حتماً لم يكن في حسبان الرئيس السوداني العودة إلى الخرطوم بأفضل مما حصل عليه في الدوحة. وصول البشير إلى العاصمة القطرية شكّل في ذاته الحدث الأبرز يومها عربياً. ربما لم تواز مشاركته في القمة أهمية، غير غياب الرئيس المصري عنها. القادة العرب أكّدوا الرفض الجازم لمذكّرة توقيف البشير الصادرة من محكمة الجنايات الدولية.
قمة الدوحة لم تكتف فقط برفض قرارات محكمة لاهاي، بل ذهبت إلى استنكار سلطة المحكمة نفسها. أعمق من ذلك، رفض القادة العرب إحالة مجلس الأمن ملف دارفور إلى محكمة لاهاي. بالإضافة إلى ذلك، تعهد الملوك والرؤساء بتقديم معونات فورية للمتضررين في دارفور. القمة ردمت فجوة منظمات الإغاثة الأجنبية الطريدة بثمانية ملايين دولار شهرياً.
الخرطوم نجحت في تصدير مقاربتها للأزمة إلى الدوحة. القمة لم تمض أبعد من رغبات النظام السوداني. الإخفاق الوحيد يتجسد في عدم إقناع القادة العرب بعقد قمة طارئة في الخرطوم. أركان النظام السوداني شدّدوا عند صدور مذكرة التوقيف على مواصلة البناء والتنمية. ذلك هو الرد الوطني ـ كما أكدوا ـ على المحكمة الجنائية الدولية. بدلاً من تكريس هذا النهج المعلن، انشغل النظام بالرد على أوكامبو وليس على المحكمة الدولية. في غضون أيام قلائل، زار البشير ثلاث عواصم مجاورة. المشهد السوداني ضجّ بالتظاهرات الشعبية المناصرة للبشير والرقص الرسمي والبيانات التي بلغت حد الفتوى الشرعية.
سفر الرئيس خارج الحدود ليس سوى هم فرعي في شجرة الأزمة. تكريس ماكينة الدولة بأسرها وأجنحتها الشعبية لهذا الهم الفرعي يضر بالأزمة والنظام والرئيس والوطن. البشير يظلّ آمناً في وطنه، وسفره خارج الحدود حتى تعيد محكمة لاهاي ملف القضية إلى مجلس الأمن معززاً بمذكرة تحضّ مجلس الأمن على تنفيذ التوقيف.
عندما يطلب المجلس من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة التعاون مع طلب المحكمة الدولية يفتح الأفق أمام المغامرات ضد الرئيس السوداني. ذلك أمر لا يطوي ملف الأزمة، بل يفتحه على الجحيم. الشعب السوداني يواجه وقتئذٍ تدابير العقوبات وإجراءات البند السابع المفتوحة على العنف الدولي.
الرد الأكثر بلاغة على المحكمة والمدعي العام ومجلس الأمن يتأتّى بمعالجة جذر القضية. كسب أي مساحة داخل مجلس الأمن لن يتم إنجازه دون اتخاذ خطوات عملية لإطفاء النار في دارفور. الانكباب على أجندة لا تحقق السلام في ذلك الإقليم المهترئ يشكل تبديداً للجهد والوقت.
أي جهد عربي لجمع الفصائل الدارفورية يشكل إضافة نوعية لجهة استرداد السلام في دارفور والاستقرار في السودان بأسره. محادثات الدوحة بين نظام البشير وجبهة خليل أكثر إلحاحاً للجهد العربي. جعل القنوات بين الخرطوم وعواصم صنع القرار الدولي سالكة يعين على احتواء التصعيد.
الرهان السوداني وحده على المحيطين الإفريقي والعربي، لن يمهّد مخرجاً من الأزمة. الخرطوم طلبت من دول القارة السمراء الأعضاء في محكمة لاهاي الخروج عنها. عقب قمة أديس أبابا منتصف فبراير الماضي آثرت تلك الدول اللجوء إلى مجلس الأمن لإلغاء مذكرة التوقيف.. تلك خطوة خاطئة.
البيان الختامي للقمة العربية تحدث في بلاغة عن تضامن غير مسبوق مع البشير. البيانات العربية تتحدث دائماً لغة جميلة. عند ترجمة البنود واقعاً تغلب دائماً لغة المصالح. المصالحات خطفت بؤرة الضوء عن التضامن مع السودان. المصالحات بين الأنظمة خطوة على طريق التصالح بين العديد من الأنظمة وشعوبها. عمرو موسى قال «لو لم تلتئم مصالحات في الدوحة لحدثت انفجارات بين أنظمة وشعوبها».