من الحكمة الاحتفاظ برباطة جأشنا حتى لا تباغتنا الفاجعة جراء الإفراط في حب أوباما. الرئيس الرابع والأربعون ليس هو فقط الخلاسي الأول في قائمة ساكني البيت الأبيض. هو في الوقت نفسه الرئيس الأميركي القادم وسط لجة حب استثنائي عقب أكثر المغادرين وسط عاصفة كراهية غير مسبوقة. حب أوباما المفرط ليس وقفاً على الأميركيين وحدهم. القطاع الأوسع من العالم ينظر إلى الرئيس الأسمر بقدر من الإعجاب.
بعض يراهن على تركيبته الهجين. بعض ينظر إلى جذوره الإفريقية. هناك من يعزف على أوتاره الإسلامية. ثمة من تفتنه بلاغته الخطابية. فريق مبهور بشبابه المتوقد. قطاع مفتون بشعار التغيير قاعدة حملته الانتخابية. الجميع يأمل في تغيير يحدثه أوباما. ربما من الحكمة التشديد على الحاجة المتمكنة من النظام الأميركي للتغيير عنصراً أساسياً للمجيء بأوباما. الرجل صنيعة رغبة أميركية في التغيير وليس هو فرس الرهان على إحداث التغيير.
سابقه جورج بوش قاد أميركا إلى الإخفاق الأسوأ في تاريخها. ذلك إخفاق مزدوج على الجبهتين العسكرية والاقتصادية. مثل هذا الانكسار لقوة دولية عظمى يفتح الأفق عادة أمام قوة دولية طموح للتقدم. ما من دولة كبرى كانت جاهزة لأخذ مكانة أميركا. النظام الأميركي العسكري لم يفقد هيبته أمام العالم. النظام المالي لم يفقد ديناميكيته بعد على إعادة التكيّف والنهوض. كلا الإخفاقين تحولا مجرد عثرة وليس انهياراً. سرعة النهوض من العثرتين تساهم في تعزيز حب أوباما أو تكريس الإحساس بالاكتئاب المفضي إلى الفاجعة.
في جولته الأوروبية الأولى أفاد أوباما من بلاغته الخطابية وسطوة الكاميرا التلفزيونية في انتزاع مزيد من الحب والافتنان. في ستراسبورغ وبراغ تحدث الرئيس الأميركي عن عالم خال من الأسلحة النووية. في أنقرة أكد رغبة أميركا في عدم الدخول في حرب مع الإسلام. كذلك أعلن مساندته انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي. ذلك كلام جميل يتلاشى مع خفوت أضواء التلفزيون. مصالح الدول أكثر بلاغة ونفاذاً من الخطابة.
كوريا الشمالية قصفت رغبات أوباما وبلاغته عملياً بإطلاق صاروخ عابر للقارات قادر على حمل رؤوس نووية. تفادي الدخول في حرب مع الإسلام يعني بالضرورة عدم الحديث عن دولة علمانية. هذه عقبة لم تمكن حنكة أوباما من تجاوزها في تركيا. ساركوزي رد على مساندة الرئيس الأميركي انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي بالتأكيد على أن تلك مسألة يحسمها أعضاء الاتحاد وحدهم. أزمة حب أوباما تكمن في ارتهان تلك المشاعر لقضايا عديدة تمتد عبر المعمورة بأسرها. كوريا الشمالية قدمت نموذجاً ساخناً لدول لا تكتفي بالكلام المعسول. العديد من الدول يترقب من أوباما حلولاً لقضايا عالقة.
بعض ينتظر صفقات رابحة. بعض يريد عروضاً مغرية. هناك عدد مستعد لتقديم تنازلات ممكنة. لا أحد يقدم تنازلات دون مقابل. لا أحد على استعداد للتنازل عن طموحاته المشروعة.
القيادة الإيرانية لم تتجاوب مع اللهجة الجديدة في الخطاب الأميركي. الفقيه في طهران طالب ساكن البيت الأبيض بأفعال لا أقوال. مثل كوريا الشمالية وإيران تتطلع دول عديد وشعوب لعروض أوباما وأفعاله. تلك مواقف تتصادم مع دور الشاب الخلاسي المكلف فقط بإعادة تجميل صورة القطب الأوحد. مهمة أوباما لا تذهب أبعد من الكلام البهي. عندما نتوقع أكثر من ذلك تصيبنا الفاجعة. من الأفضل التهيؤ الجماعي لصدمة الحب الخاسر.