يقال إن التمرد جزء لا يتجزأ من الروح اليونانية، وأن ما حصل في الشهور الأخيرة من اضطرابات عمت أرجاء البلاد لا يعدو ع كونه تفصيلاً صغيراً في السياق التاريخي للأمة الهيلينية التي شهدت الكثير من الأحداث الجسام على مدى قرون طويلة. ولكن ما بدا أنه حدث عابر انطلق بسبب مقتل الفتى اليكسيس غريغوروبولوس في ال6 من شهر ديسمبر العام الماضي، تطور إلى حريق مستعر تمدد خارج العاصمة أثينا ليصل بالتدريج إلى مدن يونانية وأوروبية أخرى، أحرق أطراف ثوب الاتحاد الأوروبي قبل أن تسارع الحكومة اليونانية إلى تداركه.. ولو إلى حين.
وإذ احتفلت اليونان مؤخراً بالذكرى ال188 لاستقلالها عن الامبراطورية العثمانية، تبدو عاصمة الديمقراطية تناجي تاريخها وهي ترى نفسها على مفترق طرق مصيري، في وقت لا يمكن إلا أن نؤكد أن الأزمة المالية العالمية لعبت دوراً ذي مغزى في تأجيج الأحداث الأخيرة. شكلت اضطرابات ديسمبر الماضي التي استمرت نحو عشرة أيام تحولاً جوهرياً كبيراً في مجرى الاحتجاجات الطلابية التي تميزت بها اليونان والدول الأوروبية بشكل عام منذ سنوات عديدة، لكونها سيرت من قبل طلاب جامعات يونانيين ينتمون إلى الطبقة الوسطى، على خلاف الاضطرابات التي كانت تعم شوارع المدن الأوروبية في السابق والتي كانت تتصدرها، كسمة مميزة، مطالب للطبقات المهمشة من المهاجرين والفقراء على غرار أحداث الضواحي في باريس العام 2005.
واتسعت تلك الاحتجاجات شيئاً فشيئاً وتفاقمت لتلتحق بركبها منظمات اليسار المتطرف والتنظيمات الفوضوية المنتشرة في اليونان لتتخللها أعمال شغب ونهب وحرق للممتلكات العامة تزامناً مع نداءات بإحياء «اليقظة الاجتماعية» ورفع شعارات «المقاومة ضد الاضطهاد والقمع»، فأبرزت وسائل الإعلام المحلية ما اعتبرته عودة للمنظمات اليسارية الإرهابية في اليونان.
وفي السياق ذاته، أكد طلاب الجامعات أن الدافع الأساسي وراء تحركاتهم تلك ليس إلا إعلانها صرخة مدوية ضد استشراء الفساد وضعف أداء الحكومة الاقتصادي والاستخدام المفرط للقوة لعناصر مكافحة الشغب اليونانية في كبحها لجماح المحتجين، حيث أعرب 83 في المئة من اليونانيين آنذاك عن امتعاضهم من رد فعل أفراد الشرطة، مؤكدين أن «متظاهرين» عميان دستهم السلطات عبثوا في واقع الأمر بممتلكات المواطنين ومصالحهم التجارية.
وأياً كانت الأسباب، تبدو اليونان أحوج ما تكون، بعد أن هدأت قعقعة الاضطرابات، إلى مراجعة حقيقية وشاملة لمسيرتها السياسية وأفقها الاجتماعي، وإلا فإن ما حدث في ال6 من ديسمبر يمكن له أن يتكرر مجدداً.. فعظيم النار من مستصغر الشرر.
عائلات سياسية
يبرر العديد من اليونانيين أسباب غضبتهم هذه لما يصفونه بـ «استحكام» عائلات سياسية، كما يسمونها، وسيطرتها الراسخة على الحراك السياسي في البلاد منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، زادهم سخطاً تورط الساسة اليونانيون غير مرة في فضائح أخلاقية ومالية مختلفة هزت المجتمع اليوناني المحافظ إلى حد بعيد.
وفي نظرة لخريطة الأحزاب في اليونان، يبرز حزبا «الديمقراطية الجديدة» اليميني الحاكم والحزب الاشتراكي المعروف باسم «باسوك» كعملاقين في الحلبة السياسية منذ سنوات طويلة، يقودهما عائلتا كارامنليس وباباندريو على التوالي.
ويمتلك الحزبان وحدهما 254 مقعداً من إجمالي 300 هي عدد مقاعد البرلمان اليوناني، فيما يأتي الحزب الشيوعي ثالثاً بفارق كبير بامتلاكه ل22 مقعداً فقط. ويحتل حزبا «سيريزا» اليساري ب14 مقعداً و«التجمع الأرثوذكسي الشعبي» ب10 مقاعد المرتبتين الأخيرتين في البرلمان الذي يفرض على الأحزاب تخطي حاجز ال3 في المئة في التصويت العام للظفر بمقعد فيه.
وقد تعاقبت عائلتا كارامنليس وباباندريو على حكم البلاد على مدى 32 عاماً من أصل الأعوام ال53 الأخيرة، كان من بينها 20 عاماً بعد سقوط النظام الدكتاتوري العسكري الذي حكم اليونان بين عامي 1967 و1974. فكان كونستانتين كارامنليس، رئيس الحكومة الحالية الذي يحمل الاسم نفسه، رئيساً للجمهورية لفترتين متباعدتين: 1980 ـ 1985 و1990 ـ 1995 ورئيساً للوزراء بين عامي 1974 و1980.
أما زعيم الحزب الاشتراكي الحالي جورج باباندريو، الذي حمل لواء الدبلوماسية بين عامي 1999 و2004، فوالده هو أندرياس باباندريو مؤسس الحزب ورئيس الحكومة لولايتين الأولى دامت من العام 1981 حتى 1989، والثانية كانت بين عامي 1993 و1996 حتى قبل وفاته بشهور معدودة. وأندرياس باباندريو نفسه ليس إلا نجل جورج باباندريو الجد الذي تقلد منصب رئاسة الوزراء ثلاث مرات بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية.
وبرغم هذا التذمر، فإن كثيرين، على الجهة المقابلة، لا ينسون فضل هاتين العائلتين اللتين أسهمتا إسهاماً كبيراً في تقدم المؤسسات الديمقراطية وتنميتها في البلاد، حيث يقال دائماً في أروقة السياسة اليونانية ان عائلة كارامنليس أعادت لليونان وجهها الديمقراطي، في حين جددت عائلة باباندريو الحياة السياسية بالكامل. ومع ضمور الأحزاب الأخرى، فإن أحداً لم يتقدم لاعتلاء المنصة بغية تقديم طريق سياسي ثالث أو على الأقل تجديد ما هو متداول.
منظمات فوضوية
في خضم كل ذلك، تطل منظمات اليسار المتطرف والتنظيمات الفوضوية برأسها في كل مناسبة تراها سانحة لتمرير أجندتها العبثية. وعرفت اليونان دون غيرها من الدول الأوروبية بنشاط كثيف للحركات الفوضوية التي رفعت شعارات «اللا سلطوية» وسعت لتحقيق أفكارها في رفض ما تعتبره «وصاية غير مقبولة» من جهة الحكومة على الشعب، في رفض «منظم» لمفاهيم الديمقراطية.
والتيار الفوضوي ضارب بجذوره عميقاً في التاريخ السياسي اليوناني، إذ لطالما اتهم بقيادة احتجاجات الشوارع وتنسيق الهجمات ضد الممتلكات العامة وكل ما يمت للدولة والرموز الرأسمالية بصلة كالمصارف الأجنبية والمؤسسات الحكومية.
ومع أن تأثيرات منظماته تظل ضئيلة وتتراوح بين صدامات روتينية مع عناصر الأمن وصولاً إلى تفخيخ السيارات الفارغة وزرع القنابل ذات التأثير المحدود، إلا أن تنظيماً مثل «17 نوفمبر»، على سبيل المثال، تمكن عبر عقود من العمليات الإرهابية من استهداف سفارات ودبلوماسيين أجانب وسياسيين محليين بلغ عددهم نحو 23 ضحية، ليشكل هاجساً مزعجاً للسلطات إلى أن حل قبل بضعة أعوام. ولأن «سيزيف»، رمز العذاب السرمدي، ولد يونانياً بحسب الأساطير الإغريقية، لا غرو والحال كذلك أن يفضل التاريخ استنساخ نفسه في تكرار تراجيدي لأحداث خلت.
وكم يبدو اليوم شبيهاً بالأمس: انتفاضة شبه يومية تواصلت بين عامي 1985 و1986 بعدما لقي مراهق يبلغ من العمر 15 عاماً حتفه إثر مواجهات مع قوات الأمن. إذن، يبدو الشعب اليوناني محاصراً ما بين التسليم بحالة السكون التي تعتري سماء وطنه السياسية، كما يشير إليها، أو اللوذ بـ «لا عقلانية» الفكر الهدام الذي يتلظى خلف المصائب ليقتات من نتاجها. وما بين هذا وذاك، يتوق الجميع إلى رؤية «أثينا»، إلهة الحكمة ـ في الأساطير اليونانية ـ وهي تفرد جناحيها على العاصمة التي سميت باسمها.