ليس جديداً على بيروت وصفها بعاصمة الكتاب. فهي كانت، منذ زمن قديم، عاصمة للكتاب تأليفاً وترجمة وطباعة وإنتاجاً وتعميماً. بل هي كانت، منذ وقت مبكر، عاصمة للثقافة بفروعها وميادينها المختلفة. ولم يكن بإمكان بيروت أن تحتل هذا الموقع المميز في العالم العربي وفي العالم الشرق أوسطي لو لم تكن، في الأساس، عاصمة للحرية. فالحرية التي سادت في بيروت، حتى في أصعب وأدق المراحل وأكثرها اضطراباً في تاريخ لبنان القديم والحديث (الحرب الأهلية نموذجاً)، هي التي مكنتها من أن تكون عاصمة للطباعة وعاصمة للكتاب وعاصمة للثقافة. وهي جميعها صفات تعطي لبيروت مجداً تستحقه بجدارة.
في العام الماضي (2008) قررت منظمة اليونسكو اختيار بيروت عاصمة عالمية للكتاب لعام 2009. وقد جاء ذلك القرار تثبيتاً لأمر واقع، وتأكيداً لحقيقة تاريخية. وهو مجد إضافي تستحقه هذه العاصمة الأبية، الأبية بامتياز. فهي قد استعصت على الغزاة، منذ قديم الزمان. وظلت تستعصي على هؤلاء الغزاة بقوة وتفرض عليهم الهزيمة بكل معانيها. وكان من عظائم مجدها في ثمانينات القرن الماضي أنها صمدت في وجه الحصار الغاشم الذي فرضه عليها الغزاة الإسرائيليون، برابرة العصر الحديث.
وواجهت بشجاعة وثقة احتلال هؤلاء الغزاة لها بعد ذلك الحصار الذي دام ثلاثة أشهر مليئة بالقصف العشوائي المدمر. وكانت جبهة المقاومة الوطنية، اليسارية الصنع والعمل المقاوم والبطولة، هي الأداة الحقيقية التي عبرت عن صمود أهل بيروت في ذلك الزمان، لبنانيين وفلسطينيين. وتمكن أبطال تلك الجبهة بعملياتهم المنظمة المتواصلة ضد الغزاة في إلحاق الهزيمة بهم وفرض الانسحاب عليهم خلال أسبوع، وهم يرددون عبر مكبرات الصوت نداءهم الشهير: يا أهالي بيروت أوقفوا عملياتكم ضدنا. إننا منسحبون من عاصمتكم.
بيروت الحرية والثقافة والكتاب والمقاومة، ربما تكون بصفاتها المشار إليها، هي التي دفعت منظمة اليونسكو إلى اتخاذ قرارها باختيار عاصمتنا عاصمة عالمية للكتاب في عام 2009. هذا هو المعنى الحقيقي لهذا القرار التاريخي، كما أعتقد، الذي يضيف إلى صفات بيروت الكبرى صفة كبيرة جديدة.
كل ذلك صحيح. ولا أظن أحداً يجادل في صحته، أو يختلف فيه. لكن ثمة أمراً آخر يستحق التوقف عنده في الحديث عن بيروت، ارتباطاً بهذا القرار الذي اتخذته منظمة اليونسكو. وهذا الأمر جدير بأن ينظر إليه كما هو، وأن يجري التعامل معه كما هو، في دلالاته الراهنة، وفي الاحتمالات المتصلة به في المستقبل. جوهر ما ينطوي عليه هذا الأمر هو أن بيروت، بسبب صفاتها المشار إليها، لم تكن فقط، هدفاً للسيطرة عليها من قبل القوى الخارجية، النقيضة لها في الحرية وفي الثقافة وفي التنوع، إسرائيل تحديداً. بل كانت هدفاً من قبل أنظمة أخرى محيطة بلبنان جغرافياً وسياسياً وقومياً.
لقد كان مجرد وجود عاصمة مثل بيروت لبلد مثل لبنان، يخلق المتاعب لأرباب تلك الأنظمة. وكان يثير إزاءها نوعاً من الحقد الذي لا يوصف. فكان لا بد من تطويعها، وإلغاء تلك الصفات التي اقترنت بها وصارت جزءاً أساسياً من تكوينها ومن سيرتها التاريخية. وفي ذلك سعت بعض النظم إلى فرض وصايتها على لبنان في محاولة لتطويعه وتغيير طبيعته وتحجيم تلك الصفات التي اكتسبتها بيروت على امتداد عقود طويلة من الزمن. وكانت تلك الوصاية قد بدأت منذ مطالع الحرب الأهلية السيئة الذكر (1975).
لكنها اتخذت طابعاً شرعياً بقرار عربي ودولي، أميركي على وجه الخصوص، في المرحلة التي أعقبت توقيع اتفاق الطائف (1989)، الذي أنهى تلك الحرب. ومعروفة بالتفاصيل الدقيقة، عربياً وعالمياً، الأعمال التي قامت بها تلك الوصاية خلال تلك الأعوام الخمسة عشر لإحداث التغيير في طبيعة لبنان، وفي طبيعة نظامه الديمقراطي، وفي طبيعة بيروت بالذات، حاملة الصفات العظيمة التي أشرنا إليها. فقد كانت تلك الوصاية السيئة الذكر هي المدخل «المشرّع» عربياً باسم أنظمة الاستبداد، و«المشرع» دولياً باسم القوى التي كانت تستخدم تلك الوصاية لتحقيق أهدافها التوسعية للهيمنة على المنطقة بقوى وأدوات من المنطقة ذاتها. لكن الوصاية حين خرجت على ما كان موكلاً لها أن تقوم به صارت عبئاً على من أوكلوا لها مهمة الوصاية. فاقتضى خلعها. وصار ما صار ابتداءً من عام 2004 و2005، وما تلا ذلك من أحداث.
التدخلات وتأثيراتها
إلا أن الوصاية التي تم فرضها على مدى أعوام لم تكن هي وحدها الأداة المطلوب منها تطويع لبنان، وتغيير طبيعته، وتغيير بيروت، وإلغاء أو تحجيم الصفات التي ارتبطت بها وشكلت سماتها المميزة. فقد كان لهذه الوصاية، قبل أن ينزع منها التوكيل العربي والدولي، شركاء في المنطقة، وشركاء في الداخل. لذلك فإن تطورات ما بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري ومنها خروج القوات السورية من لبنان، وبعد انتفاضة الاستقلال، لم تكن كافية لوحدها لتحرير لبنان وبيروت مما لحق بهما خلال الوصاية. فقد استمرت وقائع، كانت موجودة في فترة الوصاية، بممارسة دورها في الداخل اللبناني بعد انتهاء تلك الوصاية.
وبمعزل عما يمكن أن تكون عليه مراهنات الثورة الإسلامية الإيرانية التي لم يخف قادتها رغبتهم في تصدير ثورتهم إلى حيث أمكن في المنطقة وخارجها، بما في ذلك في لبنان، فإن المهم، بالنسبة إلينا، هو أن نرى بدقة، ومن دون تعسف، إلى ما يرمي إليه مشروع «حزب الله» باسم ما ارتبط بدوره الاستثنائي في تحرير الأرض، مشروعه في لبنان، اليوم وفي المستقبل. وعلينا أن نرى في الوقت عينه ما هي طبيعة العلاقة بين مشروع حزب الله، الذي يصر قادته استناداً إلى دورهم في المقاومة بأن مشروعهم هو مشروع وطني لبناني بامتياز، بمشروع الجمهورية الإسلامية الإيرانية التي لا تزال تمارس تصدير ثورتها وأفكار ثورتها إلى بلدان المنطقة وإلى خارج حدودها.
حزب الله ومشروعه
والتوقف عند حزب الله، وعند ما يمكن اعتباره مشروعاً يحمل اسمه في علاقته مع المشروع الإيراني، إنما يرمي إلى معرفة موقع لبنان في هذا المشروع، لبنان التنوع والتعدد في مكوناته البشرية، دينياً وطائفياً وثقافياً وسياسياً، لبنان الحرية، لبنان النظام الديمقراطي ذي التقاليد العريقة.
ذلك أن الممارسة السياسية لحزب الله ولحلفائه في لبنان تشير إلى أن ثمة اتجاهاً لإحداث تغيير جوهري في بنية النظام اللبناني. وهو تغيير، إذا ما دلت عليه بعض الممارسات، ومنها ما حصل في السابع من شهر أيار-مايو (2008)، سيكون انقلاباً حقيقياً في طبيعة لبنان، وفي طبيعة دوره. إذ هو سيقود إلى إلغاء التنوع والتعدد اللذين تميز بهما هذا البلد عن سائر البلدان العربية. والخطير في مثل هذا الاحتمال في إحداث التغيير في لبنان في هذا الاتجاه، إذا ثبت أمره ـ ونرجو ألا يكون ذلك صحيحاً وممكناً ـ أنه يترافق مع استنفار غرائزي للحالة الطائفية ولتناقضاتها، استنفار لم يسبق له مثيل حتى في زمن الحرب الأهلية.
ربما يكون في أساس القرار الذي اتخذته منظمة اليونسكو باختيار بيروت عاصمة عالمية للكتاب لهذا العام، مجمل هذه الوقائع الذي أشرت إليه. فإذا صح ذلك يكون لهذا القرار عندئذ معنى إضافي، معنى التضامن مع لبنان وتقديم الدعم للقوى التي تقف في وجه تلك الاتجاهات، وإصراراً منها، أي اليونسكو، على إبقاء لبنان في موقعه وفي دوره، وإبقاء بيروت بالذات في موقعها وفي دورها، عاصمة للحرية وللثقافة وللكتاب.
وفي أي حال، فإن قرار اليونسكو هذا هو موضع تقدير من أهل الثقافة ومن أنصار الحرية في العالم العربي، إنما يطرح قضايا أخرى تتصل بالكتاب وبالقراءة في العالم العربي، ولبنان جزء منه. ذلك أن واقع الكتاب يشير إلى أزمة كبيرة تؤكدها أزمة القراءة. وإذا كان لهاتين الأزمتين طابع عالمي، فأنهما يتخذان في عالمنا العربي طابع المأساة المثيرة للقلق. ولا يستثنى لبنان من هذا الواقع. وتشير آخر الأرقام التي صدرت عن منظمة اليونسكو إلى أن القراءة بلغت في العالم العربي أدنى مستوى لها. وبلغت عند اللبنانيين حدود الـ 14 بالمائة.
تدني القراءة بلبنان
وهذا الرقم المتدني للقراءة في لبنان إنما يسيء إلى كون بيروت عاصمة للكتاب العربي والعالمي. غير أن لهذه الأزمة، في الواقع، تاريخها، والحديث عنها سابق على كون بيروت ستكون في هذا العام عاصمة عالمية للكتاب. فبيروت، برغم هذه الأزمة القديمة للكتاب وللقراءة، تستضيف، منذ أكثر من نصف قرن، معرضاً عربياً كبيراً للكتاب يقام في الشهر الأخير من كل عام. وقد تحول هذا المعرض إلى جزء من حياة بيروت، ومن علاقتها التاريخية بالكتاب، وإلى جزء مكون من موقعها كعاصمة للثقافة، وكعاصمة للكتاب، في آن.
ولأن بيروت، بالذات، هي المكان التاريخي لإصدار الكتب، تأليفاً وترجمة وطباعة وصناعة وتوزيعاً، فإن الحديث عن أزمة الكتاب وأزمة القراءة، مضافة إليهما أزمة الكتابة، إنما يستدرج، بالضرورة، الحديث عن الحرية. فمن سمات بيروت التاريخية أنها، إلى جانب كونها عاصمة ثقافية بامتياز، وعاصمة للكتاب بامتياز أيضاً، أنها كانت دائماً، كما أشرت إلى ذلك قبل قليل، عاصمة للحرية، الحرية لأبنائها، والحرية للاجئين إليها هرباً من أنظمة الاستبداد العربية. لذلك فإن من الظلم لبيروت هذه، بيروت بكل ما تميزت وتتميز به، أن تتعرض، من داخلها ومن خارجها، إلى مخاطر تقود إلى تغيير طابعها وطبيعتها، وتغيير موقعها ودورها.
ومصدر هذا الخطر الداهم والجاثم إنما يتمثل، وتبرز عناصره، في المحاولات المتمادية لتحويل لبنان إلى ساحة دائمة للصراعات بكل أنواعها، بين سياسات ومصالح وأهداف لا صلة له ولشعبه بها. بل هي، أي هذه الصراعات، ستقود هذا اللبنان حتماً، إذا ما هو استمر ساحة لها، إلى الاندماج، بالقسر، في أنظمة الاستبداد السائدة في المنطقة. من الظلم لبيروت، وللبنان، ألا يحترم أهلهما، أولاً، وألا يحترم أشقاؤهما وأصدقاؤهما، تالياً، الموقع والدور اللذين تميزا بهما كل من لبنان وعاصمته بيروت على امتداد عقود طويلة من الزمن.
بيروت والمكونات الثقافية
إن العلاقة بين بيروت والكتاب، وبين بيروت والكتابة، وبين بيروت والقراءة، هي علاقة تاريخية، علاقة توحدت فيها هذه المكونات الثقافية مع الحرية، وتكاملت معها. لذلك فإن المطلوب الآن، وبإلحاح، من أهل الثقافة في لبنان، الذين يمارسون في بلدهم حريتهم في إبداعاتهم بأجناسها المختلفة المتعددة، أن يكونوا الحراس الحقيقيين والدائمين على استمرار هذه البيروت، بيروتهم، بيروتنا، وبيروت العرب جميعاً، أمينة لموقعها المتميز هذا، وباقية فيه بقاءً أبدياً راسخ الجذور وعميقها. بل إنهم مدعوون إلى تأسيس حركة تشمل العالم العربي كله، ليس فقط من أجل الحفاظ على بيروت في دورها وفي موقعها، بل لجعل كل العواصم العربية شريكة لبيروت في هذين الدور والموقع.
لقد حان الوقت، بعد كل هذه المعاناة المزمنة، حان الوقت لكي يستعيد العالم العربي موقعه الطبيعي في عالم متغير، عالم حافل بالتحولات الكبرى. حان الوقت لكي تحتل الثقافة العربية، المحصنة بالحرية، موقعها المتميز بين ثقافات العصر، وأن تسهم في الإنجازات الكبرى الجارية فيه.
إن بيروت، التي تدخل اليوم إلى موقعها كعاصمة عالمية للكتاب، هي التي تستطيع بتميزها أن تكون عاصمة دائمة للثقافة، وعاصمة دائمة للكتاب، في العالم العربي، لأنها العاصمة الوحيدة التي لا تصادر فيها الكتب، ولا يقاد فيها كاتب إلى محاكم التفتيش. فهي عاصمة للحرية، تستعصي على الذين يحاولون تحويلها، من داخلها ومن خارجها، إلى نقيض هويتها التاريخية هذه. لكن حلمنا، حلمنا الكبير، هو أن تظل بيروت في هذا الموقع، وأن تكون كل العواصم العربية شريكة لها فيه. وشرط ذلك، شرطه الأساسي، هو أن تتحرر بلداننا من أنظمة الاستبداد والقمع، وأن يعيش أهل الثقافة، وأرباب الكتب والكتابة، في حريتهم الكاملة، حرية الإبداع، والقول، والحياة. وشرطه الآخر الضروري هو أن تتحرر من الاتجاهات التي تسعى لتحويلها إلى أفغانستان أو صومال بلون عربي هجين.
تشكيك لا محل له
ورغم أن كثرة من المثقفين قد شككوا في معنى وفي دلالات الحدث الثقافي المتمثل باختيار بيروت عاصمة عالمية للكتاب لهذا العام، فإن الحدث بذاته يظل يحمل معناه ودلالاته. ولا بد من بذل الجهد لبنانياً وعربياً لجعل بيروت هذه في هذا العام بالذات عاصمة عالمية للكتاب، ليس مرة واحدة وحسب، بل كاتجاه حقيقي نحو المستقبل. وعندما تثبت بيروت في موقعها هذا، وعندما يتحرر لبنان من الاتجاهات التي ترمي إلى تغيير طابعه الديمقراطي التعددي، يصبح بالإمكان التفكير والعمل بتفاؤل من أجل إحداث التغيير في العالم العربي، في اتجاه تحرير بلدانه من أنظمة الاستبداد السائدة والمقيمة فيه منذ عقود طويلة، وتحريرها من الأخطار الداهمة التي تحاول إدخالها في غياهب التاريخ وكهوف الظلاميات على اختلافها
كريم مروة