محمد شرارة هو أديب وشاعر لبناني. ينتمي إلى عائلة لبنانية جنوبية عريقة. أرسله والده الشيخ علي شرارة منذ مطالع شبابه إلى العراق لكي يتابع دروسه الفقهية في جامعة النجف. وقد تخرج في تلك الجامعة فقيهاً مع عدد من زملائه الذين صار بعضهم من أصدقائه التاريخيين. وكان في مقدمة هؤلاء الشهيد حسين مروة. لم يعد شرارة إلى لبنان بعد تخرجه شيخاً فقيهاً إلا لزيارة أهله.

واستقر في العراق، واكتسب الجنسية العراقية، وصار عراقياً. وظل على امتداد حياته عراقياً. ومات في العراق بعد معاناة طويلة مع السلطات الظالمة بسبب مواقفه وآرائه السياسية بعد أن أصبح شيوعياً ملتزماً. ودفن في بغداد التي أحبها وناضل مع الشعب العراقي ضد الذين استولوا بالقسر وبالظلم على مقدراته، وعلى مصائره ومصائر حياته.

لم يبق محمد شرارة طويلاً في موقعه كرجل دين. فخلع العمامة وزي رجل الدين، وتحول إلى أستاذ يدرس الأدب في المدارس منتقلاً من مدينة عراقية إلى مدينة أخرى إلى أن استقر به المقام في حي الكرادة الشرقية في جنوب شرق بغداد. وكان رفيقه في الرحلة ذاتها صديق عمره حسين مروة، الذي غادر لبنان في الوقت ذاته تقريباً الذي غادره محمد شرارة، لتلقي العلوم الدينية في جامعة النجف.

ثم خلع العمامة والزي الديني وتحول إلى أستاذ للأدب وللفلسفة في المدارس ذاتها وفي المدن ذاتها تقريباً التي درس فيها زميله وصديقه محمد شرارة. واستقر به المقام في مدينة الكاظمية في شمال شرق بغداد. لكن حسين مروة لم يبق في العراق مدى الحياة مثل صديقه. وفي حين ذهب محمد شرارة إلى السجن بسبب مواقفه السياسية المعارضة للسلطات الحاكمة فإن حسين مروة عوقب بنزع الجنسية العراقية منه، وإخراجه من البلاد. فعاد إلى لبنان. واستقر في وطنه الأول. وظل يكافح بالقلم إلى أن استشهد على يد ظلاميي العصر الحديث من محترفي التكفير ومحترفي القتل باسم التكفير.

كان بيت محمد شرارة مثل بيت حسين مروة مركزاً من المراكز التي كان يلتقي فيها الأدباء والشعراء وأهل الثقافة من المدارس والتيارات المختلفة. وكان من حظي أنني حين ذهبت إلى العراق في أواخر عام 1947 لمتابعة دراستي في مدارس بغداد برعاية حسين مروة، ابن عم والدي الشيخ أحمد، إنني كنت من رواد هذين المركزين الأدبيين.

وقد أتاح لي وجودي الدائم في هذين المركزين الأدبيين إمكانية التعرف إلى العديد من أدباء العراق، شعراء ونقاداً وروائيين وأهل ثقافة عامة، ممن كان بعضهم كبيراً مثل الجواهري، وممن صار بعضهم كبيراً مثل بدر شاكر السياب. إلا أن زوار بيت محمد شرارة من الشعراء كانوا أكثر من زوار بيت حسين مروة. ربما لأنه كان أقرب إلى بيوت أولئك الشعراء. كان بيت نازك الملائكة يقع في الكرادة الشرقية ذاتها.

وربما كان بيت لميعة عباس عمارة كذلك، من دون أن أجزم في ذلك. أما بدر شاكر السياب فكان، كما أذكر، يقيم في دار المعلمين حيث كان يتابع دراسته. وربما يكون السبب في اختيار الشعراء الالتقاء في بيت محمد شرارة يعود إلى أن مرتضى شقيق محمد كان يمارس كتابة الشعر. وكانت مريم ابنة محمد تدرس الأدب. وكانت بلقيس وحياة، خصوصاً حياة، تعشقان الأدب. وقد تحولت مريم بعد تخرجها من جامعة بغداد إلى أستاذة للأدب في إحدى جامعات لندن. أما حياة فقد تحولت فيما بعد إلى أستاذة للأدب في جامعة بغداد، وإلى ناقدة أدبية كبيرة.

التعرف على السياب

في بيت محمد شرارة تعرفت إلى بدر شاكر السياب، وإلى نازك الملائكة، وإلى لميعة عباس عمارة. وكان بدر مختلفاً في انتمائه السياسي عن كل من نازك ولميعة. كان شيوعياً ملتزماً. وكان مناضلاً عنيداً. وقاده موقفه ذاك إلى علاقة سيئة مع عائلته. ولم يحفل بذلك. ولم يتراجع عن موقفه وعن موقعه وعن انتمائه الفكري إلى الشيوعية.

أعجبتني شخصية السياب. فهو كان، بطبيعته كما عرفته، متواضعاً، شديد التهذيب، وكتلة مشاعر وأحاسيس. وكان، بقامته القصيرة وجسمه النحيل حريصاً على أناقة «أهل الذوات». وقد زادني إعجاباً به ذلك الإصرار منه على الالتزام بقناعاته الفكرية والوفاء للموجبات السياسية والنضالية لذلك الالتزام. وكنت قد أصبحت في ذلك التاريخ بالذات شيوعياً مثله. كنت في الثامنة عشرة من عمري. وكان يكبرني بأربعة أعوام. ورغم الفارق في العمر بيننا فقد نشأت بيني وبينه صداقة عميقة. وكثيراً ما كنا نلتقي خارج بيت محمد شرارة.

إلا أن اللقاءات في بيت شرارة كانت الأمتع والأجمل والأغنى. فقد كانت تلك اللقاءات مناسبة لنقاشات أدبية متنوعة، تناولت أحداثاً وكتباً وشخصيات أدبية. وكانت تترافق تلك النقاشات الأدبية بنقاشات سياسية حول ما كان يجري من أحداث في تلك الحقبة العاصفة من تاريخ العراق. إلا أن أجمل ما كان يجري في تلك اللقاءات هو الاستماع إلى القصائد الجديدة لكل من السياب والملائكة وعمارة. إذ كان هؤلاء الشعراء الثلاثة هم أبطال تلك اللقاءات في ذلك البيت الأدبي الجميل. أما الجواهري فكانت لقاءاتي به تتم في أماكن أخرى. في حين أن اللقاءات مع بلند الحيدري كانت تتم في مقهى «الواق واق»، الذي كان أنشأه الحيدري مع مجموعة من وجوديي ذلك الزمان. وكنا نلتقي كذلك في مقاهي بغدادية أخرى. وكان اللقاء مع أكرم الوتري يتم في منزله في بغداد، حيث كان يقرأ لنا أشعاره الأولى، وبعضها كان طريفاً وساخراً.

نازك الملائكة والشيوعية

ولم تكن نازك الملائكة تميل إلى الشيوعية. بل هي كانت في تلك المرحلة قليلة الاهتمام بالسياسة. لكنها عادت فاتخذت موقفاً قومياً، تعددت صيغه بحسب المراحل التي مر بها العراق، وبحسب الأحداث التي كانت تتغير طبيعتها، وكانت تتغير القوى والأهداف المتصلة بها. ولم أعد أذكر الانتماء السياسي الذي كانت تلتزم به لميعة عباس عمارة. أما السياب فكان، كما أشرت إلى ذلك، واضح الانتماء إلى الشيوعية، قوي الثقة بذلك الانتماء، من دون أن يخشى عواقبه. وقد قاده ذلك الانتماء إلى السجن أكثر من مرة.

وأعترف أن أقرب هؤلاء الشعراء جميعاً إليّ كان، في ذلك التاريخ، هو السياب. وكانت لتلك القربى أسباب أدبية وسياسية وإنسانية في آن. وقد رأيت في شعر السياب، منذ ذلك التاريخ، بداية حركة جديدة في الشعر. إذ كنت منذ شبابي الباكر قارئاً نهماً للشعر العربي قديمه وحديثه. كما كنت شغوفاً بالأدب. وكنت أمارس الكتابة الأدبية، وأترجم إلى العربية بعض نصوص شعرية لشعراء أجانب، وأترجم، إلى جانب الشعر، قصصاً لكتاب أجانب.

استمرت علاقة الصداقة مع السياب عامين كاملين، هما العامان اللذان قضيتهما في العراق. ولم أعد ألتقي به بعد ذلك، لا في العراق عندما عدت لزيارته في عام 1952 لأنه كان خارج العراق، ولا في لبنان حين أقام فيه بعض الوقت، لأنني كنت أنا أقيم خارج البلاد. وحين وصلتني أنباء عن معاناته الشخصية والسياسية التي دفعته لأن يتحول من شيوعي عميق الالتزام بشيوعيته فكرياً وسياسياً ونضالياً، إلى معاد للشيوعية، صعقت وأصابني الذهول.

التحول الفكري للسياب

وتساءلت يومذاك بكثير من المرارة، بيني وبين نفسي، عما يمكن أن يكون قد حدث لهذا الشاعر الكبير لكي يتخلى عن انتمائه الفكري والسياسي وينتقل إلى الموقع النقيض. وكان يترافق تساؤلي يومذاك مع تساؤلات عما كان يحدث في الاتحاد السوفييتي لبعض كبار الكتاب والشعراء والفنانين من قمع واضطهاد، اضطر بعضهم إلى الخروج على النظام، والخروج من الإتحاد السوفييتي فيما اعتبروه اختياراً للحرية. كما كان يترافق تساؤلي ذاك مع تساؤلات عما كان يحدث في بلدي لبنان، داخل الحزب الشيوعي الذي كنت عضواً فيه، ثم صرت واحداً من قادته الأساسيين على امتداد أربعة عقود. إذ كان قد تعرض للاضطهاد من قبل قيادة الحزب اللبناني في ذلك الحين رئيف خوري، كبير الأدباء المنتمين إلى الاشتراكية فكراً وأدباً وسياسة، ومشروعاً تغييرياً كبيراً للمستقبل.

ولم أجد في تساؤلاتي تلك مبرراً يقود شاعراً كبيراً مثل بدر شاكر السياب إلى هذا الانتقال العجيب من ضفة إلى ضفة أخرى في الحياة، ضفة نقيضة لها بالكامل. وكنت أقارن بين موقف السياب وموقفي. فبرغم ما شهدته من قمع لأهل الثقافة ولأصحاب الرأي الآخر خلال زياراتي وإقاماتي في موسكو وفي عواصم أوروبا الشرقية، وما شهدته وأبديت اعتراضي عليه واستنكاري له لرئيف خوري ولعدد من رفاقه من الأدباء، بقيت في الموقع الذي كنت فيه. إذ أن رئيف خوري بالذات هو الذي نصحني بألا أخرج على قناعاتي، وأن أظل في الحزب الذي اضطهده، وأن أتابع النضال من أجل التغيير في الحزب.

وكانت نصائحه تلك لي تشير إلى عمق انتمائه إلى فكره الاشتراكي، وإلى قدر عال من الصدقية التي تتصل بمثل الاشتراكية وبقيمها. وقد تمكنت ببقائي في الحزب، بنصيحة من رئيف خوري، مع عدد من رفاقي من الجيل الشيوعي الجديد من إحداث تغيير جوهري في الحزب بعد ذلك التاريخ بخمسة عشر عاماً، اتخذ طابع الثورة بكل المعاني.

كتاب «كنت شيوعيا»

حين قرأت الكتاب الذي صدر في عام 2007، أي بعد أربعة عقود ونيف على وفاة السياب (1964)، الكتاب الذي يحمل اسمه بعنوان «كنت شيوعياً»، أصبت بذهول كبير. ففي هذا الكتاب روايات عجيبة عن تاريخ علاقة السياب بالحزب الشيوعي العراقي وبالشيوعية. وهي أحداث لا أريد أن أشكك بصحتها. فذلك أمر لا يخصني، ولا أملك المعطيات التي تسمح لي بمناقشة السياب بشأنها. لكنني لم أجد في تلك الأحداث التي يرويها السياب في حلقات الكتاب التي بلغت أربعين حلقة، ما يستدعي منه ذلك الانقلاب الفكري والسياسي.

ذلك أن حبي لشعر السياب، وتقديري له كرائد أول للحداثة في الشعر العربي، واعتزازي بالصداقة التي ربطتني به خلال ذينك العامين الفريدين من الزمن الأول، إن كل ذلك يدعوني اليوم، وبعد هذا التاريخ الطويل على غياب شاعرنا الكبير، إلى تجاوز ما جاء في هذا الكتاب من أخبار وتفاصيل لا قيمة تاريخية لها بالنسبة إليّ. ولتجاوز هذا الكتاب معنى يتعارض مع ما أراده ناشرو الكتاب اليوم بالذات. فالسياب هو قبل كل شيء، وبرغم ما جاء في سيرته الشخصية من التباسات، الشاعر الكبير الذي يؤرّخ النقاد بشعره بداية الحداثة الشعرية في العالم العربي.

كان بإمكان السياب أن يظل شيوعياً. لكنه اختار أن يتخلى عن شيوعيته. وهذا شأنه. وحين غادر الحياة كان فقيراً. وكان مريضاً. وكان الذين رافقوا جثمانه إلى مثواه الأخير يعدون على الأصابع. حتى الذين شجعوه على التخلي عن أفكاره الاشتراكية، وصفقوا له حين انتقل إلى الضفة الأخرى، تخلوا عنه عندما كان بحاجة إلى من يهتم به في لحظات حياته الأخيرة وهو يعاني من المرض والفقر.

شيوعياً كان السياب، أو معادياً للشيوعية، لا يغير في الأمر شيئاً. فقد ظل أميناً بامتياز لنهجه التحديثي في الشعر حتى آخر رمق من حياته، وحتى آخر شطر من بيت شعري، وحتى آخر كلمة شعرية نطق بها. هذا هو السياب، بالنسبة إليّ، وإلى الذين يقرأون شعره اليوم. فشعره هو الخالد الباقي. أما الأحداث الصغيرة في حياته، فتبقى صغيرة، صغيرة جداً، أمام السيرة الشعرية لهذا الشاعر الكبير.

وفي ظني أن الذين نشروا كتابه المشار إليه «كنت شيوعياً» قد أساءوا إليه، ربما من دون أن يدروا، أو ربما بدراية منهم، استناداً إلى موقف عندهم من الشيوعية، معاد لها. فعداؤهم للشيوعية، وتصفية حساباتهم معها هو شأن يخصهم. لكن استخدام شاعر كبير، كبير جداً، مثل بدر شاكر السياب كوسيلة لتصفية هذا الحساب مع الشيوعية هو أمر لا أعتقد أنه كان ضرورياً. فتلك الأحداث التي يضمها الكتاب، بمعزل عن دقتها وصحتها، -وهو أمر لا يعنيني التدقيق فيه- إنما يشكل إساءة إلى السياب، كنت أتمنى لو أن ناشري الكتاب قد انتبهوا إليها، سامحهم الله.