عندما تجلس على ضفة نهر دجلة، تتأمل في صفحة الماء، والشمس المتدلية فيها نهاراً، أو انعكاسات الأضواء التي تلونها في الليل، فإنك بلا شك «تتذكّر» وجودك في هذا الكيان الأسطوري الجميل الذي «كان» اسمه بغداد، لأن الشمس لم تعد تسترخي على خد دجلة، ولم يعد لأضواء المساء وجود. مع ذلك، تبقى عاصمة الرشيد موجودة، حتى لو محتلة أو أسيرة أو مثخنة بالجراح.

الوصف الأسطوري لبغداد، لم يكن واقعيا في نظر الكثير من العراقيين، في ظل «الحكم الديكتاتوري» الذي كان يكمم الأفواه، وزج البلد في حروب دامية أدت دوراً كبيراً في تراجعه اقتصادياً وعمرانياً، ووضعه تحت حصار أميركي ـ دولي، يقرّ الجميع بأنه كان جائراً، لأن آثاره السلبية طالت أبناء الشعب لا الحكام.. ومع ذلك بقي العراق آنذاك، فأي عراق بقي الآن بعد ست سنوات من الاحتلال؟.

ضربة الفرصة!

وبعد الحصار الجائر، بدأت الحرب، التي أطلق عليها البعض «حرب التحرير»، وأسماها آخرون «غزو العراق»، أو «الاحتلال الأميركي للعراق»، وقال عنها غيرهم «حرب الخليج الثالثة»، بينما أطلق عليها الرئيس السابق صدام حسين «الحواسم»، التي انتهت بعمليات نهب وسلب لم يشهد مثلها العراق من قبل.

لم يكن الكثير من العراقيين يصدقون ان الغزو سيقع، إلا ان قادة عسكريين عراقيين، وحسب تصريحات أدلوا بها بعد الغزو، عبروا عن رأيهم بصراحة، وأكدوا أنه لم يكن بمقدور القوات العراقية مواجهة غزو أميركي مدعوم بأحدث التقنيات العسكرية، في وقت كان الجيش العراقي منهكا بالحروب وحصار اقتصادي وعسكري، أثّر على مستوى تسليحه.

في 20 مارس من عام 2003 وفي الساعة 30,5 فجرا بتوقيت بغداد، سمع دوي الانفجارات، وبعد 45 دقيقة صرح الرئيس الأميركي السابق بوش انه اصدر أوامره لتوجيه «ضربة الفرصة»، التي تبيّن فيما بعد انها استهدفت منزلا كان يعتقد ان صدام حسين موجود فيه.

كان الغزو سريعا بالفعل، فبعد حوالي ثلاثة أسابيع سقطت الحكومة في بغداد، وبدأت القوات الأميركية تحركها نحو العاصمة التي دخلتها في 9 ابريل، وبسطت سيطرتها على معظم المناطق في العراق.

نهب العراق وتاريخه

وفي يوم 9 ابريل 2003، بدأت عمليات سلب ونهب واسعة النطاق، يبدو أنها كانت مخططة مسبقا، في بغداد وبعض المدن، لم تستثن بناية حكومية، سواء عسكرية أو مدنية، دون ان تكلف القوات الأميركية نفسها عناء حمايتها، ما عدا وزارة النفط، متذرعة بعدم توفر العدد الكافي من الجنود لهذا الغرض.

ومن الأماكن التي تعرضت للنهب والسلب وتركت جروحا عميقة في ذاكرة العراقيين والعالم، المتحف الوطني العراقي الذي سرقت منه نحو 170 ألف قطعة أثرية، وكانت بعض هذه القطع من الضخامة في الحجم ما يستحيل سرقته من قبل أفراد عاديين.

مقدمات غير مسوّغة

وسبقت تلك الحرب مقدمات استمرت منذ حرب الخليج الثانية 1991، وصولا إلى احداث11 سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة، والتي أدرج العراق بعدها ضمن «محور الشر»، وهو المصطلح الذي ابتدعه الرئيس السابق بوش، لوصف العراق وكوريا الشمالية وإيران، ثم بدأت الجهود الدبلوماسية الأميركية بالتحرك للإطاحة بحكومة الرئيس السابق صدام حسين.

فقد عدّت إدارة بوش عودة المفتشين الدوليين عن أسلحة الدمار الشامل شيئا لابد منه بعد أحداث 11 سبتمبر، وفي نوفمبر 2002 مرر مجلس الأمن بالإجماع القرار رقم 1441 الذي دعا إلى عودة لجان التفتيش عن الأسلحة إلى العراق، وفي حالة رفض العراق التعاون مع هذه اللجان فانه سيتحمل «عواقب وخيمة».

لكن القرار المذكور لم يذكر كلمة استعمال القوة، وعندما وافق عليه مجلس الأمن بالإجماع لم يكن في تصور الدول المصوتة ان «العواقب الوخيمة» كانت محاولة دبلوماسية من الولايات المتحدة لتشريع الحملة العسكرية.

وأقر الأمين العام السابق للأمم المتحدة كوفي عنان بعد احتلال بغداد، ان الغزو كان «منافيا لدستور الأمم المتحدة». وقدمت إدارة بوش مجموعة من التبريرات لإقناع الشارع الأميركي والرأي العام العالمي بشرعية الحرب، ومنها «استمرار حكومة صدام حسين في عدم تطبيق قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بالسماح للجان التفتيش على الأسلحة بمزاولة أعمالها في العراق»، ثم أكدت ان تلك الحكومة لها صلات مع تنظيم القاعدة المسؤول عن هجمات 11 سبتمبر، إضافة إلى امتلاكها لأسلحة الدمار الشامل.

إلا ان القوات الأميركية، وبعد احتلالها العراق، وقبلها لجان التفتيش التابعة للأمم المتحدة، لم تعثر على تلك الأسلحة المحظورة، أو حتى تكتشف وجود أية صلة لحكومة صدام حسين مع تنظيم القاعدة، أو منظمات «إرهابية» أخرى، تقول واشنطن انها تشكل خطرا على امن واستقرار العالم.

إدارة خاطئة للاحتلال

وحسب تقديرات مراكز بحثية غربية ومصادر مستقلة، فقد فاقت تكاليف الغزو عدة تريليونات من الدولارات تحّمل معظمها دافع الضرائب الأميركي، وقد انعكس هذا الوضع بشكل كارثي على الاقتصاد الأميركي الذي يرزح الآن تحت وطأة أسوأ أزمة اقتصادية يمر بها، منذ الأزمة الاقتصادية الكبرى عام 1929.

وتشير الوقائع إلى ان الغزو الأميركي للعراق حطم بلداً بإمكانياته البشرية والمادية، ودمر بناه التحتية، ووضعه على حافة حرب أهلية، بسبب طريقة إدارته الخاطئة بعد الاحتلال، وتنصيب حاكم أميركي عليه هو بول بريمر، الذي اصدر أو نفذ - حسب بعض المحللين - قرارات خطيرة أدخلت العراق في دوامة من الانقسامات السياسية والطائفية والعرقية، ما زال الشعب العراقي يعاني منها حتى الآن.

الهجرة وكارثة الخدمات

وأدت الأحداث التي تلت تفجير قبة الإمامين العسكريين في سامراء، في فبراير من عام 2006 إلى عمليات تهجير للعراقيين، تعد الأكبر منذ أزمة اللاجئين الفلسطينيين التي أعقبت قيام إسرائيل عام 1948، حسب تقارير الأمم المتحدة.

وعلى الرغم من عودة الكثير من المهجرين العراقيين من الخارج، إلا ان أعدادا كبيرة منهم مازالت في الخارج، وبخاصة الضباط العسكريين وكبار موظفي الدولة من أعضاء وكوادر حزب البعث ورجال أعمال عراقيين.

ويؤكد المراقبون أن ضعف كفاءة معظم مسؤولي أجهزة الدولة الحاليين، وفي ظل قتل أو لجوء الكفاءات العلمية والإدارية وغيرها إلى خارج العراق، جعل وضع الخدمات يستمر بالتدهور إلى اجل غير معلوم، ما يعني استمرار معاناة المواطن من أزمات الكهرباء والماء الصالح للشرب والوقود والمجاري والبطالة والسكن وغيرها.

ومع أن قوات الغزو الأميركية والقوات المتحالفة معها لم تقصف محطات الكهرباء، كما فعلت عام 1991، إلا انه لم يتم إنشاء محطة كهرباء رئيسة واحدة منذ عام 2003، بدعوى عدم استقرار الوضع الأمني، في وقت كانت محافظات العراق الجنوبية، وكذلك محافظات كردستان في وضع يسمح بإنشائها.

وينطبق هذا الوضع على مصافي النفط، إذ أصبح العراق، ولأول مرة في تاريخه، يستورد المشتقات النفطية بمليارات الدولارات سنويا، بدل تشغيل مصافي النفط التي لم تتضرر بالحرب، أو إنشاء مصاف للنفط، وهو الذي يقبع على ثاني احتياطي للنفط على وجه الأرض، حسب تقارير متخصصة.

تدهور مستمر

وبعد ان كان العراق تخلص من الأمراض والأوبئة التي كانت مستوطنة فيه، عادت إليه هذه المرة، وبقوة، وخصوصا وباء الكوليرا الذي اجتاحه من الشمال وحتى الجنوب، بسبب مياه الشرب الملوثة، وضعف الخدمات، والفقر، إضافة إلى أمراض أخرى كالسل وحبّة بغداد.

ويؤكد هذا الواقع تقرير أصدرته اللجنة الدولية للصليب الأحمر، ذكر «إن العديد من العراقيين يفتقرون إلى أبسط مقومات الحياة، من مياه وخدمات صحية وصرف صحي، وأن الوضع الإنساني هناك من بين الأسوأ في العالم ».

أما البطالة، فان نسبتها وصلت إلى أعلى مستوياتها، وتجاوزت في أفضل حالاتها الـ 40 بالمئة من القوى العاملة في البلاد، ومعظمها من خريجي الكليات والمعاهد الذين كانوا في السابق يضمنون لهم مكانا للتعيين في دوائر ومؤسسات الدولة حال تخرجهم أو إكمالهم للخدمة العسكرية.

سياسة المحاصصة

وعلى الصعيد السياسي، فان العملية السياسية التي أسسها الأميركيون على المحاصصة الطائفية والعرقية، دخلت مرحلة تضارب المصالح الحزبية، واستغلال ما يعتقده البعض ضعف الحكومة لتحقيق مكاسب له.

وأثارت مطالبة قيادات الأحزاب الكردية بضم مناطق في محافظات ديالى ونينوى وصلاح الدين، ومن ضمنها خانقين، إلى إقليم كردستان، حفيظة رئيس الوزراء نوري المالكي الذي استطاع خلال الأشهر القليلة الماضية ترسيخ الأمن - ولو نسبيا - في معظم المناطق التي كانت مسرحاً لنشاط الميليشيات، ومن اسماهم بالخارجين على القانون، وخاصة في البصرة والمحافظات الجنوبية الأخرى، إضافة إلى العاصمة بغداد.

ويكاد يجمع المحللون السياسيون، ان المستفيد الأول والأخير مما أسموها «مغامرة بوش في العراق» هو إيران، التي ستتسلم هذا البلد على طبق من ذهب، حسب تعبير مادلين أولبرايت وزيرة الخارجية في عهد الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون، بعد ان عجزت عن قهره طيلة 8 سنوات من حرب ضروس.

تحدي الاقتصاد

ويرجع المتابعون للشأن العراقي تحسن الوضع الأمني في العراق، نسبيا، في عهد حكومة نوري المالكي، إلى قراره بملاحقة الخارجين عن القانون، ضمن خطة فرض القانون التي تم تطبيقها على مراحل، إضافة إلى تبنيه نهج المصالحة الوطنية، ودعمه للعشائر، وخصوصا التي كان لها الفضل الكبير في القضاء على الجماعات المسلحة كتنظيم القاعدة والميليشيات.

لكن التحدي الأكبر الذي تواجهه حكومة المالكي الآن، هو «الاقتصاد»، بعد ان انخفضت أسعار النفط إلى اقل من النصف ما شكل تحديا قاسيا له. واليوم، وبعد مرور ست سنوات من الغزو الأميركي، يرى كثير من العراقيين أنهم كانوا ضحية لعبة دولية، مزقت بلادهم، وحاولت تفكيكها، وأشاعت كل مظاهر القتل والعنف والفساد، حتى عدّ العراق أسوأ بلد في العالم في هذا المجال

بغداد ـ عراق احمد