هو صراع امتد، ولعله ما برح ممتدا عبر الحقب والقرون.. هو الصراع أو فلنقل التنافس بين السيف والقلم.. أو بين السلاح والكتاب. في زمان قديم انتصر الشاعر أبو تمام الطائي (845م) للسيف الذي هو أصدق أنباء وبالطبع أشد حسما من الكتب. ثم حاولت البشرية أن توفق بين القطبين ـ فكان أن أطلقت على شاعر في العصر الحديث هو البارودي (1904) لقبه الشهير: رجل السيف والقلم.
لكن ها هي القضية تثور في أيامنا من جديد ويكاد يلخصها سؤال يتردد بإلحاح شديد وهو:
** ثمة مشكلة صعبة يواجهها عالمنا المعاصر.. فهل يكون حلها على يد السيف أو على يد القلم؟
لا تتعلق المشكلة بالشعر ولا بالأدب. لكنها تتعلق بذلك الوباء الذي عاود ظهوره من جديد في أعالي بحار العالم وفي خضم محيطاته المائجة الزاخرة أنها مشكلة القرصنة التي تتوالى أخبارها المؤرقة مع مطلع كل صباح.
حكايات القراصنة
ولقد أتى على عالمنا أحيان من الدهر نسي الناس فيها حكاية القراصنة وجرائم القرصنة التي كانت تقض مضاجع أهل القرون الماضية: راحت أيامهم ولم تبق غير أفلام سينما هوليوود أو بعض الحكايات أشباه الأساطير التي تروي مثلا قصة «ذو اللحية الزرقاء» أو ترسم الصورة النمطية الشهيرة لأي قرصان بعين واحدة وتلسكوب قديم وملابس تنتمي إلى القرن السابع عشر ـ وحركة دؤوب يقفز فيها من سفينة إلى أخرى.. يلقي الأوامر إلى بحارة شبه مجانين ويتعامل مع حياة البشر وممتلكات البشر بكل ما تعكسه روح الإجرام والاستهتار.
لكن حكاية القرصنة لم تعد مجرد استعادة لذكريات تاريخ قديم يصلح لروايات السينما أو لحكايات ما قبل المنام. أصبحت شأنا من أخطر ما يكون ـ وبخاصة في منطقة المحيط الهندي ـ القرن الأفريقي الذي تطل عليه شواطئ الصومال.
دبابات وبترول
وربما ظل العالم يتعامل مع قرصنة القرن الأفريقي بنوع من الدهشة الممزوجة باللامبالاة إلى أن استولى القراصنة الصوماليون على السفينة الأوكرانية «فاينا».. وترجع أهمية الحدث الذي تسامع به العالم في 25 سبتمبر 2008 إلى أن «فاينا» كانت تحمل دبابات روسية وشحنات من ذخائر اليورانيوم المنضّب موجهة إلى دولة أفريقية ـ على باب الله كما يقولون ـ هي كينيا.
ورغم خطورة هذه الشحنات من السلاح الثقيل فربما كان الأخطر أيضا هو أن أمعن قراصنة القرن الأفريقي ـ سواحل الصومال بالذات ـ في جسارتهم الإجرامية فكان أن اختطفوا السفينة «سيريوس ستار» التي كانت ترفع علم دولة أفريقية على باب الله بدورها وهي ليبريا. هذا الحدث الثاني سرعان ما أصبح في بؤرة اهتمام الأوساط الأمنية والاقتصادية بل والسياسية المعنية في الولايات المتحدة.
* لماذا؟
* لأن الناقلة «ستار» كانت تحمل شحنة حيوية من النفط يبلغ سعرها أكثر من 100 مليون دولار كانت في طريقها إلى الأسواق الأميركية. كان ذلك في شهر نوفمبر الماضي. يومها لاحظ المراقبون في واشنطن أن الأميرال «مايكل موللن» رئيس الأركان الأميركي قد أصيب بالذهول إزاء هذه العملية الخطيرة غير المسبوقة التي ترددت أصداؤها سلبا في أسواق الطاقة في العالم كله.
فما بالك وقد انطوت العملية على استخدام قراصنة المحيط الهندي، الصوماليون في معظمهم، أحدث النظم المتطورة في تكنولوجيا التعرف على هوية السفن وتحديد مواقعها في عرض المحيط!
وبديهي، إن لم يقتصر الأمر على سفينة الدبابات أو ناقلة البترول ـ بل تدل أحدث الإحصاءات على أنه منذ بداية العام الحالي تعرضت لاختطاف القراصنة أكثر من 97 سفينة ما بين المضايق والمداخل الجنوبية للبحر الأحمر إلى المياه الإقليمية للصومال.. أي على مقربة من واحد من أكثر الخطوط الملاحية أهمية بل حيوية بالنسبة للتجارة العالمية بما في ذلك نسبة 12 في المئة من الإمداد العالمي اليومي من البترول.
ومعنى ذلك أن يصبح بوسع قرصان أفريقي ـ صومالي أن يصيب بالشلل دورة الصناعة والإنتاج في أكثر من دولة.. فما بالك وكل دول كوكبنا تقف في هذه المرحلة على شفا مرحلة اقتصادية تنذر بأخطار لا يعلم بها إلا الله!
إحصاءات خطيرة
والمعروف أن مجلس العموم البريطاني كان قد تنبه منذ عام 2006 إلى خطر القرصنة على أمن التجارة العالمية وسلامة الملاحة الدولية.. وأكد البرلمان الإنجليزي وقتها أن العالم يتكبد بذلك تكاليف فادحة ما بين ضياع أرواح البحارة إلى تحمل تكاليف تأمين السفن العابرة إلى ارتفاع أسعار التأمين البحري.
وفي معرض التكاليف بالذات تشير أحدث الإحصاءات الأميركية إلى أن أنشطة القراصنة الإجرامية في المحيطين الهندي والباسيفيكي تكلف شركات النقل البحري نحو 15 مليار دولار من الخسائر سنويا، مما أدى إلى ارتفاع أقساط التأمين على عابرات خليج عدن ومضيق باب المندب من 500 دولار شهريا إلى 20 ألف دولار في الشهر الواحد. يضاف إلى ذلك تأثير هذه القرصنة على إعاقة وتعطيل خطط التنمية في الأقطار التي تمسّ حاجتها إليها في قارة أفريقيا على وجه الخصوص.
في كل حال، لم يملك المحللون سوى أن يربطوا بين تنامي آفة القرصنة في منطقة القرن الأفريقي بالذات وبين الوضع الخطير في الصومال.. على مدى الفترات الماضية حيث الاقتتال الداخلي، والصراعات العشائرية وانهيار سيادة القانون لدرجة أن أطلقوا على الصومال مصطلحا مستجدا في معاجم العلوم السياسية هو: الدولة الفاشلة أو المتصدعة المنهارة (Failed State).
زاد من وطأة هذه الحالة تلك الآثار السلبية التي نجمت عما حل بالعالم من خريف العام الماضي من أزمة مالية خانقة أفضت بدورها إلى أزمة كساد اقتصادي جاءت بمثابة تذكير بالغ القسوة بما سبق وأصاب العالم من كارثة «الكساد الكبير» في عقد الثلاثينات من القرن العشرين. والمعروف أنه سبق هذه الأزمة مشاكل اقتصادية جاءت على النقيض في عام 2007 وتمثلت في ارتفاع أسعار البترول بشكل يكاد يكون قياسيا بكل ما تبع ذلك من زيادة أسعار النقل ومن ثمة الارتفاع الطائل في أسعار المواد والمؤن الغذائية..
وكان طبيعيا أن تزيد معدلات التضخم بغير حدود في أسواق الصومال وأن تشهد عدة مناطق من أراضيه مغادرة تدفقات كثيفة من السكان ديارهم الأصلية سواء هربا من الوقوع وسط أقواس نيران الاقتتال الداخلي أو التماسا لأي أسباب تكفل سد الرمق بعد أن ارتفعت أسعار المواد الغذائية بمعدل زاد وقتها عن 250 %. وسط هذا الموج المتلاطم من تيارات الأزمة. كان طبيعيا أن تضرب الفوضى أطنابها وأن تنهار سلطة القانون ومن ثم ترتفع أعمال السطو في البر ومعها أعمال القرصنة في البحر.. حتى في منطقة بونتلاند التي كان يسودها جو من الاستقرار ولو نسبيا من إقليم الصومال
أحدث دراسة منشورة
وفي معرض التصدي لظاهرة القرصنة تطالعنا أحدث دراسة منشورة مؤخرا في هذا المجال. وهي من إعداد اثنين من كبار الاختصاصيين في القانون البحري الدولي ـ وهما الأستاذان «جيمس كراسكا وبريان ويلسون» وفيها يؤكدان أن مكافحة ظاهرة القرصنة، بكل تداعياتها الوخيمة لا يمكن أن تتم باستخدام القوة العسكرية وحدها.
* السيف وحده لا يصلح في هذا المضمار: فليس من سبيل عمليا إلى أن ترابط أساطيل الدول وعماراتها البحرية، عند سواحل الصومال أو تجوب مدمراتها وفرقاطاتها مياه المحيط الهادي الشاسعة بالليل وبالنهار..
* وبديهي أيضا أن السياسة أو المنطق أو الإعلام لا يصلح مع هذا النمط من الإجرام.
وبمعنى أن القلم وحدة لا يجدي ولا يفيد: المسألة تحتاج إذن إلى تحالف بين السيف والقلم بين ردع القوة العسكرية وتفعيل بنود القانون الدولي.
ويتمسك صاحبا الدراسة بهذه الشراكة بين القلم والسيف لدرجة أن يتخذاها عنوانا للبحث الذي نشراه في أحدث الأعداد الصادرة منذ أيام عن مجلة «وورلد بوليسي جورنال» المعنية بشؤون السياسة العالمية وشجونها. في مجال القوة المسلحة تطالب هذه الدراسة بقيام شراكة من التعاون المؤسسي الوثيق بين كل الأطراف صاحبة المصلحة: دولة القلم + دولة المرفأ + دولة الساحل + دولة المنشأ + دولة المقصد. أما في مجال القلم فالدراسة تؤكد أهمية تفعيل وتنفيذ القانون الدولي قائلة بالحرف:
إن القانون الدولي له أهمية تفوق بكثير مجرد إضافة سفينة حربية جديدة إلى حشد الأساطيل التي تتحرك في مياه القرن الأفريقي.
أهمية القانون الدولي
القانون الدولي هو الكفيل بأن تتضافر دول الجوار من أجل خلق شبكة معلومات وأجهزة ترقب وعناصر إنذار ونظم اتصال بالغة الكفاءة يتم نصبها في مواقع حيوية من دول الجوار ودول المرور عبر اتفاقات مشروعة معها وفي إطار من احترام سيادتها الوطنية.. وفي هذا أيضا تستعيد الدراسة مقولة «توني بلير» رئيس وزراء بريطانيا السابق حين قال: إن سلاحنا النهائي ليس المدفع الذي نطلق نيرانه ولكنه الفكرة التي نؤمن بها.
ومرة أخرى فاللجوء إلى قوة المدفع واستخدام نيران الأساطيل أمر له إغراؤه.. لكن سيف القوة له حدود مهما كان مصقولا أو بتارا. لا بد أن تسنده قوة السياسة والمنطق والبناء المؤسسي.. وإقرار حكم القانون. وبمعنى أن للقلم دورا.. وللكتاب والقانون مهمة لا بد أن يؤديها.
لهذا تخلص الدراسة إلى سطور تقول فيها: أي حل ناجع يواجه ظاهرة القرصنة في منطقة القرن الأفريقي وغربي المحيط الهندي على الأجل الطويل يتطلب أساسا مواجهة ظاهرة انعدام القانون في الصومال. وأفضل الخيارات في هذا الصدد هو أن يتضافر العالم (مع شعب الصومال نفسه) من أجل أن يتولى زمام الأمور في مقديشو حكم مستقر ومسؤول ينهج جادة الاعتدال ويمكن دعمه بالإمكانات اللازمة التي تتيح له كبح جماح عصابات القراصنة التي تعيث فسادا في مياه البلاد وعلى طول سواحلها.
الحل الجوهري إذن يكمن في استعادة سلطة القانون.. وفي العمل على بناء دولة حديثة.. تجمع بداهة بين شكيمة السيف ونباهة القلم في آن معا.
محمد الخولي