استكمالا لما كتبناه هنا الأسبوع الماضي حول إرهاصات التغيير في السياسة الأميركية تجاه العالم الإسلامي نضيف أنه ليس انحيازا للرئيس الأميركي باراك أوباما أن نقول ان الرجل يملك رؤية ومفردات لغة بالغة الجدة والجدية تجاه الإسلام والمسلمين، على النحو الذي ينبغي معه حسن استقبال هذا التوجه والعمل على توجيهه ـ في الحدود الممكنة ـ في الوجهة التي نريد. قد يقول قائل: وهل لنا حول أو طول حتى نوجه أو نحدد؟ نقول انه إذا تم التعامل مع قضايانا بهذا المنطق، فما علينا سوى الكف عن الصراخ، والقبول بحقيقة أننا مفعول بنا ولسنا فاعلين.

ففي خطابه أمام البرلمان التركي في أنقرة التي زارها الأسبوع الماضي راح أوباما يؤكد مجددا سعيه لرأب الصدع بين الولايات المتحدة وتركيا والعالم الإسلامي نافيا أن تكون واشنطن في حرب مع الإسلام، مؤكدا الرغبة فيما وصفه بشراكة إستراتيجية مع تركيا لجسر الهوة بين الغرب والعالم الإسلامي. وهو موقف يمثل حسبما يكشف تتبع تصريحاته منذ ما قبل انتخابه حتى الآن نهجا أساسيا في سياسة إدارته يبدو أنه يعمل على بلورته على أرض الواقع.

ولعل الترحيب الذي لقيه هذا التوجه في عالمنا العربي يعبر عن إدراك للتحول الحاصل في لغة واشنطن في مرحلة ما بعد أوباما، على نحو يمكن معه التعبير عن هذا التغيير دون مبالغة بأنه يمثل قطيعة مع حقبة بوش الابن بكل ما كانت تحمله من تعزيز لمناخات البغض والكراهية.. فتوصيف وزير الخارجية السوري وليد المعلم لخطاب أوباما بأنه «مهم وإيجابي» يمثل رؤية قد تلخص الأمر. أما الرئيس القذافي فقد راح بعفويته المعهودة ـ اختلفنا أو اتفقنا بشأنها ليس مهما ـ يصف أوباما بأنه «ومضة في الظلام الإمبريالي».

ورغم أننا لا نريد أن نحمل انحناءة أوباما أمام العاهل السعودي الملك عبد الله أكثر من دلالتها الرمزية، حسبما ذهب الكثيرون من متصيدي الأخطاء في واشنطن، إلا أنها لا شك تحمل رسالة خاصة للعالم الإسلامي في مجمله في ضوء ما تمثله السعودية لهذا العالم.

لا يعني ذلك الانجرار وراء فكرة أننا قد عثرنا أخيرا على «المنقذ» الذي ظللنا عقودا نبحث عنه، وأنه هاهو قد جاء وإن كان من غير بني جلدتنا، فأوباما الذي نطق بالعبارة التي صدرنا بها المقال وغيرها من عبارات مماثلة، هو ذاته أوباما الذي راح يدعو بعد ساعات إلى ما وصفه بتوازن العالم الإسلامي تجاه إسرائيل، والتأكيد على إمكانية السلام رابطا ذلك بـ «تنازلات من الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي».. وهي رؤية تعبر عن خلل في النظر للأمور، تتطلب منا كعرب التدخل لتعديلها.

كما ينبغي إدراك أن أوباما لا يعمل وحده، وأن رؤاه بما تحمله من طابع يبدو أقرب إلى المثالية، قد لا تصمد على أرض الواقع إزاء حجم الضغوط في الولايات المتحدة، والتي لم تكن إدارة بوش سوى رأس حربة وجناح رئيسي من أجنحتها، فالعداء للإسلام والمسلمين والقضايا العربية والإسلامية كامن في مستويات مختلفة بالمجتمع الأميركي وهو ليس وليد اليوم وإنما إرث عقود مضت وميراث انتقل من أوروبا إليها.

غير أننا نقول انه ما بين عوامل التشجيع التي يمثلها نهج أوباما وعوامل تثبيط الهمم المنغرسة في واقع المجتمع الأميركي، تبقى أمامنا إرادة التحدي والفعل.. الأمر الذي يفرض علينا الخروج من حالة التقوقع التي يبدو أننا أصبحنا نجد متعة في التعايش معها.