رغم ما تبشر به فكرة دورية انعقاد القمة العربية اللاتينية إثر اجتماعها الثاني في الدوحة 31 مارس الماضي من آمال بإنشاء آلية تدعم فكرة مولد كيان سياسي واقتصادي جديد على الساحة الدولية، إلا أن هذا التصور يجب أن يخضع لمزيد من البحث والتحليل حتى لا يفيق أصحابه على ما قد يكون أوهاما ساروا وراءها دون تمحيص.

والأسئلة التي يجب طرحها هنا عديدة ويأتي على رأسها: هل يمكن فعلا إيجاد مثل هذا الكيان وبشكل يتسم بالفعالية؟ وما هي حدود الفائدة التي ستعود على كل طرف؟ وهل تمثل الدول العربية كتلة واحدة بالفعل يمكن التعامل معها على هذا الأساس أم أنها تمثل مجموعة كيانات تعكس سياسات مختلفة من الصعب التوفيق بينها؟ الأمر ذاته الذي ينطبق على مجموعة دول أميركا اللاتينية؟ وحال الإقرار بإمكانية إنشاء هذا الكيان، فما هي الأسس التي يمكن أن يستند إليها؟

وفي أي المجالات؟ هل في المجال السياسي فقط، أم الاقتصادي أم الثقافي، أم كل هذه المجالات، أم بعضها فقط؟ هذا نوع الأسئلة التي يجب على أي تناول موضوعي للقمة العربية اللاتينية أن يبحثها إذا ما استهدف التوصل إلى إجابة كافية بشأن مستقبل العمل العربي اللاتيني الذي تمثل آلية القمة البوتقة الرئيسية له؟

مقومات التقارب

بداية نشير إلى أن ما يجمع بين الكتلتين، في ضوء القبول بمفهوم الكتلة في التعامل مع كل طرف، أكثر مما يفرق بينهما:

أولا ـ تنتمي الكتلتان في مجموعهما إلى ما يصطلح على توصيفه بالعالم النامي والذي يتركز في الجنوب، وهو ما يعني وجود أساس للتقارب على كافة المستويات السياسية والاقتصادية رغم الفوارق التي تميز بين وحدات الكتلتين وهذا أمر قد يكون طبيعيا ومقبولا.

ثانيا ـ السياق السياسي شبه الواحد الذي يجمع بين الكتلتين على صعيد العلاقات مع الولايات المتحدة القطب الأكبر في النظام الدولي، التي يحكمها قدر من التوتر والمظالم المختلفة على نحو يعزز من الترابط بينهما لجهة الضغط بهذا التقارب على واشنطن لتوازن الكفة وبما يدفع هذه الأخيرة إلى وضع هذا التجمع في الاعتبار لدى صياغة سياستها تجاه أي منهما.

ثالثا ـ وجود نسبة لا باس بها من المهاجرين العرب في أميركا اللاتينية تشكل في بعض التقديرات ما بين 10 و15 في المئة من سكان القارة ما يشكل عاملا يدفع لتعزيز العلاقات بين الجانبين، فهناك، حسبما يشير البعض، أكثر من 20 مليون أميركي لاتيني من أصول عربية وخاصة من بلدان سوريا ولبنان، يعيش من بينهم 8 ملايين في البرازيل وحدها.

وما زال الكثيرون من هؤلاء يحافظون على روابطهم العائلية والثقافية من بلدان أجدادهم. وقد يكون من المعلومات الجدير الإشارة إليها في هذا الصدد أنه ليس هناك ما يمكن اعتباره فجوة كبيرة في عدد سكان الكتلتين حيث انه فيما يقدر في أميركا اللاتينية بنحو 388 مليون نسمة، فإنه يقدر بنحو 300 مليون في العالم العربي.

معوقات عربية

على خلفية هذه المقومات التي تشير إلى وجود ما يجمع بين الكتلتين، نتساءل: هل هذه المقومات كافية للوصول إلى كيان فعال؟

الإجابة التي نقدمها وقد تكون صادمة، ونأمل أن تكون خاطئة أن ذلك يبدو أمرا صعبا ومن غير اليسير تحقيقه في ظل المعطيات الحالية خاصة على الصعيد العربي، الأمر الذي سنحاول أن نعرض له دون إغفال أنه قد تكون هناك عقبات مماثلة على الجانب اللاتيني، يتجاوز نطاق هذا الموضوع التعرض لها بالتناول.

نشير هنا إلى ما يمكن اعتباره عدم اهتمام عربي كبير بذلك الكيان الجديد وأن الأمر لا يتجاوز عند البعض، إن لم يكن عدد كبير من الدول، حملة علاقات عامة وجدت نفسها مجبرة على مسايرتها، وهو ما قد ينعكس في ألا تحقق نتائج القمم الأهداف المرسومة لها.

لا نريد الاستشهاد بالقمم العربية ذاتها وما تنتهي إليه باعتبارها مثالا بالغ السوء على مستقبل العمل العربي اللاتيني، وقد تكون خلاصته بمثابة غوص لقادة أميركا اللاتينية في بحر رمال السياسة العربية على نحو قد لا يكون مفيدا لهم. وإن كانت هناك مؤشرات ضعيفة على رغبة عربية في تعزيز هذا التعاون ومن ذلك مبادرة أمير الكويت بتوفير موارد مالية لتمويل المشاريع الصغيرة وتعهد دولته بالمساهمة بـ 500 مليون دولار تمثل نصف الموارد المطلوبة. ورغم ذلك يمكن للمرء أن يلمس ضعف الاهتمام العربي من خلال عدد من المؤشرات منها:

ا ـ المشاركة العربية المحدودة في القمة الأولى التي عقدت في البرازيل عام 2005 حيث لم يشارك سوى ستة زعماء عرب الأمر الذي عبر الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى عن الاستياء الضمني منه.

ب ـ الأسباب الواهية للاعتذار من قبل بعض القادة العرب عن المشاركة ومن ذلك اعتذار أحدهم ممن كان يفترض به أن يحضر لأسباب عدة بمبرر انشغاله في التحضير لمؤتمر للحزب الحاكم في دولته حسبما أشارت الأنباء آنذاك. ومن المبررات الواهية كذلك والتي تشير إلى عدم إيلاء الطرف العربي الأهمية الكافية للتجمع العربي اللاتيني اعتذار نائب الرئيس العراقي طارق الهاشمي عن رئاسة وفد العراق لتقليص النفقات ولإتاحة تمثيل العراق في وفد موحد نظرا لوجود وفد عراقي آخر في الدوحة ممثلا برئيس الوزراء.

مبادرة نبيلة

إذا كانت هذه معوقات عربية على طريق تفعيل فكرة إنشاء كيان عربي لاتيني ممثلا في القمة على مستوى الرؤساء، فإن من بين المعوقات الأخرى بعيدا عن الجانب العربي غياب التواصل الجغرافي بين العالم العربي ودول أميركا اللاتينية حيث إن المسافة بينهما تتجاوز عشرة آلاف كيلو متر.

نضيف إلى ما سبق مظهرا آخر قد يمثل معوقا ويتوقف اتجاه تأثيره على طبيعة الطرف المتبني للمبادرة بعقد القمة وهو الرئيس البرازيلي والذي أطلق مبادرته تلك خلال جولة شرق أوسطيه له في ديسمبر 2003 بدعوى تغيير خريطة التجارة العالمية من خلال الحث على توحد الدول الفقيرة لمقارعة الدول الغنية. ورغم نبل هذه الدعوة إلا أن ارتباط الحماس لها بشخص بعينه يجعل مستقبلها رهنا بنفوذه والوزن الذي تمثله دولته سواء على مستوى الكتلة التي يمثلها أو الصعيد الدولي.

نستدعي هنا لتفصيل وجهة النظر التي نود الإشارة إليها تجربة قمة الثماني الإسلامية وهي المبادرة التي تبناها رئيس الوزراء التركي الأسبق والزعيم الإسلامي نجم الدين أربكان، وتبنت أهدافا تكاد تكون مماثلة وإن على مستوى مختلف أكثر تجانسا وأكثر عملية وهو المستوى الإسلامي، حيث كان أربكان يأمل أن تكون القمة نواة لتجمع الستين دولة إسلامية في منظمة واحدة، تضمها يمكن أن تسمى منظمة الأمم المتحدة للدول الإسلامية. ورغم الترحيب الذي لقيته الفكرة وانعكس في عقد قمة بين زعماء الدول الثماني في القاهرة في فبراير 2001، إلا أن الفكرة وئدت تماما إثر الإطاحة بأربكان من قبل العسكر في تركيا.

تجربة قمة الثماني الإسلامية

وإذا كانت تجربة قمة الثمانية الإسلامية لا يمكن أن تمثل مقياسا يمكن الاعتماد عليه بشكل كامل لما قد يحيط بالتجربتين من اختلافات، رغم أن نجاح التجربة الأولى كان الأجدر بالتحقق، إلا أننا في محاولة لرصد مجريات الواقع نشير إلى أن هناك مستويين يبشران إذا أحسن استغلالهما الدفع بهذا الكيان إلى الترعرع، وهما المستويان الاقتصادي والسياسي.

أولا ـ المستوى الاقتصادي : تكشف القراءة الدقيقة لأبعاد هذا الجانب عن أن إمكانيات التعاون هائلة وما تحقق منها حتى الآن قد يكون لا بأس به، ويمكن أن يتطور بشكل يمثل دفعة لمثل هذا الكيان. وبهذا الخصوص أشار عمرو موسى إلى أن الأرقام المسجلة في مجال التعاون التجاري بين الجانبين تضاعفت خلال السنوات الأربع الماضية وأن هناك افاقا تؤكد أن هذه الأرقام ستتضاعف مرة أخرى في السنوات القليلة المقبلة.

من العموميات إلى لغة الأرقام نشير إلى أن الصادرات البرازيلية إلى بلدان الشرق الأوسط وافريقيا ارتفعت خلال عام من جولة الرئيس البرازيلي بنحو 20%. أما على المستوى العام فقد تضاعف حجم التبادل التجاري بين المجموعتين ثلاث مرات منذ القمة الأولى في برازيليا عام 2005. وتشير الأرقام هنا إلى أنه ارتفع من 8 مليارات دولار عام 2005 إلى 22 مليار دولار بينها صادرات لاتينية بقيمة 6. 10 مليارات دولار.

تؤكد هذه الأرقام على جدوى مساعي تعزيز العلاقات بين دول المجموعتين وإمكانية تحقيقها على أرض الواقع، إذا ما امتلكت أطرافها الإرادة السياسية لتحقيق ذلك.

ثانيا ـ المستوى السياسي: إذا كان المدخل الاقتصادي هو الأساس في سعي دول أميركا اللاتينية لتعزيز علاقاتهم مع الدول العربية، فإن المدخل السياسي قد يحتل هذه الوضعية على الصعيد العربي. من المثير للدهشة وجود قدر من الانسجام في الأهداف السياسية على الجانب العربي يعزز الأهداف الاقتصادية على الجانب اللاتيني، ما يشير إلى الطبيعة التكاملية للمشروع العربي اللاتيني.

وهنا فإنه من الملاحظات ذات الدلالة التي أشار إليها البعض في معرض التعليق على بيان القمة الثاني أنه رغم الهدف الاقتصادي المعلن منها إلا أن هذا البيان جاء سياسيا أكثر منه اقتصاديا. وتكشف قراءة سريعة في البيان عن أن حجم المساندة اللاتينية للقضايا العربية السياسية تتجاوز بمراحل نظيرتها العربية اللاتينية، إن كانت هناك مساندة عربية لقضايا لاتينية من الأصل.

مساندة للقضايا العربية

فقد تضمن البيان مثلا اتفاقا في وجهات النظر بين قادة الكتلتين تمثل في التحليل الأخير دعما للموقف العربي بشأن عدد من القضايا العربية ومن ذلك مثلا القضية الفلسطينية والعراقية والوضع في الصومال والموقف الأميركي من سوريا وقضية الجزر الإماراتية، وإخلاء الشرق الأوسط من أسلحة الدمار الشامل.. وهى كلها قضايا تتعلق بمطالب عربية، فيما لم يتضمن البيان سوى إشارة واحدة تقريبا إلى قضية تتعلق بأميركا اللاتينية وهى قضية جزر فوكلاند التي يجري النزاع بشأنها بين الأرجنتين وبريطانيا.

وباستثناء قضية الموقف من مذكرة المحكمة الجنائية الدولية بشأن اعتقال الرئيس السوداني عمر البشير والتي لم تحظ بتوافق بين الجانبين، فإنه يمكن القول ان هناك توافقا تقريبيا بشأن مختلف القضايا، وما ينبغي على الجانبين والعرب خاصة، في هذا الصدد، التعاون في إطار الإقرار بالحق في الاختلاف على خلفية مصالح وارتباطات محددة وهي هنا توقيع الدول اللاتينية المشاركة على النظام الأساسي للمحكمة الجنائية.

وتكفي تفاصيل البيان للإشارة إلى الآفاق الواعدة للعلاقات العربية اللاتينية، الأمر الذي يفرض ضرورة العمل على استغلاله بكل السبل عربيا ولاتينيا في عالم أصبحت سمته الأساسية هي التكتلات، الأمر الذي نلمسه في توسع مشروع الاتحاد الأوروبي حتى كاد أن يشمل كل دول القارة وهو أمر نحسب أنه يتحقق بفضل ما يضفيه من منفعة لجميع دوله.

وإذا كانت دول أميركا اللاتينية قدمت المبادرة وعملت على الدفع بها، فإن الكرة تبقى في الملعب العربي الذي نتمنى أن يقذف بها في المرمى هذه المرة. المحك المباشر سيكون القمة المقبلة في مدينة ليما عاصمة بيرو التي اتفق على أن تعقد خلال النصف الأول من عام . 2010. فهل يتجشم الزعماء العرب مشقة السفر أكثر من عشر ساعات لا لشيء سوى المجاملات أم تراهم يحملون مشروعات مختلفة لتعزيز التعاون السياسي والاقتصادي بين التجمعين؟

إضاءة

تضمن البيان مثلاً اتفاقا في وجهات النظر بين قادة الكتلتين تمثل في التحليل الأخير دعما للموقف العربي بشأن عدد من القضايا العربية ومن ذلك مثلا القضية الفلسطينية والعراقية والوضع في الصومال والموقف الأميركي من سوريا وقضية الجزر الإماراتية، وإخلاء الشرق الأوسط من أسلحة الدمار الشامل.. وهي كلها قضايا تتعلق بمطالب عربية، فيما لم يتضمن البيان سوى إشارة واحدة تقريبا إلى قضية تتعلق بأميركا اللاتينية وهي قضية جزر فوكلاند التي يجري النزاع بشأنها بين الأرجنتين وبريطانيا.

وباستثناء قضية الموقف من مذكرة المحكمة الجنائية الدولية بشأن اعتقال الرئيس السوداني عمر البشير والتي لم تحظ بتوافق بين الجانبين، فإنه يمكن القول أن هناك توافقي تقريبيي بشأن مختلف القضايا.

مصطفى عبد الرازق