تشارلز فريمان.. من قلائل الساسة الأميركيين الذين يستطيعون انتقاد إسرائيل بكل جرأة وهم في مناصبهم. ولأنه ؟ على ما يبدو- لا يستطيع التراجع عن مواقفه الشجاعة ضد الدولة العبرية، انسحب وتراجع عن قبول أعلى منصب يتعلق بالأمن القومي الأميركي، وهو منصب رئيس مجلس الاستخبارات الوطني الأميركي.
هذا المجلس، مهمته إعداد تقييم عام وتحليل لتقارير جميع أجهزة الاستخبارات والأمن الأميركية تجاه القضايا المختلفة وهي تقارير ترد من 16 جهة استخبارية وأمنية أميركية، بما في ذلك تقارير وكالة الاستخبارات الأميركية «سي آي إيه». وكلها يعتمد عليها الرئيس الأميركي في المقام الأول وغيره من صانعي وأصحاب القرار في صياغة سياسة الولايات المتحدة الخارجية والأمنية.
قليلون في الإعلام العربي تحدثوا عن هذا الرجل، مع أن سيرته السياسية تجاه العرب مشرفة ولا تسيء لنا، بل تفضح إسرائيل ومن ورائها من ساسة ومنظمات صهيونية ويهودية في الولايات المتحدة. يكفي أن نشير ؟ على سبيل المثال- أنه كان وراء أقوى دراسة أكاديمية نشرت في مارس عام 2006 وحملت عنوان «اللوبي الإسرائيلي والسياسة الخارجية الأميركية» للباحثين الأميركيين ستيفن والت عميد كلية جون أوف كيندي للحكومة بجامعة هارفارد الشهيرة، وجون ميرشيمر أستاذ العلوم السياسية بجامعة شيكاغو.
وخلصت الدراسة إلى أن التأييد الأميركي غير المشروط لإسرائيل يجعلها تحرص على المصالح الأمنية لإسرائيل على حساب مصالحها الخاصة، وأنه كان على صانعي السياسة الأميركية أن يضعوا المصلحة الوطنية الأميركية العليا فوق أي اعتبار، إلا أنهم منذ حرب 1967، أصبحت العلاقة مع إسرائيل هي مركز السياسة الأميركية في الشرق الأوسط، وأدى اقتران الدعم الدائم لإسرائيل إلى إثارة الرأي العام العربي والإسلامي، وعرض للخطر أمن الولايات المتحدة. الدراسة نشرت بعد ذلك في كتاب أصدره مركز لأبحاث الشرق الأوسط كان يترأسه فريمان.
هدأت الضجة الصهيونية الإعلامية عن فريمان إلى حد ما لأنه تراجع عن قبول المنصب. ربما أيقن أن إعصارا صهيونيا سيقضي عليه إن قبل المنصب. فاللوبي اليهودي، قادر على أن يلفق له التهم والفضائح مثلما فعل مع آخرين تجرأوا على اتخاذ موقف ضد إسرائيل.
الرجل على يقين بألاعيب الصهاينة، ولذلك نشر رسالة اتهم فيها هذا اللوبي باستخدام «سياسة اغتيال الشخصية وسياسة الاحتواء» وذلك بالاعتراض على تعيين الشخصيات التي تختلف معه في مواقفها. وقال في حوار مع شبكة «بي بي سي»، ان جماعات لها صلة بأجنحة يمينية في إسرائيل منها لوبي حزب الليكود الذي يتزعمه نتانياهو أو حزب «إسرائيل بيتنا» الذي يقوده العنصري ليبرمان، هي التي شنت حملة ضده.
ويرى أنه شعر بإهانة بالغة بسبب التهجم عليه من رجل أُدين رسميا بالتجسس لصالح «إسرائيل» ويقصد ستيف روزن المسؤول السابق في منظمة إيباك أكبر منظمات اللوبي اليهودي الأميركي. فريمان رأى أن حملة التشهير به والتي تعرض لها لمواقفه الصريحة تجاه إسرائيل لن تتوقف إذا كان قد قبل بمنصب رئيس الاستخبارات، وهذا سيؤثر على عمله، أو كما قال لن يجعل مجلس الاستخبارات يمارس عمله بشكل فعال ورئيسه يتعرض لهجوم مستمر من أناس لا ضمير لهم.
فريمان فوت الفرصة على صهاينة أميركا بانسحابه من منصب رفيع يتمناه كل خبير أو سياسي، ولكنه يرى أن إدارة الرئيس أوباما لن تسلم من سطوة اللوبي الصهيوني. وهذا لا يستبعده أي مراقب، خاصة بعد أن سارعت الإدارة برفض تقرير الأمم المتحدة عن جرائم إسرائيل في غزة.
حسن صابر