رغم انتهاء الحرب الباردة منذ انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991 إلا أن العرب ما زالوا خاضعين بشكل أو بآخر لتأثير إعلام الحرب الباردة الموجه إليهم من الغرب، هذا الإعلام الذي كان يروج في التسعينات لانتصار الرأسمالية الغربية على الشيوعية ويظهر روسيا في وضع الدولة المنهارة اقتصاديا وعسكريا وغير القادرة على مواجهة مشاكل الجريمة والفساد وعصابات المافيا والانهيار الاجتماعي داخلها، فكيف لها أن تمد يدها لمساعدة غيرها، وقد ساعد فساد وضعف نظام الرئيس الراحل يلتسين على تكريس ونشر هذه الدعاية الغربية عن روسيا وأظهرها في مظهر الدولة الفقيرة الضعيفة التي تتسول المساعدات من الغرب، وانعكس هذا على الشعب الروسي الذي عانى أشد أنواع الفقر والإذلال خلال فترة التسعينات وقدم للعالم صورة سيئة عن روسيا.

ومع تولي الرئيس فلاديمير بوتين شؤون الحكم في روسيا عام 2000 تغيرت الأحوال في روسيا تماما، ولم تمض الأعوام الأربعة الأولى من حكم بوتين حتى انطلقت روسيا من جديد تستعيد مكانتها على الساحة الدولية، واسترد الاقتصاد الروسي عافيته بعد أن تدخلت الدولة للرقابة على مصادر الإنتاج، وتصدى نظام الرئيس بوتين لمحاربة الفساد وعصابات المافيا، واستعادت الآلة العسكرية الروسية قوتها ونمت بسرعة مذهلة، وأصبحت روسيا، التي تركها يلتسين وهي غارقة في الديون ولا تملك أي احتياطي من النقد الأجنبي، تملك الآن ثاني أكبر احتياطي من العملات الصعبة بعد الصين، الأمر الذي جعلها ـ حسب شهادة الخبراء الغربيين ـ إحدى الدول الثلاث (مع الصين والسعودية) القادرة على مواجهة الأزمة المالية العالمية بأقل الخسائر، وأصبحت العديد من الدول الغربية تلجأ لروسيا تطلب المساعدة والقروض لمواجهة الأزمة.

حتى الولايات المتحدة الأميركية لم تجد مفرا من اللجوء لروسيا تطلب العون منها في أفغانستان، بينما أصبحت أوروبا خاضعة لمصادر الطاقة الروسية من النفط والغاز، وعادت دول أميركا اللاتينية تهرول الواحدة تلو الأخرى نحو روسيا وتفتح لها أراضيها لتضع قواعدها العسكرية فيها، ووقفت إيران تتحدى الإمبراطورية الأميركية وتهدد إسرائيل بالفناء وتتحدى عقوبات الغرب وليس معها من حليف سوى روسيا، بينما رفضت الهند كل الإغراءات الأميركية وفضلت التعاون النووي والعسكري مع روسيا، أما العملاق الصيني فقد أصبح حليفا إستراتيجيا لروسيا داخل منظمة «شنغهاي للتعاون» التي تخشاها واشنطن وتعتبرها تحالفا موجها ضدها، وطردت دول وسط آسيا القواعد العسكرية الأميركية من أراضيها.

هكذا تغير العالم كله خلال الأعوام القليلة الماضية وأصبح هناك نظام عالمي جديد يتشكل لتحتل فيه روسيا مكانة كبيرة يعتقد البعض معها أن تكون أقوى وأهم بكثير من مكانة الاتحاد السوفييتي السابق، خاصة وأنها منفتحة على العالم كله بلا أيديولوجيات ولا تهديدات ولا أحلاف عسكرية. كل هذا يحدث في العالم بينما العرب غائبون ومغيبون، والأسوأ من ذلك أنهم مازالوا يتعاملون مع روسيا بمفاهيم الحرب الباردة السابقة، وينظرون إليها على أنها «الجمعية الخيرية السوفييتية» التي تعطي بلا مقابل، هذا على الرغم من أنهم أحوج من غيرهم بكثير للتعاون مع روسيا الجديدة.

elmoghazy@hotmail.com