍ أخرى تحمل الصفات ذاتها كفرنسا.