ست سنوات مرت على الغزو الأميركي للعراق، ست سنوات مرت والاحتلال الأميركي ما زال جاثماً على قلب العراقيين، ست سنوات من الوعود الكاذبة، تحولت خلالها الأحلام الأميركية إلى كوابيس مفزعة، ست سنوات تكشف خلالها حجم الخداع الأميركي للعالم وخاصة المنطقة العربية، فلا الحرية تحققت ولا الديمقراطية طبقت، ولا حقوق الإنسان حفظت بل على العكس من ذلك الحرية كبلت بأغلال الاحتلال الأميركي وحقوق الإنسان ديست تحت الأقدام في معتقلات أبو غريب وغيرها من المعتقلات التي امتلأت بها أركان العراق، والديمقراطية تراجعت بسرعة الصاروخ.

في البداية، قال سفير العراق الأسبق في العاصمة اليمنية صنعاء السفير الدكتور فهمي القيسي، المقيم حاليا في القاهرة، قبل الحديث عن نتائج ما آل إليه الوضع في العراق بعد الغزو الأميركي له منذ عام 2003، لابد من التعرض للأسباب التي ساقتها الولايات المتحدة بقيادة بوش الابن لتسويق الغزو الأميركي للعراق ثم احتلالها لها المستمر منذ ذلك التاريخ وحتى الآن، مشيرا إلى أنه من غير المتوقع أن ينتهي هذا الاحتلال قريبا.

وأضاف: ان الإدارة الأميركية قدمت عددا من المبررات للتغطية على غزوها للعراق من بينها وجود علاقات بين النظام العراقي بقيادة الرئيس الراحل صدام حسين مع الإرهاب وخاصة تنظيم القاعدة، بالإضافة إلى امتلاك العراق لأسلحة دمار شامل وهو ما ثبت أنها إدعاءات كاذبة عارية من الصحة وأنها مجرد أكاذيب تم الترويج لها لاحتلال العراق.

إخفاء الأسباب الحقيقية

ولفت إلى أن الأسباب الحقيقية كانت غير ذلك وكانت تستهدف القضاء على العراق وعلى دوره القومي حيث كان العراق لديه مشروع قومي للدفاع عن القضية الفلسطينية، فإشارة التحرك والتحريض على غزو العراق جاءت من إسرائيل، كما أن العراق يمتلك أكبر احتياطي من البترول في العالم وتكاليف استخراج البرميل البترول في العراق أقل من دولار واحد.

وتابع : كما أن ذلك الغزو يرجع إلى سعي الولايات المتحدة الأميركية إلى تطبيق إستراتيجيتها في إعادة رسم خريطة المنطقة من جديد من خلال «تقسيم المقسم وتجزئة المجزأ»، فكان لابد من تقسيم العراق وتجزئته»، مشيرا إلى أن هذه الإستراتيجية الأميركية لإعادة رسم خريطة المنطقة ليست وليدة اليوم وإنما تم رسمها من خلال التجمعات اليهودية منذ عام 1899، وهي تمثل المرحلة الثانية من خطة «سايكس بيكو».

وأشار إلى أنه منذ اليوم التالي للغزو الأميركي للعراقي والشعب العراقي يشن حربا لا هوادة فيها ضد قوات الاحتلال الأميركي، من خلال 56 فصيلاً للمقاومة لعل أبرزها،حسب قوله، جبهة الجهاد والتحرير التي يقودها نائب الرئيس العراقي السابق عزت الدوري.

ونوه القيسي إلى أن تلك المقاومة المستمرة على مدار ست سنوات حتى الآن خلفت خسائر فادحة في الجانب الأميركي ولولا تلك المقاومة التي كبدت الولايات المتحدة وفقا للتقديرات الأميركية خسائر مادية قدرها 3 تريليونات دولار أميركي بالإضافة إلى 35 ألف جريح، و5 آلاف قتيل وهذه هي التقديرات الأميركية، أما التقديرات الحقيقية والمؤكدة 125 ألف جريح و45 ألف قتيل، هذا فضلا عن تراجع النفوذ الأميركي بعد الضربات القاصمة التي تعرضت لها في العراق وأفغانستان والصومال.

وتابع: إن هذه السنوات الست حملت الكثير من الظلم والقهر والبطش للشعب العراقي من جانب قوات الاحتلال الأميركي حتى وصل الأمر إلى أن وصل عدد الشهداء في العراق إلى مليون ونصف المليون شهيد، وعدد الأرامل إلى حوالي مليون امرأة و5 ملايين يتيم، وأكثر من 4 ملايين مهجرين خارج العراق بالإضافة إلى حوالي مليوني مهاجر داخل العراق، مشيرا إلى أن هذا هو حصاد الديمقراطية والإصلاح السياسي وحقوق الإنسان والحرية المكذوبة والتي بشرت بها آلة الدعاية الأميركية في بداية الغزو الأميركي للعراق.

وحول المستقبل السياسي للعراق في ظل الأحوال الحالية وتعدد وتعارض الأجندات داخل العراق، أكد القيسي أن كل من قاوم الاحتلال ودافع عن العراق لهم الحق في إعادة بناء العراق، مشيرا إلى أن قوى المقاومة في العراق لديهم برنامج سياسي وقضائي متكامل وهو ما سيتم تطبيقه عندما يتم سحب القوات الأميركية، حيث سيتم إعادة الجيش العربي العراقي للسيطرة على الأوضاع في العراق وعودة كل المؤسسات العراقية وعودة علماء العراق وتأسيس مجلس شورى جديد من 200 شخص وتعيين مجلس مؤقت لإدارة شؤون البلاد لحين إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية والمحلية في غضون عامين.

التدخلات الإقليمية

وقال: أما بالنسبة للتدخلات الإقليمية في العراق، فكل العراقيين يدركون كل هذه المسائل والأطماع الإقليمية في العراق من قبل بعض جيرانه قبل غيرهم وإيران على وجه الخصوص جربت وتعلم علم اليقين أنه لو كان النظام العراقي الوطني موجودا ما استطاعت أن تتوغل في العراق أو تتعامل معه بهذا الشكل، مؤكدا أن العراق سيتعافى ويستطيع لملمة أشلائه، مؤكدا أنه لا توجد مخاوف على العراق من التدخلات الأجنبية سواء الإقليمية أو الدولية بعزيمة أبنائه ومساعدة أشقائه العرب.

ومن جانبه، أكد المفكر السياسي العراقي عبد الكريم العلوجي أنه رغم مرور ست سنوات على الاحتلال الأميركي لم ير العراقيون ولا المجتمع الدولي الوعود والآمال التي قطعتها الإدارة الأميركية على نفسها بتحويل العراق إلى واحة من الديمقراطية والحرية وازدهار حقوق الإنسان، إلا أنه منذ اللحظات الأولى للغزو الأميركي لم ير أحد لا واحة الديمقراطية ولا الحرية ولا حقوق الإنسان.

وقال: إن العراق شهد حالة غير مسبوقة من الانفلات الأمني والقتل العشوائي المدعومة من قوات الاحتلال وبعض الأطراف العراقية، لافتا إلى أنه لا الاحتلال ولا الحكومات المتعاقبة التي أتي بها العراق استطاعا الإمساك بزمام الأمور والسيطرة على الانفلات القائم والذي تتصاعد وتيرته يوما بعد يوم على الرغم مما يقال من تراجع حجم العنف والتفجيرات في العراق غير أن الوضع على الأرض مغاير تماما لما تردده الحكومة وقوات الاحتلال.

وأعرب عن اعتقاده بأن الحالة العراقية ستبقى على ما هي عليه طالما لم تتغير الأوضاع على الأرض ولم تحدث تغييرات في التوجهات الأميركية وحلفائها داخل العراق وطالما لم تتحقق مصالحة وطنية عراقية حقيقية وعلى أسس سليمة، مشيرا إلى أنه حثي دعوة رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي والتي دعا فيها لمصالحة شاملة في العراق بما في ذلك مع البعثيين، عاد وتراجع عنها في اليوم التالي مباشرة بل واعتبر حزب البعث حزبا نازيا فاشيا.

ضغوط على المالكي

وأرجع ذلك إلى نتيجة لتعرض المالكي لضغوط داخلية من المجلس الأعلى للثورة الإسلامية والتيار الصدري وضغوط خارجية من إيران التي تعتبر عودة القوى السياسية للعراق تهديدا لمخططها وتقويضا لنفوذها وتوغلها في العراق.

وأشار العلوجي إلى أن العراق لم يجن بعد السنوات الست من الاحتلال الأميركي للعراق سوى الدمار والتشريد والقتل والتفجيرات وهجرة العقول العراقية وزيادة حجم المعاناة والتدهور الاقتصادي والانفلات الأمني والتراجع السياسي، مشددا على أن هذه الأوضاع ستستمر في المستقبل إذا لم تتحقق المصالحة الحقيقية وتعود المؤسسات العراقية الوطنية للسيطرة على الأوضاع وتنسحب القوات الأميركية والأجنبية عن كامل التراب العراقي وتتوقف الأطراف الخارجية الدولية والإقليمية عن العبث في الأوضاع العراقية والتدخل في شؤون العراق الداخلية، هذا بالإضافة لتوافر الإرادة العراقية الصلبة، خاصة في ظل تزايد العمليات الانتحارية والتفجيرات في عموم العراق وهو ما ينفي الادعاءات التي تتحدث عن انحسار العنف في العراق.

واستبعد العلوجي حدوث انسحاب أميركي من العراق خاصة بعد ربط الانسحاب وفقا للاتفاقية الأمنية الموقعة بين الولايات المتحدة وحكومة المالكي بالاستقرار وتحقيق الهدوء الأمني، محذرا من وجود محاولات حثيثة الآن لعودة الحرب الطائفية في العراق من جديد مدعومة من أطراف داخل النظام ومن الاحتلال الأميركي نفسه بهدف عودة الأوضاع في العراق إلى ما كانت عليه عامي 2006 و2007 ليبقي الحال على ما هو عليه ويوجد مبررا قويا للإبقاء على القوات الأميركية في العراق.

الانفلات الأمني

ومن جانبه، أكد استاذ العلوم السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة الدكتور أحمد ثابت أن السنوات الست الماضية أفرزت العديد من المتغيرات على المستوى العراقي والعربي والدولي وذلك منذ بدء الغزو الأميركي للعراق واحتلاله لأراضيه.

وقال: إنه على المستوى العراقي، عانى العراق من الانفلات الأمني والتراجع الاقتصادي والفراغ السياسي وعودة «النعرة الطائفية» التي وصلت إلى حرب الاقتتال الدامي وضياع المؤسسات العراقية مما سمح بتوغل وتغلغل العديد من الأطراف التي لم تكن تحلم بذلك مثل التغلغل الإيراني في العراق وخاصة في الوسط والجنوب والتغلغل الإسرائيلي في المناطق الكردية على وجه الخصوص.

وتابع: أنه على المستوى الإقليمي،أدت الحرب الأميركية على العراق إلى تراجع دور الكثير من الأنظمة العربية خاصة بعد تنفيذ الإعدام في الرئيس الراحل صدام حسين وحرصت تلك الأنظمة على عدم الصدام مع الإدارة الأميركية حتى وهي ترفض مشروع الشرق الأوسط الكبير في ضوء الخوف من مغبة ذلك خاصة في المراحل الأولى للاحتلال ولكن بعد تورط الولايات المتحدة في العراق واكتشافها أن مستنقع العراق لا يختلف عن مستنقع الصومال أو فيتنام بدأت المواقف العربية تختلف شيئا فشيئا وتأخذ شيئا من الجرأة في مواجهة الغطرسة والصلف الأميركي - الإسرائيلي.

القاهرة ـ «البيان»