تنظر إيران بجدية في الدعوة الأميركية للمشاركة في المؤتمر حول أفغانستان نهاية مارس الجاري، وهناك دعوات كثيرة داخل واشنطن للتقارب والتفاهم مع طهران، وعلى ما يبدو أن هذه الدعوات تلقى صدى لدى إدارة الرئيس أوباما على الرغم من قرار تجديد العقوبات على إيران، والذي فسره البعض بأنه مجرد إرضاء لإسرائيل التي أزعجها كثيرا دعوات التقارب مع إيران.
في نفس التوقيت أثارت هذه الدعوات القلق والشكوك لدى البعض في موسكو، خاصة وأنها جاءت مباشرة بعد البدء في تشغيل مفاعل محطة بو شهر، الأمر الذي قد يوحي بإمكانية استغناء إيران عن روسيا وبداية الانفتاح على الغرب، وقد سبق أن حذر بعض الروس من التمادي في التعاون مع إيران.
لكن على ما يبدو أن النظام الحاكم في موسكو لا يعير الغزل الأميركي لإيران اهتماما ملحوظا، ليس ثقة في ولاء إيران بقدر ما هو تعامل مع معطيات تاريخية وجغرافية وسياسية تقول ان النظام الإسلامي الحاكم في إيران قد نصب سياسة العداء للولايات المتحدة منذ البداية ووصفها بالشيطان الأكبر، وعلى مدى نحو ثلاثين عاما لم تهدأ هذه السياسة بل تكرست وترسخت حتى أصبحت هي المرجعية والمصداقية التي أسس عليها النظام الإيراني استراتيجياته الداخلية والخارجية، والتخلي عن هذه السياسة لا يمكن أن يأتي في وقت قصير، بل ربما يحتاج لسنوات طويلة وتضحيات كبير.
ويحتاج في الأساس إصلاحات داخلية كبيرة في إيران على كافة المستويات، خاصة وأن هذه السياسة العدائية للقوة العظمى الأميركية كانت ومازالت هي الدعامة الأساسية « وربما الوحيدة » للالتفاف الشعبي حول النظام، ولولا هذه الدعامة لما استطاع النظام الصمود طيلة السنوات الطويلة الماضية أمام الغضب الشعبي المستمر من سوء الأحوال الداخلية في كافة المجالات، كما أن النظام الإسلامي في إيران أتيحت له من قبل فرص كثيرة للحوار والتفاهم مع واشنطن، وخاصة في ظل حكم الإصلاحيين بعد عام 1997، لكنه لم يشأ أن يستغل هذه الفرص وفتح حوارات مع الأوربيين وظل على عداء مع واشنطن.
أيضا عامل «انعدام الثقة» بين إيران الإسلامية وواشنطن مكرس وراسخ بشكل كبير، ويرجع في الأساس إلى استحالة تعامل واشنطن بثقة وحسن نية مع نظام إسلامي له طموحاته وتطلعاته الخارجية، وخاصة الإقليمية منها، والتي عاجلاً أو آجلاً لابد وأن تمس مصالح واشنطن في منطقة الخليج وفي الشرق الأوسط أيضا، ولا يمكن تصور أن النظام الإسلامي في طهران سوف يتخلى يوما ما عن طموحاته الإقليمية ولا عن دعمه لجهات تصنفها واشنطن في خانة الإرهاب وتشكل خطرا على إسرائيل.
كما أن النظام الإيراني يعلم جيدا أن واشنطن لن تعطيه ما يمكن أن تعطيه له روسيا، وخاصة الأسلحة الإستراتيجية الحديثة، ويعلم أيضاً أن موسكو لن تتدخل يوما ما في شؤون إيران الداخلية بينما واشنطن ستضع هذا الأمر هدفا رئيسيا لها كعادتها في التعامل مع الدول الأخرى.