يعتبر مشروع الحريري الذي نشير إليه مشروع قديم كما أعتقد، هيأ له قبل أن يصل إلى موقع رئاسة الحكومة، بوسائل عديدة، وبدعم متعدد المصادر، وبإمكانات كبيرة، كانت متوفرة له أكثر من سواه. ولا أعني بذلك، فقط كونه رجل أعمال من الحجم الكبير. فهو، في نظري، كان قد تجاوز هذه الصفة، منذ مطلع ثمانينات القرن الماضي، إلى ما هو أبعد من ذلك في المهمات وفي الأهداف وفي المسؤولية.

إذ ان رجل الأعمال، الذي هو الشيخ رفيق الحريري، كان أيضاً، في ذلك الحين بالتحديد، بحكم اهتماماته وعلاقاته وطموحاته، وطموحات شركائه في المال وفي السياسة، رجل سياسة غير معلن. وبهذه الصفة المزدوجة، أي صفة رجل الأعمال ورجل السياسة، كان طبيعياً أن يسعى لامتلاك مشروع، من دونه لم يكن يستطيع، لا هو ولا شركاؤه، أن يحققوا طموحاتهم وأهدافهم ومصالحهم.

ولعلي أختلف مع كثيرين إذا ما قلت بأن الحريري، رجل الأعمال اللبناني السعودي، كان، قبل أن يطمح لموقع رئاسة الحكومة اللبنانية بسنوات، أي خلال الحرب الأهلية، وبسببها، لبناني الأحلام والطموحات، في السياسة وفي الاقتصاد وفي الشأن الاجتماعي مجتمعين.

ونقطة الانطلاق عنده، في أحلامه وفي طموحاته اللبنانية التي كانت متوفرة إمكاناتها بالنسبة إليه في الواقع اللبناني، هي النظرة التي كانت سائدة، منذ ما قبل الحرب الأهلية، وخلالها، وحتى بعد توقفها على قاعدة اتفاق الطائف، برغم كل التغيرات التي حصلت، النظرة حول لبنان الموقع والدور، لا لبنان الجغرافيا، أو لبنان وطن المولد والانتماء.

فهذا اللبنان، الموقع والدور، هو الذي كان يهم الحريري في مشروعه الطموح. وأي لبنان آخر، خارج هذا التحديد، لم يكن يتسع للأحلام الكبيرة، والأهداف التي كان يطمح لتحقيقها شخص بحجم الشيخ رفيق الحريري، رجل الأعمال والمال والسياسة، بكل علاقاته، وصاحب المشروع، السياسي والاقتصادي، الذي كان يتطلب بالضرورة بناء دولة حديثة في لبنان.

ومعروف أنه كان قد بدأ، منذ وقت مبكر، أي منذ أن أصبح يكبر كرجل أعمال، بدأ يقدم خدمات اجتماعية متعددة الأشكال. وكانت في مقدمة تقديماته المنحَ الجامعية للمتفوقين من طالبي العلم والمعرفة طاولت عشرات الألوف منهم. وكانت تلك التقديمات تشكل إحدى التعبيرات المباشرة عن هذا المفهوم عنده للبنان الوطن والانتماء، وللبنان الموقع والدور، في آن. كما كانت تشكل إحدى التعبيرات عن الطموح المشروع عنده للعب دور مميز في هذا اللبنان، على وجه التحديد، كما كان يتصوره في المستقبل.

تطور مشروع الحريري

إلا أن مشروع الحريري اتخذ، بعد اتفاق الطائف، أي بعد توقف الحرب الأهلية، بعداً جديداً، إذ بدأ الحريري يشعر أنه يملك، بعد كل الأدوار السرية والعلنية التي لعبها، منذ مؤتمري جنيف ولوزان حتى اتفاق الطائف، يملك الحق في أن يضع نصب عينيه الوصول إلى موقع رئاسة الحكومة. وكانت التجارب التي سبقت صعوده إلى هذا الموقع تعبد الطريق أمامه في هذا الاتجاه، موضوعياً، وحتى عملياً، في السياسة وفي الاقتصاد معاً، وفي مجالات أخرى.

وكأن ما جرى من أحداث، خلال تلك الفترة، كان لا بد أن يجري على ذلك النحو، سواء بالتصميم منه ومن شركائه وحلفائه، أو بالتراكم الموضوعي، لكي يكون رجل الأعمال البارز، ورجل السياسة في الظل، الشيخ رفيق الحريري، هو بطل المرحلة. لذلك استقبل بارتياح وأمل من أوساط واسعة، بما في ذلك أوساط شعبية، لدى اختياره، في أواخر 1992، ليكون رئيساً للحكومة اللبنانية، رئيساً من نوع مختلف عمن سبقوه إلى هذا الموقع. فهو، من الناحية المبدئية، كان يمثل، بصفاته كلها، عامل استقرار في البلاد بعد الفوضى التي سادت فيها طويلاً، يساهم في حل المشكلات الاقتصادية-الاجتماعية بعد الأزمة التي بلغت ذروتها خلال الحرب الأهلية. وكان مثل ذلك الاستقبال للحريري يشكل مزيجاً من الأمل والخوف، في آن.

وإذا كان مشروع الحريري، كرئيس للحكومة، في السياسة والاقتصاد وفي مجال البناء والإعمار وبناء دولة المؤسسات، وفي سائر المجالات، هو التجسيد، في الزمان وفي المكان وفي الشروط التاريخية، لجوهر مشروعه القديم، فإن وقائع الحياة قد بينت أن ثمة فارقاً كبيراً بين الواقع والطموح.

فقد كان الحريري يتصور أن تغيرات كبرى ستحدث في المنطقة، في أعقاب مؤتمر مدريد. وكان يتصور، من خلال ذلك، أن ظروفاً جديدة ستنشأ لتضع حداً لنفوذ سوريا في لبنان، باسم الوصاية التي أعطيت لها عربياً ودولياً، وأميركياً على وجه الخصوص. لكن الأمور سارت في اتجاه مختلف. وبدأ يواجه صعوبات متعددة الجوانب والمصادر، داخلياً وإقليمياً، لمتابعة العمل في تحقيق مشروعه.

طموح رجل أعمال

لكنه استمر، من حيث الأساس وفي جوهره، مشروعاً سياسياً واقتصادياً، على قياس طموحات وأهداف ومصالح رجل الأعمال السياسي، اللبناني أساساً، ومصالح شركائه، ليس في المملكة العربية السعودية وحسب، بل كذلك في بلدان عربية أخرى كذلك، وفي الغرب. ولا أضيف شيئاً مفيداً إذا ما قلت بأن هذا المشروع هو مشروع رأسمالي.

لكنه، بالتحديد، مشروع رأسمالي من نوع ما يسود في عالم اليوم، أي من حيث هو جزء من العولمة الرأسمالية الجارية. ومن شروط هذا الترابط، إذا صح تحليلي، بين مشروع الحريري الرأسمالي، والعولمة الرأسمالية الراهنة، التقليل من دور الدولة في الاقتصاد والخدمات والاتجاه نحو الخصخصة، بأشكالها ومستوياتها المختلفة، وإخضاع الدولة ومؤسساتها، بعد احداث بعض الإصلاحات فيها، لهذا الاتجاه في التطور.

لذلك كان لا بد من إعطاء الأولوية في الإعمار للبنى التحتية جميعها، الطرقات والمرافئ والمطارات والكهرباء والاتصالات، لأنها القاعدة التي من دونها يتعذر تحقيق هذا التطور المنشود، كضرورة. علماً بأن أي تطور للبلاد، تحت أية سلطة، سيحتاج، حتماً، إلى إعادة تأهيل البنى التحتية، ربما بشروط أخرى، وبكلفة أقل، وبوتيرة وبأولويات مختلفة، وبإدارة أقل فساداً وأكثر رشاداً، وأكثر مسؤولية.

وفي هذا الاتجاه، بالتحديد، كان لا بد من التركيز، عند حكومة الحريري، في إعادة بناء الدولة، التي انهارت خلال الحرب، ليس باتجاه تحديثها، بالمعنى الديمقراطي للمفهوم وحسب، بل بتعزيز مؤسسات بعينها، أكثر من سواها. وهي المؤسسات التي تخدم عملية الرسملة.

ولن أتحدث، هنا، عن معنى إنشاء شركة «سوليدير» الخاصة بالوسط التجاري، ولا عن الشركات الشبيهة التي أنشئت خصيصاً لمناطق أخرى. فهي، في طريقة إنشائها، وفي صيغها، تعبيرات عن هذا الاتجاه في التطور، بالعموميات، وبالتفاصيل، رغم كون الفكرة، من وجهة نظري، هي فكرة صائبة، إذا ما جرى تحقيقها، في مصلحة التطور العام للبلاد، وفي مصلحة الناس، لا في مصلحة أفراد بعينهم، ومؤسسات بعينها.

وكان من الطبيعي أن يواجه مشروع الحريري منذ بداياته، بنوعين من المواقف: نوع يعتبره المشروع الوحيد الذي يخرج البلاد من حالة الدمار والفوضى، كمشروع للنهوض، ونوع يعتبره إيغالاً في الهيمنة الرأسمالية المتوحشة، المحلية والأجنبية، على مرافق لبنان كلها، وتحكماً بمستقبله، كبلد، وكشعب.

إلا أن معظم تلك المواقف اتسمت بردود فعل، في هذا الاتجاه، أو في الاتجاه النقيض. وكان ذلك أمراً طبيعياً، في ظل الظروف الصعبة والمعقدة التي كان ولا يزال يعيش فيها لبنان، بفعل ما خلفته الحرب الأهلية من دمار في الحياة المادية والروحية، ومن تعطيل موضوعي ومدروس للحياة السياسية، وبفعل الآثار المتعددة الجوانب لاستمرار الاحتلال الإسرائيلي لجزء من الأرض، ولتمادي الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان، ولتفاقم دور الوصاية السورية على لبنان على امتداد الحقبة كلها التي كان فيها الحريري في مواقع السلطة، أو على تخومها.

حول الفساد والهدر

ولابد، هنا، من إنصاف الحريري، في موضوع الفساد والهدر. فقد كانت مصادر الهدر في الأساس تتأتى من الوساطات المفروضة، من الداخل والخارج، على مشاريع البناء، التي لم يكن ممكناً تجاوزها. لأن تجاوز تلك الوساطات، في تلك الظروف، كان سيؤدي حتماً إلى تعطيل عملية البناء في مجالاتها كافة وإلى إبقاء البلاد في حالة الخراب التي خلفتها الحرب.

وكان لي أحاديث مفصلة في بعض لقاءاتي مع الحريري حول هذا الجانب من الفساد والهدر الذي كان سائداً، وبشكل علني. ولا أقول ذلك للدفاع عن الرجل، ولا لتغطية ما كان يشارك فيه بعض معاونيه في هذا النوع من الرشى والفساد والهدر.

ولم تكن المعارضة السياسية للحريري منسجمة في مواقعها. ولم تكن من نوع واحد. ولم تكن تملك جميعها مشاريع بديلة، بما في ذلك القوى التي كانت تنتمي إلى مشروع التغيير الديمقراطي باسم الاشتراكية. فجميع هذه المعارضات كانت شعبوية.

ظل الحريري في مواقع السلطة عقداً بكامله. وصل إلى ذلك الموقع في مطلع تسعينات القرن الماضي. وظل فيه إلى حين استشهاده، بعد انقطاع دام عامين. ويشكل استشهاده حدثاً سياسياً لم يسبق له مثيل. برز ذلك في ردة الفعل السياسية والشعبية على اغتياله. وتكونت بسرعة، حركة جديدة، أعطت لنفسها اسم وصفة ثورة الاستقلال.

وكانت لذلك الاسم ولتلك الصفة إشارات واضحة في اتجاه تحميل الوصاية السورية، سياسياً عل الأقل، مسؤولية اغتيال الحريري، غداة القرار السوري بفرض التمديد للرئيس إميل لحود، لولاية ثانية لمدة ثلاث سنوات، بالقسر، خلافاً للدستور، نصاً وروحاً.

تعرفت إلى رفيق الحريري في أواسط عام 1982 في باريس، عندما كنت أقوم بتمثيل الحركة الوطنية اللبنانية في الخارج، في أعقاب الاجتياح الإسرائيلي للبنان. اتصلت به بالهاتف، وذهبت إلى لقائه في مكاتبه في الدفانس (Defense) في ضواحي العاصمة الفرنسية. استقبلني بفتور، في بداية اللقاء.

وحين أخبرته أنني لست ممن يطلبون خدمات منه ومن أمثاله، وهممت بالخروج، غير موقفه في الحال. وبدأ يحدثني عن مشاريعه في خدمة لبنان. استمر اللقاء ساعتين، خرج بعدها ليودعني إلى أمام المصعد. وكان مكتبه يغص بالزائرين من كل أنواع الناس، رجال أعمال، أصحاب مصالح، وطلاب خدمات.

ثم التقيت به ثانية وثالثة في مؤتمري جنيف ولوزان في عام 1984. واستمرت اللقاءات معه عندما أصبح رئيساً للحكومة. وكانت لتلك اللقاءات مهمات تتصل بالحزب الشيوعي. وكثيراً ما كنت أتصل به هاتفياً، لإعلامه بأمر من الأمور، أو لسؤاله عن موضوع من المواضيع. وجميعها كانت ذات صلة بالحزب الشيوعي.

وكان يبدي لي الاحترام، بالنظر لأنني كنت أختلف عن كثيرين ممن كانوا يسعون إلى إقامة علاقة معه لخدمة شخصية، من تلك الأنواع من الخدمات التي لا تحصى عدداً. وكان كلما كنت ألتقي به، منذ بدايات لقاءاتنا، يحدثني عن تاريخه كمناضل في حركة القوميين العرب. وأذكر أنني التقيت به عندما كان يعمل محاسباً في مجلة «الحرية»، من دون أن أعرف أنه هو الذي سيصبح، بعد أن خرج من العمل في ذلك الحين، رفيق الحريري الجديد، رجل الأعمال، ورجل السياسة، والمبادر إلى تشكيل تيار جديد باسم تيار المستقبل، ثم رجل الحكم من نوع جديد ومختلف عمن سبقوه إلى هذا الموقع.

عصامي من الدرجة الأولى

رحل رفيق الحريري وهو في الواحدة والستين من عمره. وهو عمر شباب. وكان مؤهلاً، بعد التجربة الغنية التي اكتسبها في ميدان الأعمال، وفي ميدان الإعمار، وفي ميدان السياسة، داخل السلطة وخارجها، كان مؤهلاً لأن يلعب دوراً كبيراً، في لبنان وعلى الصعيدين العربي والعالمي.

وتشير سيرة حياته، في المراحل الأولى منها، إلى أنه رجل عصامي من الدرجة الأولى.

سافر إلى المملكة العربية السعودية في عام 1966، ليمارس العمل في التدريس. ثم انتقل بعد ذلك إلى ممارسة العمل في المحاسبة، ميدان تخصصه. ومن العمل في المحاسبة انتقل إلى النشاط في ميدان الأعمال. وهو العمل الذي قاده في سرعة استثنائية إلى الموقع الذي احتله كرجل أعمال من الدرجة الأولى.

وحين أصبح في هذا الموقع التفت إلى بلده لبنان. وكان مشروعه الطبي والجامعي في منطقة كفر فالوس في شرقي صيدا هو بداية مشاريعه اللبنانية، التي ظلت تتسع تدريجياً إلى أن أصبحت بحجم المشاريع الكبرى في المنطقة. أسس في أواخر السبعينات مؤسسة الحريري التعليمية. وهي المؤسسة التي أتاح فيها، خلال عقدين من الزمن، لسبعة وثلاثين ألف طالب لبناني الدخول إلى جامعات العالم للتخصص في الميادين التي تهيئ للبنان كفاءات من النوع الذي يساهم في تحقيق التقدم للبلاد.

وهكذا، وخلال الأعوام التي قضاها في موقع رئاسة الحكومة اللبنانية، أخذ على عاتقه إعادة إعمار ما هدمته الحرب. وصار، بهذا الدور الإعماري، شبيهاً بهوسمان الفرنسي باني مدينة باريس.

إن تغييب الحريري وتغييب آخرين من كبار قادة الفكر والسياسة والإعلام، بتلك الطريقة الهمجية، من النوع الذي مارسه ويمارسه بن لادن وأمثاله من وحوش الغاب، يطرح جملة من الأسئلة: من الذي اغتالهم، ولماذا اغتالهم، وتحقيقاً لمصالح من، وما هي الاستهدافات؟ وإذا كان ثمة بعض الإجابات المفترضة والمتداولة عن هذه الأسئلة، فإن الأساسي من تلك الإجابات مفترض أن تقدمه المحكمة الدولية. فهل ستكون هذه المحكمة، في الشروط الراهنة، محلياً وإقليمياً ودولياً، قادرة ومؤهلة على تقديم تلك الإجابات بوضوح عن تلك الأسئلة؟

شخصية تتسم بالتفرد

تختلف الآراء، في لبنان وفي العالم العربي، حول شخصية رفيق الحريري بصفاته المتعددة، رجل الأعمال، الرجل السياسي في السلطة وخارجها، مضافة إليها صفة الشهيد. فهو يشكل، بصفاته المشار إليها، ظاهرة غير مسبوقة في تاريخ لبنان، وفي تاريخ المنطقة.

وكان بروز شخصيته، وصعوده السريع إلى المواقع التي احتلها في لبنان وفي العالم العربي وفي العالم، مثيرين للدهشة، ومثيرين للجدل في الآن ذاته. ويزيد في كثرة الأسئلة حوله أمران متناقضان في سيرته: الأمر الأول يتمثل في المرحلة الأولى من حياته كأحد المناضلين في صفوف حركة القوميين العرب في مطالع ستينات القرن الماضي. الأمر الثاني يتمثل في كونه استطاع، بعد ذهابه إلى المملكة العربية السعودية كمدرس في البدء، ثم كعامل في ميدان المحاسبة، أن يتحول بسرعة استثنائية إلى رجل أعمال كبير، شريك للعائلة المالكة السعودية في ميدان العمل الاقتصادي، في جوانبه المختلفة.

لكن الثابت في شخصيته هو أنه من نوع الرجال الذين يتعلمون من تجاربهم الشخصية ومن أحداث الحياة، وممن يعرفون كيف يستفيدون من الفرص حين تبرز أمامهم شروط الاستفادة والتعلم منها. وهو، في هذا الأمر، يلتقي مع عدد من الشخصيات السياسية المعروفة في العالم العربي وفي العالم في سرعة تطوره وتطور شخصيته، وفي قدرته على تحقيق طموحاته بجرأة ومثابرة شديدتي الدقة.

إلا أن المشكلة التي واجهها الحريري في صعوده السريع إلى الموقع الذي احتله، واستشهد بسببه، إنما تكمن في اللحظة التاريخية التي اختارها هو، والتي اختيرت له في الآن ذاته، لكي يحقق مطامحه، وليحقق مطامح أخرى ترتبط بعلاقاته العربية التي لم يتبرأ منها. وهي المطامح، بشقيها، التي تقدم بسرعة استثنائية في اتجاه تحقيقها.

وهذه اللحظة التي أشير إليها هي التي كان فيها لبنان يعاني من كارثة الحرب الأهلية، ومن صعوبات الخروج منها، ومن كثرة التدخلات الخارجية فيها، ومن كثرة الباحثين عن السبل التي تقود إلى إيقافها، وفق شروطهم. والمفارقة العجيبة هي أن هذه اللحظة، بالذات، هي التي ساعدته على التقدم بسرعة نحو تحقيق مطامحه. وهي ذاتها اللحظة التي وضعته أمام مسؤوليات كبرى لم يكن مسموحاً له أن يمارسها بحرية، وفق ما كان يطمح. وهي ذاتها اللحظة التاريخية التي قادته إلى حتفه.

وفي تقديري فإن الحريري، بصفاته كلها المشار إليها آنفاً، لا سيما منها صفته كرجل أعمال كبير وناجح، إنما كان يتميز عن سائر الذين سبقوه إلى موقع المسؤولية على رأس السلطة التنفيذية في لبنان، بأنه كان يملك مشروعاً حقيقياً لدولة رأسمالية حديثة في لبنان، دولة ديمقراطية على نسق الدول الديمقراطية القائمة في أوروبا، أي دولة مؤسسات وقوانين وسوى ذلك مما يتيح للبنان أن يتحول إلى دولة من نوع مختلف عن جيرانه وأشقائه.

وهذه الدولة ذاتها، الديمقراطية بالمعنى المعروف في العالم المعاصر، هي دولة رأسمالية بكل المعاني. لكنها دولة تختلف بديمقراطيتها، في تصور الحريري لها، عن الدول العربية الأخرى، التي تتحكم بها سلطات استبدادية، متعددة الصيغ، ألغت كل مظاهر الديمقراطية في مؤسسات الدولة والمجتمع، وفي ما يتعلق بحرية الأفراد وبحقوقهم كمواطنين.

كريم مروة