كان سقوط بغداد في التاسع من ابريل 2003 صدمة مروعة ضربت رؤوس العرب، وساعدت جرائم الاحتلال الأميركي وهمجيته على تضخيم آثار تلك الكارثة وتعميق الصدمة، وعلى الرغم من تصريحات الرئيس الأميركي باراك أوباما باعادة العراق إلى أهله،إلا أن الارتباك لايزال يسود الأوساط الرسمية العربية، مثلما تسود الحيرة الأوساط الشعبية، لما آل اليه حال العراق، وكيفية التعامل معه في ظل معادلة اقليمية تميل في غير صالح العرب.
ومن ينظر إلى المشهد العربي ملياً على امتداد السنوات الست الماضية يرى أن الدول العربية عاشت كابوسا مخيفا تحت التهديدات الأميركية منذ احتلال العراق. كما لم تأمن قيام إسرائيل بشن حروب مماثلة، ومستغلة حالة الضعف التي تغري دوما بانتهاك العرب.
السبب في استمرار واستفحال مشاعر الصدمة والارتباك المحير، والخوف المزمن يكمن في عدم توقف العرب جدياً أمام ما جرى لدراسته علميا والاستفادة منه، لمحاولة علاج أسبابه، وربما منعاً لتكراره، لأن الدراسة تقود إلى المراجعة، والمراجعة تقود إلى التصحيح، والتصحيح يقود إلى التغيير، والخروج من أسر اللحظة الضيقة المنهزمة، إلى أفق المستقبل الأوسع المتسلح بدروس الماضي وعبره وعظاته، لكن ذلك لم يحدث حتى الآن، فاستمر العرب (رسمياً وشعبياً) في اجترار الألم والتعايش معه. وهذا أيضاً سر استمرار الخسائر العربية يوماً بعد يوم في العراق وخارجه.
وفي جردة حساب لما جرى على الساحة العربية منذ سقوط بغداد وحتى اليوم، يمكن تبين حجم الخسائر التي لحقت بالعرب، والتي سعت الادارة الأميركية السابقة إلى تعميقها عبر مزيد من توريط الدول العربية في مواجهات بينية وإقليمية، ولاتزال هذه المواجهات هي التي تحكم العلاقات بين العرب وبعض جيرانهم، خاصة إيران، على الرغم من إعلان واشنطن عن تغيير سياساتها في المنطقة، وتوجه الرئيس الأميركي برسالة إلى إيران يدعوها لفتح صفحة جديدة في العلاقات بين البلدين.
الخسائر العربية
ويمكن تعداد بعض الخسائر التي لحقت بالعرب منذ احتلال العراق على عدة مستويات منها: الثقافي والاجتماعي والسياسي والعسكري
أولاً ـ الصعيد الثقافي: شهد العالم العربي منذ التاسع من أبريل2003، وحتى يومنا هذا، تقوية للتوجهات الطائفية ثقافيا وسياسيا، ما بين هذا سني وهذا شيعي، وهذا كردي وهذا عربي. وفرضت هذه الحالة نفسها على أدبيات الإعلام، وانتقلت العدوى إلى دول أخرى.
وساهم في ذلك زيادة موجات العنف المتبادل بين المذاهب والأقليات في العراق، بفعل التناحر والتسابق على الغنائم، حيث سقط الجميع في شرك الاحتلال الأميركي الذي صاغ أسس الحكم في العراق، وفق نظام طائفي مذهبي يخدم أهدافه، سواء على مستوى مجلس الحكم المؤقت أو المجلس الانتقالي أو على صعيد الحكومات. وحدث ذلك أيضاً في المؤسسات الأخرى بما فيها المجلس التشريعي والجيش والشرطة. وكان الأخطر أن الاحتلال الأميركي حرص على تضمين الدستور العراقي نصوصاً ملزمة بذلك. وليس من المنظور أن يبرأ العراق والمنطقة من هذه الآفة سريعا.
ووسط هذه الأجواء شهدت السنوات الست الماضية استئسادا عنيفا، قامت به كتائب «المارينز الثقافي» من المتأمركين العرب في الترويج لهذه الوصفة الجديدة باعتبارها تحمل المستقبل للعرب، وتحمل الحلول لكل مشكلاتهم. فتحول هؤلاء إلى بؤر لترويج الاحتلال وأكاذيبه حول «الدمقرطة الأميركية» و«الفوضى الخلاقة» في مقابل التوسع في جلد الذات العربية والإسلامية. وقد لعب هؤلاء المتأمركون دوراً في إجهاض المحاولات الليبرالية العربية الوطنية الناشئة.
وفي الغرب ازدادت حالة «الإسلاموفوبيا» مع انتشار موجات العنف والإرهاب الموجهة ضد الغرب، وخاصة ضد الدول التي شاركت الولايات المتحدة في العدوان على العراق واحتلاله مثل بريطانيا وإسبانيا، وعكست الحالة نفسها في ممارسات مسيئة للإسلام.
جرائم حرب
ثانياً ـ الصعيد الاجتماعي: ارتكبت قوات الاحتلال الأميركي في العراق العديد من الجرائم التي تصل إلى جرائم الحرب والإبادة، وبلغت هذه الجرائم مداها بقتل مليون عراقي (وفق احصاءات غربية)، كما قامت بارتكاب العديد من الانتهاكات لحقوق العراقيين مثلما حدث في سجن أبو غريب من تعذيب ومس بالشرف والكرامة.
وسيرا على ذات التقليد شهدت السنوات الأخيرة مناخ تغول أمني في بعض الدول العربية أدى إلى تراجع في ميدان حقوق الإنسان، وصارت الانتهاكات التي تمارس بحق المواطن البسيط حالة عامة في عدد من الدول، بفعل الدعم الرسمي الذي حصلت عليه الأجهزة الأمنية مع احتلال العراق، خشية انتقال حالة «الفوضى الخلاقة» إليها، مع ازدياد ضغوط «الدمقرطة الأميركية»، إذ كانت الولايات المتحدة تستهدف من هذه الضغوط إضعاف النظم داخلياً وخارجيا.
وكان لدعوة «الدمقرطة» دورا مجهضا لمحاولات الإصلاح السياسي الداخلي الحقيقي في دول عربية، فبعد تخلي أميركا عن ضغوطها، تغولت بعض النظم على مواطنيها وسلبتهم كثيراً من حقوقهم الوطنية، بل وأجهضت كل محاولات الإصلاح، وارتدت عن كل الوعود التي قطعتها على نفسها، وهي الوعود التي أطلقتها لتستجدي من شعوبها المساندة في مواجهة الضغوط الأميركية، وبذلك غدرت هذه النظم بشعوبها مرتين.
وفي الوقت ذاته عانت دول عربية كثيرة من موجات النزوح العراقي إليها، حيث غادر العراق منذ الاحتلال نحو أربعة ملايين شخص، ذهب معظمهم إلى دول عربية، بعضها لم يكن مستعدا لاستقبالهم، فانعكس ذلك سلبا على الطرفين، بفعل الضغوط الاقتصادية والمخاوف الأمنية.
العرب أكثر ضعفا
ثالثا ـ الصعيد السياسي: صار العرب بعد احتلال العراق أكثر ضعفا. وصارت قوى إقليمية (إسرائيل) ودول الجوار أكثر استقواء. وقد استغلت إسرائيل المأزق الأميركي في العراق وراحت تقدم خبراتها الأمنية والعسكرية في اقتحام المدن إلى قوات الاحتلال الأميركي، فطبقتها في العراق وارتكبت المجازر الدموية ضد المدنيين الأبرياء مثلما حدث في الفلوجة والبصرة. ونشرت القوات الأميركية الفوضى في كل أنحاء العراق، مثلما تفعل إسرائيل في المدن الفلسطينية، ومن ثم لم تعد إسرائيل حالة شاذة، بل مجرد جزء من حالة أميركية هوجاء مستأسدة ضد العرب. وساهمت هذه الحالة الأميركية في تشجيع إسرائيل على شن الحرب ضد لبنان وعلى غزة.
وساهم احتلال العراق في تراجع القضية الفلسطينية عربيا ودوليا، فلم تحظ خلال السنوات الست الماضية بالاهتمام الكافي، حيث جارى بعض العرب الولايات المتحدة وأوروبا في مزاعمهم تجاه التشكيك في المقاومة الفلسطينية. وأمام حالة الوهن العربي، والسعي لنيل رضا الولايات المتحدة، سعت الثانية لابتزاز البعض، مما ساهم أكثر في تشتيت العرب وحشدهم ضد بعضهم البعض، بعدما صار موقف كل دولة عربية من الوضع في العراق ومن المقاومة، ومن العلاقة مع إسرائيل هو المحدد لاعتمادها لدى الولايات المتحدة، فاختلف العرب فيما بينهم، فقد سعى بعضهم لعزل سوريا بسبب علاقاتها مع إيران، ولموقفها من الملف اللبناني. وعانت قمة دمشق من انعكاسات هذه الأزمة. واستمر هذا الوضع حتى قمتي الكويت والرياض مؤخرا.
وقد انعكس المحدد العراقي على السياسات العربية بقوة في إطار التناقض، فيما لعبت الولايات المتحدة ودول الجوار، وبعض القوى داخل العراق (في ظل الانقسام) دورا محوريا في إضعاف الدور العربي دبلوماسيا وسياسيا طوال سنوات، عبر قتل الدبلوماسيين أو اختطافهم، وذلك بحسب موقف كل دولة من الاحتلال الأميركي. ومع استمرار الضعف توالى تراجع العرب دوليا بقدر كبير، مما ساهم في ضمور النظام الرسمي.
تدهور عسكري
رابعا ـ الصعيد العسكري: خسر العرب الكثير من ميزان قوتهم العسكرية بحل الجيش العراقي، كما خسرت حركات المقاومة العربية داعماً عسكرياً ومالياً لها بسقوط العراق تحت الاحتلال. وأصاب الذعر بعض العرب مما جعلهم يسارعون إلى التخلي عن البرامج العلمية الطموحة، وتسليمها إلى الولايات المتحدة الأميركية، وذلك ما جرى بشأن البرنامج النووي الليبي.
وأدى انهيار الجبهة العراقية إلى انكشاف سوريا أمام الولايات المتحدة وإسرائيل، مما شجع كلتا الدولتين على مهاجمة الأراضي السورية تحت ذرائع مختلفة. وقد حرضت هذه الأجواء إسرائيل على شن الحرب ضد لبنان في صيف 2006، تلك التي خسرتها بامتياز، وهي حرب لم تكن تحدث لولا التشجيع الأميركي والانقسام العربي. كما قامت إسرائيل أيضا بضوء أخضر أميركي بالاعتداء على الأراضي السورية بزعم وجود منشأة نووية. ولم يكن ممكنا لها شن الحرب على غزة في ديسمبر الماضي من دون الدعم الأميركي والانقسام العربي.
وفي الوقت ذاته سارعت أميركا وإسرائيل إلى عمليات اختراق واسعة النطاق عبر التوسع في إقامة القواعد العسكرية في عدد من الدول العربية، فإسرائيل أقامت العديد من نقاط التمركز داخل مناطق الأكراد، مثلما أقامت الولايات المتحدة قواعد عسكرية في العراق وغيره. واستطاعت إسرائيل للمرة الأولى اختراق العمق الاستراتيجي العربي عسكريا، بأن قامت بشن عدوان عسكري ضد السودان عبر القيام بأكثر من غارة جوية على مناطق في شرق السودان في يناير الماضي، وحتى الآن لم تتكشف كافة أبعاد هذا العدوان، عدا أن السودان كشف عن سقوط أكثر من ثمانمائة قتيل، متهما إسرائيل بأنها المسؤولة عنه، ويعد هذا العدوان تحولا نوعيا كبيرا في الاستراتيجية الإسرائيلية ضد الدول العربية. وليس معروفا بعد مدى مشاركة أو مباركة الولايات المتحدة لهذا العدوان.
ومنذ احتلال العراق راحت واشنطن تبتز العرب لإبرام صفقات السلاح في ظل تضخيم عسكري لقوة دول الجوار، بل إن البعض سعى للاستقواء بالولايات المتحدة من أجل استجلاب التوازن العسكري، وراحت طبول الحرب تدق على وقع التهديدات المتبادلة بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، بينما تراجعت - إلى حد ما ـ موجة العداء الرسمي العربي لإسرائيل.
إطلالة على المستقبل
خامساً ـ إطلالة على المستقبل: خسائر النظام الرسمي العربي كانت هائلة، لكن بعض القطاعات الشعبية، استطاعت الخروج من دائرة الانكسار، وتصدير هذا الانكسار إلى قوى الاحتلال الأميركي والإسرائيلي، فالمقاومة العراقية برزت كنتيجة مباشرة للاحتلال، واستطاعت فرض القضية العراقية على الساحتين العربية والدولية، وانتزعت الاعتراف العربي بها. واستطاعت تأزيم وضع الولايات المتحدة بفعل الخسائر التي أنزلتها بقواتها المحتلة (أربعة آلاف ومائتين وخمسة وخمسين قتيلا ونحو ثلاثين ألف جريح) وأرهقت الاقتصاد الأميركي ماليا بما ساهم في دفعه إلى أتون الأزمة الاقتصادية الحالية، وذلك بفعل تنامي الانفاق العسكري، ويقدر مكتب الميزانية تكاليف الحرب والاحتلال في العراق بما يفوق التريليون دولار.
وفوق هذا كله أنها كشفت الوجه القبيح للولايات المتحدة الأميركية. فاحتلال العراق أسقط كل بهرجات الوجه الأميركي المتخفي وراء أقنعة مزيفة. مما زاد من غضب الشعوب العربية وشعوب العالم ضد الولايات المتحدة وكراهيتهم لها، حتى ان أميركا اضطرت لتأسيس إدارة بوزارة الخارجية لتجميل صورتها، لكنها فشلت فشلاً ذريعاً. وأدى هذا الفشل لاستقالة ثلاثة من رؤسائها اعترفوا بعدم قدرتهم على تحقيق المطلوب منهم، مطالبين بتعديل جذري في السياسة الأميركية في المنطقة.
ولم يكن متصورا أن تعلن الولايات المتحدة الأميركية الانسحاب من العراق بالسرعة التي جرت بها الأمور مع مقدم باراك اوباما، إلا نتيجة للخسائر الباهظة التي تكبدتها بشريا وماليا على يد المقاومة العراقية، وتأكد الفشل لديها في تحقيق أهدافها العسكرية والاقتصادية يوما بعد يوم. فكان قرار الانسحاب أو بالأدق الفرار من العراق هو الحل الوحيد أمامها.
وعند النظر إلى نجاحات المقاومة العراقية خاصة والعربية عموماً، وتحقيقها لانتصارات كثيرة على أميركا وإسرائيل، وفي ظل عودة الروح إلى الضمير العالمي، وموجة الكراهية العربية للسياسة الأميركية الإسرائيلية، فإن المشهد العربي يوشك على التغير الايجابي. فالاحتلال يحمل أذياله ويهرب من العراق. والشعب العراقي يقترب من تحقيق انتصاره التاريخي الذي سيمثل انبعاثا عربيا. كما استطاع العرب(حتى الآن) بفضل حركات المقاومة من الإفلات من المشروع الشرق أوسطي الأميركي، ولايزال أمامهم وحركاتهم المقاومة الكثير، خاصة وأن التغيير الذي يبشر به السيد أوباما لم يؤد إلى الإعلان رسميا تخلي أميركا عن مخططاتها السابقة ضد العرب.
أحمد الكناني