الحادي عشر من ابريل عام 1814،هو بداية النهاية لأحد أعظم القادة العسكريين في التاريخ، ألا وهو نابليون بونابرت ذلك الأسطورة الفرنسي الذي دفع في النهاية ثمن أحلامه وأوهامه. انه يوم نفيه إلى جزيرة »ألبا« على الساحل الشمالي الغربي لايطاليا.

والقرار اتفقت عليه خمس دول عظمى في ذلك الوقت هي بروسيا وروسيا وبريطانيا والنمسا والسويد، حيث استطاعت جيوشها الحاق الهزيمة ببونابرت في معركة سميت بمعركة الأمم قرب لايبزغ في ألمانيا. تلك المعركة التي انتهت بسقوط باريس في أيدي تلك الجيوش التي شكلت فيما بينها أقوى تحالف عسكري في أوروبا في القرن التاسع عشر.

لم تكن تلك أول هزائم نابليون . فقبل معركة الأمم، تعرض لأبشع انتكاسة عسكرية ألا وهي هزيمته بفعل تحالف البرد والجوع على جيشه فوق أرض روسيا. كانت معركة بوردينو الدامية في عام 1812 أمام الجيش الروسي، والتي توصف بأنها أشد معارك اليوم الواحد بؤسًا في التاريخ، بداية الطريق لهزائم بونابرت.

صحيح أن المعركة أسفرت عن إلحاق الهزيمة بالروس، الا أن نابليون أصر على مواصلة طريقه إلى موسكو التي وجدها قد حرقت بأيدي سكانها الذين هجروها، وكان العدو الشرس الذي يواجهه هو البرد والجوع. فاضطر إلى الانسحاب. وعاد إلى باريس ليكون جيشاً جديداً حارب به في معركة الأمم التي أسفرت عن سحق قواته، مما ترتب عليه عودة العائلة المالكة البوربونية إلى العرش، اذ نصب لويس الثامن عشر ملكاً على فرنسا.

نابليون لم يهنأ طويلا بالعرش لسياساته وتصرفاته التي اعتبرها الفرنسيون خيانة لمنجزات ثورتهم (عام 1789) التي رفعت شعارات ومبادئ تسعى بلدان عديدة في عصرنا الراهن إلى تحقيقها. استغل نابليون تدهور شعبية الملك، فهرب من منفاه في »ألبا« الذي أقام فيه لعشرة أشهر فقط، وعاد إلى باريس، حيث انضم إليه جنود جيشه القدامى، وبفرار الملك لويس الثامن عشر إلى خارج البلاد، استرد سلطانه في وقت كانت خلافات خصومه الحلفاء تتصاعد.

ولكنه كان على موعد مع أم المعارك التي أطاحت به وبجيشه. إنها معركة «واترلو» التي تعد من أشهر المعارك الحربية على مر العصور. طرفاها كما حدث في معركة الأمم، جيش نابليون في مواجهة جيوش الحلفاء بقيادة دوق ولنجتون.

وقعت المعركة في 18 يونيو عام 1815 في مدينة واترلو قرب بروكسل ، وكان عدد قوات نابليون حوالي مئة ألف مقاتل. ويقال أن نابليون كان بإمكانه الانتصار في واترلو، لو أنه شن هجوما في وقت مبكر من النهار، لكنه انتظر حتى الظهر بسبب سقوط مطر غزير في الليلة السابقة، وسمح هذا التأخير للمارشال جبهارد فون بلوخر أن يصل مع قواته البروسية لتعزيز قوات ولنجتون وبعد أن كانت المعركة متعادلة، صار ميزان القوة لصالح الحلفاء.

وبعد هزيمته، فشل نابليون في إعداد جيش جديد، ولم يكن أمامه من خيار سوى التنحي عن منصبه مرة ثانية، وتم نفيه إلى جزيرة سانت هيلانة جنوبي المحيط الأطلسي والتي بقي فيها حتى توفي في 5 مايو عام 1821 وكان عمره 52 عاما. وهناك من يرجح أنه لقي حتفه مسموماً بالزرنيخ الذي طلي به جدران غرفته في منفاه، فأصيب بقرحة معدية لازمته حتى وفاته .

ولكن توصل باحثون سويسريون إلى ان بونابرت، لم يمت مسموما في منفاه بل بسرطان المعدة. ويعتقد الباحثون انه عانى من ورم خبيث منذ خريف عام 1820وهي السنة التي سبقت وفاته، وقد تدهورت صحته خصوصا عندما صاحب السرطان نزيف في الجهاز الهضمي.

على أي الأحوال، يعتبر نابليون من أعظم القادة العسكريين . بداية نجاحاته ظهرت بعد أربع سنوات من الثورة الفرنسية عندما حاصرت قواته مدينة طولون سنة 1793واستردها من البريطانيين بخطة عسكرية بارعة وضعها بنفسه. واكتسب من وقتها شهرة عسكرية دفعت به إلى أن يقود الجيش الفرنسي في إيطاليا.

وخاض معارك عديدة ضد أقوى جيوش أوروبا وعلى رأسها النمسا وبروسيا وروسيا وبريطانيا وبروسيا. وبلغ مجموع انتصاراته في المعارك حوالي 40 انتصارا. بل ان ألد أعدائه من قادة الحلفاء وهو دوق ولنجتون، اشاد به وقال أنه أعظم القادة العسكريين على مر العصور.

نابليون كان قد بلغ السلطة بعد حملته التاريخية على مصر التي شنها عام 1798 والتي انتهت في أعقاب فشله باحتلال عكا (1799) عاد بعدها إلى فرنسا ليشارك في انقلاب عسكري وصار القنصل الأول لفرنسا ثم امبراطورا عام 1804.

وخلال حكمه أدخل إصلاحات عديدة، خاصة ما يتعلق بالنظام المالي والقضائي. وله الفضل في صدور القانون المدني الفرنسي والذي اقتدت به معظم أوروبا والذي أعطى العديد من الحريات للشعب الفرنسي. ولكن لن يغفل التاريخ عن واحدة من مساوئه، وهي تصديه لثورة العبيد في هاييتي وقراره بعودة العبودية في فرنسا 1801 بعد أن كانت الجمهورية الفرنسية قد ألغتها.

حسن صابر